إنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد اليوم مجرد تقنية جديدة تضاف إلى ما سبقها من أدوات الإنسان واختراعاته؛ وإنّما أصبح أحد أكثر التحولات تأثيرًا في حياتنا المعاصرة. فخلال سنوات قليلة فقط؛ انتقل من المختبرات المتخصّصة إلى الهواتف الذكية، ومن الشركات الكبرى إلى حياة الناس اليومية، حتى بات حاضرًا في التعليم والإعلام والاقتصاد والطب والإدارة، بل وفي كثير من القرارات التي كانت تُعد حكرًا على العقل البشري.

وبعد أن كان السّؤال الذي يشغل العقول هو: “ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله؟”، أصبح السّؤال الذي يعني البشرية جمعاء اليوم هو: “ماذا يستطيع الذّكاء الاصطناعي أن يفعله بنا نحن البشر”.  فهل نحن أمام مجرّد أدوات أكثر تطورًا، أم أمام تحول عميق قد يعيد تشكيل طريقة تفكير الإنسان ورؤيته للعالم ونظام قيمه؟

لقد تأثّرت البشرية عبر تاريخها بكثير من الأدوات التي صنعتها أو اخترعتها. إذ غيّر اختراعُ “الكتابة” -بشتّى طرقها ووسائلها- طرُقَ حفظ المعرفة، وغيّر اختراعُ “الطباعة” طرقَ نشرها، وغيّر ظهورُ الإنترنت طرقَ الوصول إليها. أما الذكاء الاصطناعي فيبدو أنه يتجاوز ذلك كلَّه؛ لأنه لا يكتفي بمساعدتنا على الوصول إلى المعرفة؛ بل أصبح يشارك في إنتاجها وصياغتها وتحليلها، ويوجه اختياراتنا بطرق قد لا ننتبه إليها.

ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي:

هل سيبقى الإنسان سيّد هذه الأدوات، أم سيتحول تدريجيًا إلى تابع لها؟

إن القرآن الكريم حين تحدث عن تكريم الإنسان لم يربط هذا التكريم بالقوة المادية وحدها، وإنما ربطه بالعقل والوعي والمسؤولية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. كما أن أول ما نزل من الوحي كان أمرًا بالقراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]؛ في إشارة عميقة إلى أن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن الوعي بالقيم والمعاني.

وإذا كانت الثورة الرقمية تمنح الإنسان قدرات غير مسبوقة في الوصول إلى المعلومات؛ فإنها تطرح في المقابل سؤالًا مقلقًا: هل يزداد الإنسان حكمة بقدر ما يزداد معلومات؟ أم أن وفرة المعرفة قد تخفي نوعًا جديدًا من الفقر في الفهم والتأمل؟

لقد حذّر العديد من المفكرين المعاصرين من أن الخطر الأكبر لا يكمن في قوة الآلات؛ بقدر ما يكمن في ضعف الإنسان أمام إغراء السرعة والسهولة. فالاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي، وإلى نوع من الكسل المعرفي الذي يجعل الإنسان يستهلك الأجوبة الجاهزة بدل أن يبذل جهد البحث والتفكير [1].

ومن جهة أخرى، تطرح هذه الثورة أسئلة أخلاقية غير مسبوقة: من يتحمّل مسؤولية القرارات التي تتخذها الأنظمة الذكية؟ ومن يملك البيانات التي أصبحت مادة العصر الجديدة؟ وكيف نحمي خصوصية الإنسان وحرّيته في عالم تتوسّع فيه قدرة المؤسسات والشركات على جمع المعلومات وتحليلها؟

ولذلك فإن التحدي اليوم قد أصبح تحدّيا حضاريًا وأخلاقيًا بالدرجة الأولى. فالمجتمعات التي ستنجح في المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أقوى الخوارزميات، وإنما تلك التي تمتلك رؤية أخلاقية وإنسانية توجّه استخدامها لهذه الخوارزميات.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ماسّة إلى إعادة الاعتبار لقيم المسؤولية والتفكير النقدي والتربية على الوعي الرقمي. فليس المطلوب مقاومة التكنولوجيا أو الخوف منها؛ وإنما امتلاك القدرة على توجيهها لخدمة الإنسان بدل أن يتحول الإنسان إلى مجرّد مُلحَق بها.

وقد نبّه عدد من الباحثين إلى أن السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: ماذا تستطيع الآلات أن تفعل؟ بل: ماذا ينبغي أن يفعل الإنسان حتى يحافظ على إنسانيته؟ [2]

وفي الأخير، فإن الذكاء الاصطناعي لن يصنع وحده إنسانًا جديدًا، وإنما قد يساهم في تشكيل إنسان جديد إذا نحن سمحنا للتقنية أن تحُلّ محلَّ الوعي، وللمعلومة أن تحل محل الحكمة، وللآلة أن تحل محل المسؤولية. أما إذا بقي الإنسان متمسكًا بقيمه، واعيًا برسالته، مستثمرًا لهذه الأدوات في خدمة الخير والعمران؛ فإن التكنولوجيا ستظل وسيلة من وسائل الارتقاء، لا طريقًا إلى فقدان الذات.

[1] نيكولاس كار، السطحيون: ماذا يفعل الإنترنت بعقولنا؟، ترجمة لجنة الترجمة بمركز نماء.

[2] يوڤال نوح هراري، 21 درسًا للقرن الحادي والعشرين، ترجمة طلعت الشايب، دار التنوير.

عن موقع الاصلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *