الصحفي ادريس الصغيوار: معالم مهمة لتجديد المودة الزوجية. الحلقة الاولى : تجديد الحب

الحب.. كلمة رقيقة تختزل في رقتها كل معاني العواطف النبيلة.. لكن جوهرها على نقائه وصفائه يظل غامضًا من حيث ماهيته وحقيقته.. كما نظمت منذ الصبا: الحب شيء في الفؤاد دفين – لغز خفي لا تراه كمين حارت جموع الناس في الغازه – وأصاب بعض العاشقين جنون . و تظل معاني الحب ممثلة في الانجذاب والميل والمتابعة وغيرها من المعاني السامية قائمة ما أقام ذاك الجوهر في الوجدان! وهذا.. ما يجعل «الحب في العلاقة الزوجية» هو أعظم دليل إلى نجاحها بعد الإيمان بالله جل وعلا. ففي الحب الطاهر الخالص تنصهر العلاقة الزوجية انصهارًا عظيمًا.. ثم تأخذ – باسم الله – مجراها في كل ينابيعها ومسالكها العميقة الغائرة في النفس، حتى إذا استوفت انصهارها فيها.. استقرت ورست.. على نحو يستحيل معه الفكاك.. ومن الحب وحده.. يتولد كل شيء! فله قدرة مدهشة على إجبارك على قول الشعر ولست بشاعر! وأن تقول ما تخجل من قوله! وأن تلين وإن كنت غليظًا! وأن تحن وإن كنت قاسيًا! وأن تستعذب فيمن تحب ما كنت بالأمس تكرهه! ولذا فإن سر المودة الزوجية يكمن فيه وحده! كينونتها.. وكمالها.. وبقاؤها كل ذلك يعتمد على مدى الحب الذي يسكن قلب الزوجين. فالزوج الذي يحب زوجته.. لا يقف عند حدود أداء حقوقها.. وإنما يتفانى بكل شيء لا محظور فيه ليسعدها ويرضيها.. حتى إن تفانيه في ذلك ليأتي بشكل تلقائي لا كلفة فيه.. والشيء نفسه ينطبق على الزوجة المحبة لزوجها… إنها لغة العواطف السامية على كل لغة. فالكلام الطيب.. والابتسامة العذبة.. والنظرة الآسرة.. والحنان.. والمودة والرحمة.. والاحتمال والتغاضي عن الأخطاء.. والتسامح.. والتعاطف.. والرفق.. والانجذاب.. كلها بعض ثمرات الحب الصادق الذي يسود العلاقة الزوجية، وتزداد تلك الثمرات حلاوة وطراوة كلما كان الحب أخلص وأصدق! ومن العجيب أن بذرة الحب بذرة طيبة، فأحيانًا تنمو بذاتها دونما الحاجة إلى فعل شيء! وأحيانًا أخرى يحتاج نموها إلى بذل جهد حتى يخرج نباته بإذن ربه. ومخطئ من ظن يومًا أن زواجًا لم تسبقه قصة حب هو زوج فاشل! في الحب تذوب الفوارق بل تذوب الشخصية ذاتها ويلغى الوجود ( الشخصي) ..ولذلك درجات تتفاوت بحسب قوته وضعفه ولهذا كان للحب أكثر من ستين اسما من بينها الهيام والعشق و التتيم والشغف والسكر والسلطان … وكلها اسماء تحكي قصة تأثيره وجبروته ! ولهذا اذا تأملت في كل صور العشرة بين الزوجين ومفرداتها وجدتها تتناغم مع مفهوم المودة والحب .. اذا زاد كان لتلك المفردات حضورا طاغيا في كل ربوع العلاقة الزوجية ! خذ كمثال مفهومي الدلال في المباح والطاعة في المعروف ! فالزوج المحب يحركه الحب قبل الحكمة ! فتجده أحرص على تدليل زوجته ومسايرتها فيما تحب ما دام ذلك في مرضاة الله وما اباحه …ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اشتهت عائشة شيئا لا محظور فيه إلا وتابعها عليه وحققه لها !! كما نص على ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد . والزوجة المحبة يحركها الحب لتكون ملبية لطلبات زوجها مودة وكرامة ومع ذلك هي تعلم ان طاعتها هي علامة القانتات! المطيعات لازواجهن في المعروف والمباح !! فالحب باعتباره وقود المشاعر يجعلها تقول لبيك ! وهي بذلك تلبي أمر الله ايضا فتؤجر على حبها وتلبيتها ! وتكون ممن قال فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذا صلت المراة خمسها وصامت شهرها واطاعت زوجها وحفظت فرجها قيل لها ادخل الجنة من اي ابواب الجنة شئت ) . وما عدا ذلك اذا كانت ناشزة عنيدة .. فهي مع موت إحساسها وعاطفتها …عاصية جاحدة لحق العشرة بالمعروف! ومهما انطفأ نور الحب وخبا فإنه يتجدد لأن مساحة القلب وطبيعته مهياة داىما لتجديده وأرحب من أن تضيق بالحب بعد الزواج! فالحب ظاهرة إنسانية تحكمها قوانين العلوم الإنسانية.. ونقول أيضًا: إن الظواهر الإنسانية هي ظواهر متجددة، خفية، ومتغيرة في الإنسان.. لها أسباب توجب وجودها وأخرى تدفعها