أصدقاء جريدة القربالأخبارالرأيمجتمع

الباحث إدريس الصغيواريكتب: حول الثوابت الدينية .. وصيحات الاجتهاد فيها ؟

64 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

حينما يتداخل ما هو فكري بما هو سياسي ، وما هو إيديولوجي بما هو ديني ، تتولد حالة من الفوضى الفكرية التي تعج بها الساحة في معترك لا يعرف له محددات علمية …فكل ما تراه وتسمعه هو حالة من الفوضى والإرباك تغرق المجتمع في نقاشات حادة ويتولد منها داىما طرفان ووسط ..وكان المقصود هو صناعة الأراء وتأطيرها لا ترسيخ الحقيقة العلمية فعلا.

في كل الدول العربية تقريبا ، ظهرت صيحات المراجعات الدينية وتجديد المفاهيم ، وتولى زمام أمرها قوم لا علاقة لهم في الجملة بتخصص العلوم الشرعية تحديدا .
وهدفهم هذا جاء في مناخ اتسم باستضعاف استراتيجي يعيشه العالم الإسلامي على كل صعيد ، حتى  تداعت عليه الأمم واعتبرتها قصعته ، وبسطت فيه أذرعها ، ومن يخدمون أجندتا الفكرية والسياسية من حيث قصدوا او لم يقصدوا !!
ومن تخصص من أولئك القوم، لم يبلغ يوما رتبة الاجتهاد ولا شغل منصب الفتوى ، ولا أقر له بذلك علماء الشريعة ! ولا وافقه فقهاؤها الرسميون بكل مكوناتهم ومؤسساتهم ولا غيرهم..بل على النقيض من ذلك حواراتهم وتصريحاتهم تدل على جهل مركب خطير بالدين وعلومه ومفاهيمه وثوابته.
تلك الصيحات تناولت قائمة من المفاهيم والثوابت الدينية بالنقد وطالبت بأعلى صوتها بإعادة صياغتها باعتبارها تحتاج إلى تجديد لتواكب روح العصر بسماحة الشريعة .

