مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: “فرقة إخوان عيساوة” تنشر أجواء نابضة في حديقة جنان السبيل بأمداح نبوية متميزة.

telechargement 14

ألهبت “طائفة إخوان عيساوة” القادمة من العاصمة الإسماعيلية، مساء الأربعاء، منصة الحديقة التاريخية “جنان السبيل” في فاس، وقدمت للجمهور الحاضر مجموعة من الأناشيد والقصائد الرائعة. في تلك الليلة الصوفية، حيث تواجد الذكر الإلهي والمدح النبوي، عرضت هذه الطريقة العيساوية قصائد من تراثها الفني الملتزم، مثل “راكب البراق”، والتي تفاعل معها الجمهور بحماس شديد، حيث تداخلت أصوات أعضاء الطائفة مع الآلات الموسيقية التقليدية كالدُف والمزمار والطبل. أنقل العرض الاستثنائي الحضور إلى تجربة روحية وعاطفية تحيط بها أجواء من الخشوع والتأمل في ملكوت الكون، حيث بدأ العرض بأنغام وإيقاعات الأبواق والتصفيق والذكر، مرفقة بأريج البخور، مع ترديد عبارة “الله دايم” التي زادت من حماسة الجماهير القادمين من مختلف مناطق المغرب وخارجه لمتابعة فقرات المهرجان المتنوعة. قدمت الطريقة التي تضم 15 عضواً طقوساً روحية تمنح الإنسان شعوراً بالراحة والطمأنينة، بالإضافة للصلاة والسلام على النبي الكريم. ومن خلال عرضها، أظهرت الطريقة العيساوية تراث صوفي مغربي حيث تمازجت فيه الموسيقى مع التقاليد الطقوسية المعروفة بالحضرات، التي تتضمن أنشودات تعبديّة وآلات إيقاعية تُنتج أنغاماً قوية، بالإضافة إلى رقصات دوارة تهدف للوصول إلى النشوة الصوفية. تُمارس هذه الطقوس الجماعية التي تُعتبر جزءًا من التراث الثقافي اللامادي الوطني روحيًا وبأسلوب ملهم، حيث تتحول أماكن العرض إلى فضاءات مقدسة للتأمل في الكون وأسرار الحياة. وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، قال عبد الصمد هادف، مقدم “طائفة إخوان عيساوة”، إن المهرجان أتاح للطائفة الفرصة للالتقاء بمجموعة من الفنانين وتبادل الأفكار حول الفن والتراث والموسيقى الروحية. وأضاف أن “طائفة إخوان عيساوة” تُعبر عن طريقة قائمة على المحبة والكتاب والسنة، التي أسسها الشيخ محمد بن عيسى، وقد اكتسبت قاعدة جماهيرية واسعة من داخل المغرب وخارجه.

مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: روح “أنتيبوداس التوأمية” تتلألأ في المهرجان

121762129 508x300 1

فاس: تتراقص الكعوب بشكل منتظم ودقيق على الخشبة، تتعالى فرقعة الأصابع، ويعقب ذلك تصفيق تردده الأصداء، ليبدأ عرض حركي فني يتميز بالدقة والانسجام المدهش في الإيماءات والتنقلات، مُجسدًا روح التوأم بوضوح. كان مساء الإثنين مسرحًا لافتتاح عرض “أنتيبوداس” ضمن الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، حيث أسر العرض أنفاس الجمهور منذ البداية. قامت بتقديم هذا العرض الشقيقتان التوأم التشيليتان الموهوبتان، فلورنسيا أوز وإيسيدورا أورايان، اللتان تناولتا بذكاء نادر موضوع التوأم والهوية، تاركتين أثرًا عميقًا ورائعًا. وأشارت إيسيدورا أورايان في تصريح للصحافة إلى أن جوهر هذا الإبداع يستند إلى أسطورة “القرين”، مُوضحة أن عرض “أنتيبوداس” ينطلق من هذه الأسطورة، التي تتناول مضمون الكائن في مواجهة ازدواجية هويته. تُجسد الخشبة هذا الصراع، وهذا الانقسام العميق ضمن التجربة الإنسانية ببراعة. يروي العرض الرحلة الحميمة لكائنين، بدءًا من لحظة الانصهار الأولى حيث كانتا واحدة، وصولًا إلى لحظة تحول توقف إحداهما عن كونها الأخرى لتعتنق فرديتها، وتتساءل بلا توقف: أين تنتهي إحداهما وأين تبدأ الأخرى؟ تظهر هذه الاستكشافات على الخشبة من خلال جمالية معاصرة ومبسطة، تسعى لتحقيق التناغم وأناقة التناظر. تمثل فلورنسيا أوز، راقصة الفلامنكو ومصممة الرقصات المعروفة، هذا البحث برقصة نقية وغريزية، حيث تضرب كعوبها الأرض بإيقاعات معقدة وتُفرقع أصابعها، وتشق يديها الهواء، وكل حركة فنية تعد بمثابة قطعة شعرية مرئية. إن الفلامنكو المعاصر الذي تقدمه يحمل عمقًا عاطفيًا، ويكون اللغة التي تعبر بها عن هذه الرحلة الداخلية. في مواجهة ذلك، تجد شقيقتها إيسيدورا أورايان، عازفة التشيلو والمغنية والمؤلفة الموسيقية، التي تنسج خيوط هذا الحوار الهوياتي. أوضحت إيسيدورا أن “العرض يشمل تواجدنا معًا على المسرح. فلورنسيا بالرقص، وأنا بالتشيلو والصوت”، مضيفةً أن موسيقاها، التي تتضمن عناصر من الموسيقى الكلاسيكية والفولكلور التشيلي والإسباني، تُغلف الأداء. تُضفي المسارات المسجلة، ودقات الطبل العميقة، والإيقاعات الخافتة وبعض العينات الصوتية، عمقًا وخفة على هذا العالم الصوتي، حيث تتداخل التقاليد برشاقة مع الحداثة في الموسيقى الإلكترونية والارتجالية. السحر الحقيقي في “أنتيبوداس” يكمن في انسجام الفنانتين التام. إذ إن الرقص والإيقاعات الجسدية للشاعرة البصرية فلورنسيا تتحكم بالصوت والآلة واللحن والشعر المغنى لإيسيدورا، والعكس صحيح. تناغم حركاتهما واندماج إيماءاتهما، أحيانًا على شكل مرآة وأحيانًا في تباين، يُجسد بشكل مؤثر روح التوأم. تقدم هذه التجربة البصرية والحسية العميقة والخفيفة في ذات الوقت لجمهور فاس تأملا شعريًا حول التعايش والتفرد، مؤكدةً على الموهبة الاستثنائية لهاتين الفنانتين التشيليتين اللتين تواصلان استكشاف الروابط العميقة بين الفلامنكو والموسيقى والرقص المعاصر.