لسنا مضطرّين لخلع هويتنا لتنظيم كأس العالم

إنّ من أخطر ما يمكن أن تُبتلى به الأمم، أن يتحوّل بعض مسؤوليها إلى دعاة تشكيك في ثوابتها، وأن يصبح التبرّؤ من المرجعية الحضارية والدينية –في نظرهم– شرطا للالتحاق بركب “العالم المتحضّر”؟! ذلك أنّ الأمم القوية لا تُقاس بمدى استعدادها للتنازل عن هويتها، بل بقدرتها على التوفيق بين الانفتاح على العالم من حولها والاعتزاز بخصوصيتها. ولذلك كان مستفزّا أن تصدر عن مسؤول حكومي في مستوى وزير العدل تصريحات توحي بأنّ ما تبقّى من مقتضيات مستلهمة من الشريعة الإسلامية في القانون الجنائي المغربي، صار عبئا على بلد يستعدّ لتنظيم كأس العالم؛ وكأنّ تنظيم حدث رياضي عالمي يقتضي بالضرورة التخلّي عن الخصوصية الحضارية والقانونية للأمم. والحال أنّ التجارب العالمية نفسها تكذّب هذا المنطق. فدولةٌ مِثل قطر نظّمت واحدة من أنجح نسخ كأس العالم بشهادة العالم، ولم تُجبر أحدا على التخلّي عن هويته، كما لم تسمح –في المقابل– بأن يُفرض عليها نموذج ثقافي غريب عن مجتمعها وقوانينها. وقد جاء الناس إليها من مختلف الأديان والثقافات، واحترموا قوانين البلد وعاداته، لأنّ هذا هو الأصل في العلاقات بين الأمم: الزائر يحترم قوانين البلد الذي يزوره، لا أن يُطلب من البلد أن يغيّر قوانينه إرضاءً للزائر. ثمّ إنّ القانون الجنائي لا يُصاغ لمناسبة رياضية عابرة، ولا يُفصّل على مقاس السائحين الذين سيقضون أياما معدودة ثم يغادرون. إنّما يُسنّ لتنظيم حياة المجتمع في حالاته العادية، وحماية منظومته الأخلاقية والقيمية، وتحقيق التوازن بين الحريات والمسؤوليات. ولذلك فإنّ تحويل مناسبة رياضية إلى ذريعة للمطالبة بإلغاء كلّ ما له صلة بالشريعة الإسلامية، ليس نقاشا قانونيا رصينا، بل قفزٌ مباشر نحو معركة هوية مكشوفة. ولعلّ الأشدّ غرابة في هذا الخطاب، تلك النبرة الانهزامية التي تستبق الأحداث، وتفترض أنّ احترام قوانين البلد صار أمرا مستحيلا على الأجانب. أمّا الإنسان الواثق من حضارته ومرجعيته، فإنّه لا يشعر بالدونية أمام الآخر، ولا يرى في قوانينه مدعاة للخجل، بل يعتزّ بها ويقدّمها بثقة وهدوء. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أمّا الاستدلال بحالات أشخاص أو مشاهير بعينهم، للضغط من أجل تغيير قوانين مجتمع بأكمله، فهو منطق مضطرب؛ لأنّ العلاقات الخاصة للناس لا تُبنى على الظنون والتخمينات، كما أنّ القوانين لا تُغيَّر لإرضاء حالة مفترضة هنا أو هناك. ولو صدر مثل هذا الكلام عن شخص عادي لتجاوز الناس عنه في إطار حرية الرأي. أمّا أن يصدر عن وزير للعدل، يفترض فيه أن يحترم قوانين بلده ويصون هيبتها، فذلك أمر يبعث على القلق المشروع. لأنّ المسؤول حين يعجز عن إقناع المؤسسات والآليات الديمقراطية بمشاريعه، فالمفترض أن يحتكم إلى منطق المؤسسات، لا إلى التصريحات الاستفزازية والعبارات البهلوانية التي توحي بالاستخفاف بهوية المجتمع وقوانينه. لقد علّمنا القرآن الكريم أنّ العزة الحقيقية ليست في الذوبان في الآخرين، بل في الثبات على الحقّ مع الحكمة والانفتاح. قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماًؐ ﴾. وما أحوجنا اليوم إلى خطاب مسؤول، يحفظ للمغرب توازنه الحضاري، ويؤكّد أنّ الانفتاح على العالم لا يعني أبدا التبرّؤ من الذات. منقول عن موقع الاصلاح