والثوابت ليس تكنولوجيا عصية على الفهم، إنها بلغة بسيطة ما ثبت فيه إجماع لا مجال فيه للاجتهاد .
وفي حالة المغرب (المالكي المذهب) تختلف النظرة إلى الإجماع عن غيره ، فمهما كان الخلاف بين المذهب في حجية الاجماع ووقوعه ، فالمغرب بتأطيره الديني المذهبي حسم ذلك الخلاف باختياراته لحجية إجماع الصحابة وحجية إجماع التابعين فمن بعدهم ، وبهذا اصبحت القطعيات (التي هي الثوابت) مؤطرة بالاختيار المذهبي ، ما دام المذهب المالكي هو المذهب المعتمد كمرجع للفتوى وتأصيلها. بلغة اوضح اصبحت الثوابت الدينية في المغرب واضحة بينة محفوظة مبسوطة لا يشوبها غموض ولا يسمح فيها باجتهاد ولا مراجعة ولهذا سميت (ثوابت) و(قطعيات)، فهي (قطعيات) لا يتخللها شك لا في الدلالة ولا في الثبوت ، (وثوابت ) فلا علاقة لها بالمتغيرات فهي ثابتة في مدارها حول الشريعة كثبات الارض في مدارها حول الشمس . بعبارة أدق : هي خط أحمر !
وعليه فما هو قطعي في المذهب، هو ثابت ديني لا يحل فيه الخلاف الفقهي ولا يجوز أن يجري عليه الاجتهاد بمقتصى أصول المذهب المالكي نفسه.
ومن المجمع عليه بين الفقهاء ، أن المجتهد ينظر اول ما ينظر الى الإجماع فإن وجده منعقدا على مسألة لم يُجز لنفسه حق النظر فيها بأي وجه من الوجوه، فالحكم فيها بانعقاد الإجماع محسوم لا مجال فيه للنظر فالأنظار المؤهلة من الصحابة فمن بعدهم قد أجمعت عليه ولا تجتمع الأمة على ضلال ، فإن تجرأ الفقيه على الاجتهاد فيها وهو يعلم فقد نقض الإجماع المجمع على اعتباره ، وكان هذا الاجتهاد منه هو الضلال عينه. فكيف لو تجرأ رأس من رؤوس الجهل ممن لا علاقة له بالأهلية العلمية ، فلا شك انه في ضلال بعيد يجب تعزيره عليه وعقوبته شرعا وعقلا. فحرية الرأي لا تجيز استباحة ثوابت الدين.
إذ تكمن خطورة الجرأة على الثوابت وهدمها بالدعوة إلى إعادة النظر في اعتبارها ثوابت ، في كون هذه الجرأة تطال دين الامة وما أجمعت عليه ، وتطال اول ما تطال استقرارها السياسي ووحدتها وكيانها وبناءها التنظيمي المتمثل في التركيبة السياسية القائمة على وجوب الإمامة وهو ما نصطلح عليه اليوم ب (إمارة المؤمنين) ، فهذا المبدأ هو بالأساس ثابت من ثوابت الشريعة من حيث تأصيل الحكم، إذ هو حكم شرعي محل إجماع بل هو اول ما أجمع عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخالف في ذلك أحد بعدهم ، فإن تجرأ متجرىء على ثوابت الشريعة مما أجمع عليه الصحابة خصوصا فهو يتجرأ على كلمة المسلمين المجمعة على الإمام بالإلزام ، من حيث قصد أو لم يقصد ، فإننا إن قبلنا بجراته على الثوابت عموما لمجرد رأيه ترتب على ذلك قبولنا بهدمه لنظام الامة باعتباره قاىما على الثوابت الدينية بالدرجة الأولى . فالقول في هذا كالقول في ذاك ! وبهذا يتبين لنا ان صيحة التلاعب بالثوابت الدينية وأسس اعتبارها، هو تلاعب بالدين من حيث التأصيل وبالامامة ومكتسبات الأمة العملية من حيث العمل .
وحينما نتحدث عن أسس اعتبارها فنحن نتحدث عن المعايير الخاصة التي اعتمدها فقهاؤنا لتأطيرالثوابت الدينية ، وتلك المعايير هي أصول مذهبنا المالكي الاقرب إلى فقه الصحابة من كل المذاهب والاوفق لإجماعهم وهي إرث علمي راسخ بنته مدارس علمية على مر التاريخ تزعمها خيرة علماء المذهب ،فتلك المعايير حصرت ثوابت الشريعة بدءا من إمارة المؤمنين ووجوب الالتزام بالبيعة ومرورا باعتماد أصول التشريع المعتبرة ومقاصدها واليات فقه الأحكام من قبل الفقهاء المؤهلين المعتمدين .
وقد أثبت اجتهاد فقهاء المالكية على مر العصور وسطية تلك الآليات في المرونة مع المستجدات بما تسمح به قواعد الشريعة ومقاصدها ، فكان اعتبار الثوابت قطعيات لا مجال للاجتهاد معها يحفظ بيضة الدين وأصوله ، وكانت قواعد الشريعة ومقاصدها اليات تتجدد بها الأحكام وفق معطيات ومتغيرات حادثة، فكان لهذا التوازن الحكيم اثرا بالغا في حفظ الدين والمكتسبات على الامة ، وفي مواكبة العصر بكل تغيراته وتقلباته النازلة
و هكذا تحصن المجتمع من (الراديكالية ) والتطرف والتزمت المفضي إلى غلق باب الاجتهاد كلية او إلزام الناس بما لم يلزم ، كما تحصن من التفسخ والانحلال المفضي إلى انتهاك حرمة القطعيات والثوابت الشرعية بذريعة الاجتهاد ومواكبة العصر .
هنا يجب ان نتساءل قليلا عن مسالة (الفتوى) أليس لها ما ينظمها ؟ اليست منوطة بمجالسنا العلمية وفقهائنا المعتمدين؟
فإذا كانت كذلك فعلا ! ألا يعد التجني على الثوابت القطعية عند فقهائنا أخطر حتى من الفتوى في مسائل الاجتهاد ؟!!! ألا يعد التجني على الفقهاء انفسهم والطعن في مصداقيتهم جملة وتفصيلا والطعن في الثرات الإسلامي للمذهب ولغيره ومصادر التشريع وكتبه المعتمدة جناية يجب الحزم في ردع من تزعمها وتولى كبره؟!!!
يمكن ان نتفهم حديث من له أهلية في الاجتهاد عن فتح نقاش في القضايا الشرعية ، لكن ليس في الظلام او على طاولات فكرية أو على منصات توتير واليوتوب ! فنقاش كهذا لايمكن ان يكون علميا ما لم تجزه هيئة العلماء(حراس الدين) كالمجلس العلمي الأعلى ، فالذي يزعم العلم ويريد إضفاء الشرعية العلمية على أفكاره واجتهاداته لا يرمي بها جزافا (كفتوى منه) او رأي تنويري !!! اينما اتفق ! في محاضرة او في حوار او حتى مؤسسة حزبية او منبر فكري اومقال !! وإنما يعرضها عرضا على الجماعة العلمية لتقييما وتقويمها وتزكيتها أو ردها ! فايمانه بالعلوم (كما يزعم) واسسها يفرض عليه إجازة آرائه من قبل المتخصصين وهم (الجماعة العلمية ) لا من قبل سواهم ، والجماعة العلمية هنا هم فقهاؤنا … و (نا) هنا تعني المغاربة ..اي فقهاء المغرب الذين تقع على عاتقهم مسؤولية التقويم والتقييم وهم أجدر بفقه الثوابت وأعلم بمحدداتها، وتعتبر حراستُها واجبهم وأولى أولويات مهامهم في وصفهم الوظيفي المنوط بهم.

شارك هذا المحتوى:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. الموضوع مستمر الراهنية، ذات المشاكل المرتبطة بالاجتهاد وفهم الدين خاصة من طرف المناوئين، تبقى مطروحة في كل زمان ومكان وقد تختلف المواضيع ويبقى المنهج غير علمي حيث يتكلم في قضايا الدين من هب ودب وقد قرأت في الأيام الأخيرة عن موضوع عدم جواز إلغاء الآيات المنسوخة، وهذا يهدف فقط إلا التشكيك بشكل مقصود…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى