الكاتب الصحفي إدريس الصغيوار: نساء المغرب العربي وفخ “النسوية الغربية”

ينطوي الحديث عن نشأة “النسوية ” في المغرب العربي وأثرها ومآلها” على العديد من الإشكالات الاصطلاحية على مستوى المفاهيم؛ مما يجعل الحاجة ماسة إلى تحريرها كمقدمة ضرورية للتفريق بين الاصطلاحات المتداخلة، فمفهوم النسوية يلتبس عند الكثيرين في المغرب العربي، وفي غيره بمفهوم العمل النسائي، أو العمل النسوي. كما أن مفهوم النسوية نفسه يبقى في اصطلاحه العام مطلقا كليا غامضا، تتغاير معانيه بتغاير الإضافة إليه. فنجد النسوية تيارات متباينة، فمنها الليبرالية والاشتراكية والماركسية والراديكالية والبيئية وغيرها، بل والنسوية الإسلامية مؤخرا. كما تلتبس الأبعاد الفكرية النظرية لهذا المفهوم بواقعه العملي الحركي، فيظن الكثير أنه مجرد اتجاه حقوقي لا أكثر، لاسيما حينما تتبناه الهيئات الحقوقية العالمية؛ مما يزيد من الحاجة إلى تحرير المعنى المطلق والمقيد للنسوية، كشرط مهم لدقة توصيف نشأة هذه الحركة في بلدان المغربي العربي، وعلاقتها بالنسوية الغربية وحقيقتها وأهدافها وأثرها السياسي والاجتماعي والفكري ومآلاتها المستقبلية. النسوية: (من حيث اللغة هي مصدر صناعي مولد نسبة إلى اسم) نسْوة (بتسكين السين وضم النون أو نصبها والنسبة إليه نسْوي ٌّ.كما تقول) زَيْدية ( نسبة إلى زَيْد أو) بكْريَّة (نسبة إلى بَكْر، ويطلق عليه) النَّسَويَّة (بفتح السين تجوزا لأنها جرت بذلك مجرى الاصطلاح على معنى محدد شاع تداوله). والنسوية في الاصطلاح يعرفها معجم أوكسفورد بأنها: “الاعتراف بأن للمرأة حقوقًا وفُرَصًا مساوية للرجل”. وفي معجم “ويبستر” هي “النظرية التي تنادي بمساواة الجنسين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتسعى كحركة سياسية إلى دعم المرأة واهتماماتها، وإلى إزالة التمييز الجنسي الذي تعاني منه”؛ وفي العموم هو مفهوم يتلخص إجمالا في القول بأنه: “حركة تعنى بقضايا النساء وشؤونهن وفق مرجعات فكرية محددة، جوهرها المطالبة بمساواة المرأة بالرجل مساواة مطلقة”، وقد نشأت هذه الحركة في الغرب، ومرت بمراحل عدة تغاير فيها التعريف تبعا لتغاير مضامين هذا الاصطلاح الذي يصطلح عليه في الغرب بـ: “فمينـزم” (feminism). وقد مرت النسوية الغربية في نشأتها بمرحلتين هامتين هما باختصار: المرحلة الأولى: نسوية المساواة : Equity Feminism كانت انطلاقتها خلال القرن التاسع عشر الميلادي في أمريكا وبريطانيا، ثم توسعت في الغرب للمطالبة بالحقوق الاجتماعية للمرأة في العمل والتوظيف والدراسة، وكل ما يخص الحقوق الفردية الأسرية. ومن هنا بدأت المطالبة بفكرة المساواة مع الرجل في كافة الحقوق. المرحلة الثانية: نسوية الجندر “Gender Feminism بدأت هذه المرحلة سنة 1960م، وبنيت على مفهومين اثنين هما: النوع Gender، والضحية Victim ، ومفهوم النوع يقوم على مبدأ واحد هو إلغاء الفروق الجنسية بين المرأة والرجل، بمعنى إلغاء مفهوم الأنوثة والذكورة، وإعطاء الأولوية للنوع، أي الإنسان بغض النظر عن تكوينه الجسدي الفسيولوجي. ويترتب على ذلك التناقض التام مع ثوابت الإسلام في التفريق بين الأنثى والذكر وخصوصية حقوق كل منهما في التشريع الإسلامي، ومنها الزواج وتشريعاته، والإرث ونحو ذلك مما هو مدون في الفقه الإسلامي، فبحسب هذه النظرية لا يقف الأمر عند المطالبة بالمساواة في أفق محدد، بل يشمل ذلك المساواة المطلقة لدرجة المطالبة بتشريع الزواج من جنس واحد، كزواج الأنثى من الأنثى مثلا، باعتبار الأنوثة والذكورة فوارق غير معترف بها في النسوية المعاصرة. المفهوم الثاني: “الضحية” ويقوم على تعميق الشعور بأن المرأة هي ضحية الرجل؛ لذلك يجب بذل الجهود لانتشالها من وضع الضحية، لتستعيد مكانتها الإنسانية في إطار مفهوم “النوع”. وعلى أساس هذين المفهومين تصوغ النسوية المعاصرة مطالبها بإطلاق يتجاوز كل ثوابت الدين والمعايير الأخلاقية الاجتماعية. حول مفهوم النسوية: الماهية والأبعاد لقد أصبح مفهوم “النسوية” واحدا من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والتجاذبات الفكرية في الثقافة المعاصرة، ليس في الشرق فحسب -كما قد يتبادر إلى الذهن – بل في عقر دارها ومحل نشأتها وميلادها: الغرب. فهذا المفهوم يمثل –في الغرب نظرية فلسفية – قائمة بذاتها في العلوم الإنسانية والفلسفة ككل، فحينما نتحدث عن “النسوية” فنحن نتحدث عن اتجاه فلسفي، تماما كما نتحدث عن “الفلسفة الوجودية أو الليبرالية أو الماركسية أو نظرية داروين وغيرها، إنه اتجاه له فلاسفته ومنظروه، وكتبه بل وجدليته أيضا في أطروحات منظريه الغربيين حتى أصبح تخصصا قائما بذاته يعرف باسم: “الدراسات النسائية” يتم تدريسه في الجامعات الغربية، وهو من بين أسس نظرية العلاقات الدولية المعاصرة، وهذا الاتجاه وإن كان في جانبه العملي: “حركة تهتم بالقضايا النسوية بمنظور معين، “إلا أنه في العمق يقرر رزمة من التصورات ذات البعد العقدي لمواضيع حساسة غاية في الأهمية، مثل: هوية المرأة، وماهيتها مقارنة بالرجل، وطبيعتها التي تصل إلى حد إمكانية زواجها بامرأة أخرى مثلا، وبناء على ذلك حقوقها بل وينظر للإنسان أي لجنس الإنسان: من هو؟ وما علاقته بالدين وبكل المحددات الأخرى تقاليد، عادات اجتماعية، ثقافية. ومن بين أهم المنظرين لفلسفة النسوية في نسختها أو مرحلتها الثانية “نسوية الجندر” : الفيلسوف الألماني الأمريكي اليهودي الأصل ورائد اليسار المتطرف “ماركيوز هربرت” Herbert Marcuse) ( الذي جعل الدعوة إلى الحرية الجنسية المطلقة، بما في ذلك الشذوذ الجنسي بكل أشكاله جوهر فلسفته التي كانت نواة للنسوية في مطالبها وتحررها الاجتماعي في السبعينات من القرن الماضي. وكذلك فيلسوفة النسوية سيمون دي بوفار – Simone de Beauvoir في كتابها : الجنس الثاني” ( The second Sex) الذي طبع سنة 1949م والتي أنكرت حتى الفروق البيولوجية بين الجنسين ومن مقولاتها: “سلوك المرأة لا تفرضه عليها هرموناتها ولا تكوين دماغها بل هو نتيجة لوضعها”، وكانت من أبرز الدعاة لهدم مؤسسة الزواج باعتبارها تشكل مناخا لعبودية المرأة. وأيضا بيتي فريدان –Betty Friedan في كتاب “الغموض الأنثوي” (The Feminine Mystique) المطبوع سنة 1963م وإن كان الاعتماد الأكبر في التنظير لهذا الاتجاه تم من خلال كتاب: (السياسات الجنسية” (Sexual Politics) (لـ كيت ملييت – Kate Millett سنة 1970م. وأيضا الفسلسوف الفرنسي: “شارل فوربيه” Charles Fourier) ( صاحب )نظرية فوربيه( في علم الاجتماع; المعروف بأب النزعة النسوية الغربية والذي جعل الأسرة هي سبب عبودية المرأة، ودعا إلى تحررها من العبودية بهذا المنطق). إن هؤلاء المنظرين من الفلاسفة والمفكريين يقررون أن التصور الإنساني للمرأة عبر التاريخ كله تصور خاطئ تماما، كما لو أن أحدا يعتقد بأن الشمس هي القمر؛ لذلك فهم يؤسسون جدليات فكرية في فلسفة النسوية لتصحيح النظرة إلى المرأة. من هي في الجنس البشري؟ وكانهم أنبياء بعثوا للبشرية برسالة جديدة، مفادها أن المرأة إنسان بكل مميزات وخصائص الرجل النفسية والعقلية والجسدية، وإن اختلفت عنه في شكلها وفي تكوينها الهرموني، إلا أنها في كل الأحوال ليست أنثى، كما تصفها سائر الثقافات والديانات والحضارات، وأن تصنيفها باعتبارها أنثى للذكر هو الإجرام الذي ارتكبته البشرية ولا تزال ترتكبه في حقها؛ لذلك فالمعركة مع الرجل هي معركة كونية لطرد مستعمر مهيمن على المرأة وسالب لكل مقومات وجودها، كما تقرر ذلك روبين مورغان في مقال كتبته سنة 1974 م بعنوان: “عن النساء كشعب خاضع للاستعمار” (on women s colonized people) والذي صدر في كتاب من مجموعة مقالات في
