الباحث إدريس الصغيوار: عبادة الاعتذار والإعذار المنسية

189d9049 4e69 489d a336 70e85db1ff7d

  (إياك وما يعتذر منه ) ! حديث فيه نهي عن ارتكاب ما يوجب الاعتذار منه ، من انواع الظلم للعباد سواء في أنفسهم او مالهم او عرضهم ! فدل بمفهومه أن الاعتذار في حق من أخطانا واجب لا تكتمل اركان التوبة الا به ؛ اذا كان الخطأ متعلقا بحق مخلوق ! وقد أجمع العلماء ان رد الحق إليه- مع الاستطاعة- شرط للتوبة ! ولا تصح توبة بأخذ حق في مال او عرض أو نفس أو غيره ! إلا برده والاعتذار ! فالاعتذار على هذا عبادة متأصلة في علم السلوك !! وبه ترتبط واحدة من أعظم العبادات التي أمر الله بها انبياءه والمؤمنين من عباده وعلق الفلاح عليها: ( وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون ) . وعبادة الاعتذار هذه فيها شعور راىع بإنسانية الإنسان .. وشعور برد الحق إلى اهله ومعه تستريح النفس السوية ويطمئن القلب بالكلية .. وتقر العين في نومها هنية ..بل وتسافر معها الروح الى عوالم السعادة والطمانينة والراحة ! وتعلمك أيضا ان خطأك الذي ترجو تغافل الناس عنه ، هو نفسه ما يقع فيه الناس ! ويرجون منك التغافل عنه ! كما تعلمك عبادة الاعتذار .وانت تعذر من قبل الآخرين .أن العفو عن اخطاء الخلق الانية .. والصفح عن الماضية .. والمغفرة مطلقا .. هو خلق نبيل يدخل السرور على المسلم .. فتتعلمه وتبادر اليه لتكون عاذرا لمن يعتذر !! الاعتذار فيه ايضا أخذ ومكسب ..وربح لا يخطر على بال ..لذلك من تاجر فيه غنم وسلم ! فالمعتذر حين يظفر بتجاوز من اعتذر منه فهو يظفر أيضا بشعور رائع بالنجاة من تبعات الخطأ نفسيا وروحيا ..وينزاح عنه ثقل الحساب يوم المعاد !! وفوق ذلك يشعر بصفاء يخيم على أجواء التسامح ورد الامور إلى نصابها ! هذا اذا كان له من الايمان والحس ما يشعر به !! هذا الشعور وحده يخبرك عن شيء من الحكمة الإلهية في خلق الخطأ نفسه !! إنه ليس شرا محضا إذا استغفرنا للخالق بنية وعزم واعتذرنا للمخلوق بصدق ورددنا الحق لأهله ما لزم ذلك !! فبهذا يصبح الخطأ ان وقع باب عبادة جديدة هي عبادة الاعتذار للخالق والمخلوق ! ولذلك جاء في الحديث: (اني لا اخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم التعمد )!! فالمخطىء يعذر ..أما المترصد المتربص المصر فهو متعمد متهيء لتكرار الخطأ فكيف سيتوب ويعتذر !! لذلك يمكن ان تقول : ان عبادة الاعتذار لا يتذوقها أهل الكبر والاصرار.ولا يعتذر من يعتريه نقص في عقله ! فإنه لا يقوى عقله على فهم ما للاعتذار من الحسنات والمعاني الراقية ! … وعلى عكس ذلك يفهم ان الاعتذار يحط من شأنه ويضعه بين الناس ! لذلك يحاول تصوير حاله بالمعصوم والمترفع عن الخطأ والزلل وحتى لو أخطأ يتكبر خشية ان يشار إليه بالنقص ..فيعمد إلى طمس الادلة التي تدينه ! ونكران الحقائق .وتزييف الوقائع .ولو بالكذب والافتراء والقسم!! .. وكبره وترفعه هذا هو عين النقص والضعف !! في عقله ونفسه وشخصه وخلقه . وأخطر ما في المتكبر عن الاعتذار هو لباسه رداء الكبر وهو مانع من موانع دخول الجنة وموجب لدخول النار ففي الحديث : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) . فلكنا أخطانا ونخطىء وسنخطىء .. وكلنا متعبدون بالاعتذار للخلق والخالق ! وليس في البشر معصوم ! في الحديث : والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنون فيستغفرون فيغفر الله لهم ) وفي الحديث أيضا ( كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطائين التوابون ) . والتوبة اعتذار للخالق وحده ان كان الذنب لازما يخص المذنب وحده ..واعتذار للخالق والمخلوق ان كان الذنب متعلقا بحقوق العبادة في مال أو عرض او غيره! من ذا الذي ما ساء قط ــ ومن له الحسنى فقط وكما ان الاعتذار للخلْق عبادة ..فإن إعذارهم والتجاوز عنهم عبادة بل من أجلها وارفعها.. فالعاذر يكون حين يعذر الخلق في عبادة .يستشعر قيمتها وعظمتها حين يستشعر أن الله عن العافين يعفو ..وللغافرين يغفر .. وعن المتجاوزين يتجاوز .. ( والعافين عن الناس ) ( فليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم ) وفي الحديث ( اغفر يغفر لك ) ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ) . تامل في شخصين جالسين في مكان واحد ..احدهما يستغفر الله !! والثاني لا يستغفر لكن جاءه مخطىء في حقه فطلب عفوه ومسامحته فعفا هذا الرجل الثاني وتجاوز عنه !! النتيحة هي أن : الرجل الأول (المستغفر ) يكون قد عبد الله بذكر الاستغفار فغفر الله له ! والرجل الثاني الذي عفا عمن أخطأ في حقه ايضا عبد الله بالعفو عن الناس فعفا الله عنه وغفر له! فاستوت عبادة العفو بعبادة الاستغفار مجملا ! أما مفصلا فإن النوافل المتعدية اي التي تنفع الخلق افضل من النوافل اللازمة اي التي تخص المتنفل وحده لا تتعداه . وفي التوراة كان وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يبعث: ( ولكن يعفو ويصفح )! وفي القرآن ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفا رحماء بينهم ) ومن مقتصيات الرحمة الإعذار والعفو ! والذين يعذرون قسمان : فقسم يقبل المعاذير ويصفح ، غهذا يعفو الله عنه جزاء لعفوه !! وقسم ثان يكظم الغيظ ويتغافل فلا يحوجك حتى إلى ان تعتذر بل يسبقك فيعذرك ! وهذا فيه من معالي الأخلاق ما يملأ الله به قلبه رجاء يوم القيامة فيكون له ما يرجو ويامل كرامة له على رفعة خلقه، ومن هؤلاء عيسى عليه السلام رأى سارقا يسرق فقال له أتسرق فأقسم السارق أنه لم يفعل ! فقال عيسى آمنت بالله ! … والحديث في البخاري . فإنه اتهم نظره تعظيما لله و حتى لا يحوج هذا السارق إلى الاعتذار ..وتركه يذهب من غير سرقة !! ولله در من قال : واذا مرضنا اتيناكم نعودكم — وتذنبون فناتيكم ونعتذر

الباحث إدريس الصغيوار: عبادة الاستئذان المنسية – الحلقة الأولى –

telechargement 9

  استهل بطرح الإشكال كسبب وجيه لكتابة هذا المقال ، وهو سؤال كالتالي: من منا لا يغضب إذا طرق باب بيت أحدهم فجاة ، فأجابه صاحب البيت بأن له عذرا في استقباله وقال له زرنا فيما بعد يكون الحال أنسب ؟!! ومن منا لا يغضب ويظن ظن السوء اذا تجاهل احد اتصاله او رسائله لظرف هو لا يعلمه ؟!! طبعا نستثني من هذا الزائر او المتصل الذي يطرق لسبب اضطراري ملح أو زائر من مدينة بعيدة او نحو ذلك فهذا وضع استثنائي نادر له حكم النادر. فبلا شك أن كل من يطرق باب بيت قريبه او صاحبه – لزيارة عادية في وقت مناسب – ينتظر الدخول فورا ( بلا تردد) ويرى من المهانة والاحتقار في حقه ان يقال له ارجع. مع ان الله جل وعلا أعطى لصاحب البيت حق الإرجاع والاعتذار وحث الزائر بالامتثال لذلك نقاء وتزكية لنفسه فجعل فعله هذا عبادة . قال تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم ) فمجرد الرجوع بطيب نفس عبادة هي ما سميناها هنا ( عبادة الاستئذان ) ولذلك قال ابن كثير في تفسيرها أي : إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ( فارجعوا هو أزكى لكم ) أي : رجوعكم أزكى لكم وأطهر ( والله بما تعملون عليم ) . وتأمل في بعض الصحابة كيف فهم هذه العبادة فظل عمره ينتظر أحدا يرده من الباب فيمتثل عبادة لله : قال قتادة : قال بعض المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني ، فيقول لي : ” ارجع ” ، فأرجع وأنا مغتبط ، لقوله: ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) . وقال سعيد بن جبير : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) أي : لا تقفوا على أبواب الناس. بل ورد الاستىذان حتى على بيوت الأمهات : قال ابن مسعود يقول : عليكم الإذن على أمهاتكم . ولا يزال أدب كهذا معمولا به عند كثير من الأسر كأصل جاري به العمل فتجد الابن اذا أراد زيارة والدته يتصل عليها ويخبرها بمجيئه وذلك بأن يسألها عن حاجات يقضيها لها قبل المجيء فتعلم بمجيئه وتخبره بحاجاتها فيكون ذلك بمثابة إذن بالمجيء والدخول عليها. بل بشمل أدب الاستئذان استئذان الزوج على زوجة استحبابا قبل الدخول لتعطى فرصة تهيئة الحال والمقام كما تحبه لنزعتها الفطرية في ذلك ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال : لا . قال ابن كثير تعليقا عليه : وهذا محمول على عدم الوجوب ، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به ، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها . ولا يزال اهل المدينة في فاس يعملون بهذا الأصل إذا دخلوا بيوتهم ( رفعوا اصواتهم : الطريق .. الطريق.. وكأنهم داخلوا بيت غريب وما ذلك الا من قبيل الاستىذان ادبا وتعبدا وهو اصل له اهله من الصحابة والتابعين فعن أبي هبيرة قال : كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس – تكلم ورفع صوته . وعن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، أنه قال : إذا دخل الرجل بيته ، استحب له أن يتنحنح ، أو يحرك نعليه . والنهي معلوم عن طرق الرجل اهل بيته ليلا وهذا كله داخل في معنى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) . تستانسوا أي تستأذنوا . وكما يكون الاستىذان عند باب البيت يكون بأصوله وادبه فلا يقف الزائر مقابل الباب وانما بجانبها ايمنها او ايسرها غاضا بصره حتى لا يرى ما بداخله قبل ان يؤذن له ، ولا يرى محارمه اذا كان اجنبيا ، ويكون لفظ الاستئذان بالسلام وقول ( هل أدخل ) او ما يقوم مقام ذلك من العبارات عرفا ؛ فإذا سئل عن هويته اجاب أنا فلان يعرف بذلك بنفسه ، لا ان يقول ( قريب ) كما هو شائع ، فالقرابة لا تنحصر . وقد ورد في كل هذه الامور نصوص صحيحة معروفة . كما ان اوقات الزيارة لها اعتبارها حتى قبل الاستىذان ، منعا للحرج ، وهي تتغاير تغاير ظروف الناس فهناك اوقات معلومة بالضرورة بالحرج كوقت النوم والقيلولة وجوف الليل وبعد الفجر ، وحسب حال اهل البيت ان كانوا ممن يعملون ليلا وينامون نهارا لطبيعة عملهم الى ما هنالك من الاحوال التي تقدر حسب ظروف اهل البيت. وعبادة الاستئذان لا تنحصر في باب البيت بل تشمل في زماننا هذا الهاتف ، فليس كل متصل يتوجب الرد عليه في الحين ، فالمتصل طارق مستأذن فان رد عليه صاحب الهاتف فبها ونعمت وان لم يرد فله عذره ، وهو داخل في قوله تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) ، لا سيما مع وجود بدائل الرسائل الصوتية والكتابية على مواقع التواصل فهي تتيح التواصل بأريحية تعطي لعبادة الاستىذان مساحة كافية ، اللهم الا اذا كان الاتصال ملحا لسبب ضروري مستعجل فهذا من الخاص الذي له حكمه ويعذر صاحبه. وقد ألف العلامة بكر أبوزيد رحمه الله كتابا نفيسا صغير الحجم سماه : (ادب الهاتف) جمع فيه أدابا نفسية . . وهو متاح للتحميل على النت. وتأمل مثلا صبيحة عيد الأضحى كيف تتحول شعيرة صلة الرحم والتواصل إلى ازمة حقيقة مع من يصر على التواصل المباشر بالهاتف كدليل على التقدير والمحبة وهي خصلة محمودة من حيث النية والدافع لكنها قد لا تكون حكيمة في كل وقت، فلو فرضنا ان عدد المحبين مائة نفر من الاقارب والارحام و ومثلهم من الاصدقاء فهذه قبيلة بعددها !! فكم يحتاج المرء من الوقت والجهد والطاقة ليرد عليهم فردا فردا فلو أعطي لكل فرد دقيقتان فقط فسيكون المجموع ست ساعات على أقل تقدير ..فمتى سيجلس مع أهله ومتى سيذبح الأضحية ومتى سيلبس و يستريح من عناء صبيحة العيد . مع ان التواصل برسائل صوتية على الواتساب تتيح للمرء فرصة الرد باريحية ولا تنقص من الود ولا من المحبة شيئا وعيد الأضحى ثلاث أيام بلياليها . إن عبادة الاستئذان من العبادات المنسية بحسن النية ، عند معظم المتزاورين ، اذ تغطي الرغبة في الزيارة والتواصل هذا الأدب النفيس أدب الاستئذان ، وإذا كان التزاور وصلة الرحم عبادات عظيمة لها فضلها واثرها ، ولا يقوم بها الا من احبه الله ووصله فان هذه العبادات تؤدى على ما اراده الله ورضيه لا بالهوى والرغبات خلاف الأصول الشرعية والأعراف المرعية ، وكما قال ابن مسعود : رب مريد للخير لم يبلغه .