إلى الزوال، وإذا أعملنا هذه الثقافة في واقع الحال.. نجد أن العلاقة الزوجية هي أخصب تربة لأطيب حب! وإن أي علاقة محرمة – فيها حب – هي إلى الزوال أقرب منها إلى البقاء، لما جبله الله في الحرام من نزع البركة فلا ينمو ولا يبقى ! بل يعود حسرة على صاحبه .. فالعلاقة الزوجية والعلاقة المحرمة تشتركان في استحسان العلاقة في أول نظرة! لكن تبقى العلاقة الزوجية – بميثاقها الغليظ – قوية البنيان.. صلبة الأركان.. واضحة لا خفاء فيها.. متينة تشق طريقها في اتجاه الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. فهي العش الدافئ الذي تجد فيه القلوب سكينتها.. وعواطفها.. وتطير به في رحاب الحياة.. ولا يمنع ان تقع المحبة قبل الزواج كشعور فطري ، تقع موجباته فيقع ! فذلك لا شيء فيه اذا لم يدفع صاحبه الى علاقة محرمة !! بل جاء في الحديث ( ما رؤي للمتحابين مثل النكاح ) اي الزواج . وعلى كل زوج.. وزوجة يريدان لحياتهما السعادة.. ولعلاقتهما النجاح أن يتأملا مليًا في هذه الزاوية من عواطفهما.. سيجدان أنهما يمتلكان الأرضية الخصبة لنمائها وتعاهدها من حين لآخر.. وهذه الارضية هي العشرة بالمعروف مما اوجبه الله على الزوجة في حق زوجه واوجبه الله على الزوج في حق زوجته فإنه اذا روعيت الحقوق بالمعروف المشاع شرعا وعرفا بين الزوجين كان ذلك أخصب تربة لأجمل حب لا يذبل ابدا!!
الصحفي إدريس الصغيوار يكتب: إذا لم تُدارِها ..لن تسعدَ بها

الصحفي إدريس الصغيوار مهما كانت حرارة المودة والعواطف حاضرة بكل ثقلها في البيوت فإن مساحة العلاقة الزوجية تشغل أمورا حياتية عديدة غير العواطف والمودة, وبسبب تفاصيل تلك الأمور الحياتية, يحتاج الزوج إلى رؤية موضوعية ثاقبة حتى يستطيع الحفاظ على دفء العلاقة والعشرة بالمعروف حتى مع وجود منغصاتها من المشاكل والخلافات. وما يحتاجه تحديدا هو امتلاك القدرة على فهم منهج التواصل مع أهله ..مع عقلها وقلبها وعاطفتها ونمط تفكيرها من حيث هي أنثى من جهة ومن حيث شخصيتها وطباعها الخاصة من جهة أخرى . فخريطة الطريق هذه هي ما يحتاج إلى معرفته و(فقهه) ليحقق سعادته في بيته . و مقارنة بكل مفردات الأخلاق الزوجية التي يبنى عليها صرح العشرة بالمعروف بين الزوجين ،يعد خلق المداراة واحدا من أهم تلك الأخلاق وأنفعها لبقاء المودة والحب والتفاهم في البيوت، بل هو الخلق الجامع لأسس الطمأنينة ونجاح العلاقة الزوجية وتجاوز كل العقبات أمامها، والمعني بهذا الخلق تحديدا هو الزوج وليس الزوجة ! نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو من حث على هذا الخلق ودل عليه ، ورسم به أبعاد السعادة في البيوت وجعله محور طمأنينتها وبقاء المودة والخير في أركانها ! فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”((استوصوا بالنِّساء، فإنَّ المرأة خُلقتْ مِن ضلعٍ، وإنَّ أعوج شيءٍ في الضلع أعْلاه، فإنْ ذَهَبْتَ تُقيمُه كسَرْته، وإنْ تركته لَم يزل أعْوَج، فاستوصوا بالنِّساء)) متفق عليه. وعن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنَّ المرأة خلِقَتْ مِن ضلع، وإنك إنْ ترد إقامة الضلَع تكسرها، فدارها تعشْ بها) رواه احمد وصححه الألباني . ففي الحديث الأول وصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء فكان كلامه عاما بالتعامل معهن بالخير بعد أن أوضح أصل خلقتهن, وفي الحديث الثاني أيضا أوضح أصل الخلقة ثم أرشد لخلق المداراة فهذا الخلق إذن جامع لفحوى الوصية بالنساء خيرا ! كما هو حل لجملة الخلافات الزوجية. وأجمل ما قرأته في شرح ما دل عليه الحديث الذي في البخاري كلام الإمام ابن حجر رحمه الله حيث قال: “كأن فيه رمزًا إلى التقويم برِفْق؛ بحيث لا يبالغ فيه فيكسر، ولا يتركه فيستمر على عوَجه، وإلى هذا أشار المؤلِّف (يقصد البخاري رحمه الله) بإتْباعه بالترجمة التي بعده: “باب قُوا أنفسكم وأهْليكم نارًا”، “فيؤخَذ منه ألا يتركها على الاعْوِجاج إذا تعدتْ ما طبعتْ عليه من النقْص إلى تعاطي المعصية بمُباشرتها، أو ترْك الواجب، وإنَّما المراد أنْ يتركها على اعْوِجاجها في الأُمُور المباحة.” وقال أيضا : ” وفي الحديث الندْب إلى المداراة؛ لاستمالة النفُوس، وتألُّف القُلُوب، وفيه سياسة النِّساء بأخْذ العفْو منهنَّ، والصبْر على عوجهنَّ، وأنَّ مَن رام تقْويمهن فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسْكن إليها، ويستعين بها على معاشِه، فكأنَّه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبْر عليها” وحين نتكلم عن حاجة الزوج إلى مداراة أهله لتكتمل سعادته فنحن نتكلم عن حل جذري لكل الهموم الزوجية التي منشؤها من الخلاف في الآراء ،فغالبا ما يكون الحل في استعمال هذا الخلق ويكون المعني به هو الزوج كما جاء في الحديث (فدارها تعش بها) ! والمداراة تقوم على أساس الرفق والتودد والتغاضي،فالمداري مع معرفته بخطأ من يداريه وما هو عليه حاله يتغافل عن حاله حتى أن من يراه يظنه مغفلا وهو من اليقظة في نهاية ، ولكن لا يعني ذلك تأييد الخطأ والموافقة عليه ولكن معالجته باللين وتطييب الخاطر أو الإعراض عن ذكره بالكلية إن كان من الطباع والعادات التي يمكن تحملها ولهذا كله ضوابط بينها الإمام ابن حجر في شرح حديث المداراة السابق قال رحمه الله : (والمداراة : هي الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله ، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك) [فتح الباري (10/ 528) ]وتأمل في قوله (لا سيما إذا احتاج إلى تأليف ) لتعلم أن الزوجة أحق به من غيرها فالحاجة إلى تأليف قلبها وكسب مودتها من المقاصد الهامة للسعادة في البيوت ، فمن المداراة على هذا النحو تتفتق المحبة حين تغيب المحاسبة بكل تبعاتها ويسود التسامع والتغاضي والغفران والتجاوز لا سيما من قبل الزوج المعني بها قال ابن بطال رحمه الله : (المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة) [ فتح الباري (10/ 528)] هذا مع عموم الناس وهو مع الزوجة أوكد لأن خير الناس خيرهم لأهله كما دل على ذلك الحديث الصحيح. نعم ليس كل الخلافات على وتيرة واحدة ولون واحد فهناك ما يكون بسبب أخلاق سيئة قد ترتكبها الزوجة في حق زوجها لكن حتى هذا النوع من الخلاف لا يخلو من حلول أقرب ما تكون إلى المداراة كالرفق والتجاوز لاسيما حين تكون نادرة أو من جملة الطباع التي يصعب إزالتها ففي الحديث الصحيح : الحديث قال – صلى الله عليه وسلم -: ((لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كَرِه منها خلقًا رضِي منها غيره))؛ رواه مسلم. إن مقياس رجاحة العقل هو في قدرته على توظيف هذا الخلق الرفيع في سياسة بيته وأموره مع أهله قال الحسن: (التودد إلى الناس نصف العقل ) وإذا كانت الزوجة أولى بصدقة الزوج من غيرها عند الحاجة إليها فإن المدراة من أجود الصدقات قال حميد بن هلال : (أدركتُ الناس يَعُدُّون المداراة صدقة تُخرج فيما بينهم) نعم إن هناك من النساء من لا ينفع معها مداراة ولا حسن خلق لطبعها الفاسد الغالب بالعناد في الباطل والاصرار على المخالفة وسوء الخلق وأذى الزوج بكل أشكاله وتجاوز امر الله فيه بالتمرد على أمره وتجاوز قوامته ورأيه والإتيان بما يكره ، وعدم حفظ عهده كامراة نوح وامراة لوط وقد جعلهما الله مثلا للذين كفروا بسبب نفاقهما وولائهما للكفرة من قومهما ، إلا ان هذا لا يمنع من مدارة امراة كهذه ما دامت في عصمة الزوج حتى وهو يعلم ما هي عليه, فالمداراة تكفي الزوج كثيرا من شرورها وأذاها بالاضافة الى الدعاء لها لعل الله يصلح حالها كذكر طرفي النهار ( اللهم إني أسالك العفو والعافية في أهلي ومالي …الخ.) والمداومة على التعوذ بالله ( من المراة السوء ) فلا يزال الزوج كذلك حتى يصلحها الله ( واصلحنا له زوجه) او يأخذها أخذ عزيز مقتدر جزاء وفاقا كما اخذ امراة نوح وامراة لوط وجعلهما عبرة لأمثالهما في المخالفة وأذية الزوج. فالمداراة أساسا تكون مع السفهاء لتجاوز سفههم باقل الخسائر ..كما تكون مع الزوجات لتجاوز نقص عقلهن وطبعهن بأقل الخسائر ..ولا يمكن ان تسعد بزوجة ما لم تكمل
