تكتسي الأحداث الأخيرة التي عرفتها نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية أهمية استثنائية، بالنظر لحجمها وتوقيتها من جهة، وبالنظر إلى دلالاتها الإنسانية وخلفياتها الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، بالإضافة إلى كونها تؤكد مرة أخرى تعقد ظاهرة الهجرة غير النظامية في عالم تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الرقمية وشبكات الاتجار بالبشر والتطورات القانونية العابرة للحدود.
لقد جاء بلاغ وزارة الداخلية المغربية الصادر في 2 غشت 2026 ليقدم الرواية الرسمية للمملكة المغربية، بعد صمت مؤسساتي رسمي دام أربعة أيام، وليؤكد أن ما وقع لم يكن نتيجة عامل منفرد أو تطور تلقائي، بل حصيلة “تفاعل عدة عوامل متداخلة”، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، والتضليل الإعلامي، وتأويل بعض المستجدات القانونية الإسبانية بصورة خاطئة، واستغلال ذلك من قبل شبكات الاتجار بالبشر.
يكتسي هذا البلاغ أهمية خاصة لأنه يضع الحدث في إطاره المؤسسي، ويبرز ما قامت به السلطات العمومية من تدابير استباقية، شملت الرصد المبكر، وتعزيز المراقبة البرية والبحرية، والتنسيق الأمني، وفتح الأبحاث القضائية، مع التأكيد على احترام القانون والتعاون المستمر مع الجانب الإسباني، وهذه معطيات لا يمكن لأي قراءة موضوعية أن تتجاوزها، لأنها تشكل المرجع الرسمي في توصيف الحدث وإدارة الأزمة.
غير أن التحليل العلمي يقتضي، في المقابل، التمييز بين تفسير الحدث وتفسير الظاهرة، فإذا كان البلاغ يفسر لماذا شهدت الحدود هذا التدفق المفاجئ خلال فترة زمنية قصيرة، فإن سؤالا آخر يظل مشروعا: لماذا وجدت حملات التضليل وشبكات الاتجار بالبشر هذا العدد الكبير من الشباب المستعدين للمغامرة بحياتهم؟ ولماذا أصبحت بعض الفئات أكثر قابلية لتصديق وعود العبور السهل إلى الضفة الأخرى؟
مشاهد النزوح الجماعي بين الأرقام الرسمية والمؤشرات الاجتماعية العميقة..
قدم بلاغ وزارة الداخلية، لأول مرة، أرقاما رسمية، تفيد بأن عدد المشاركين في محاولات العبور بلغ نحو 40 ألف شخص في اتجاه سبتة و1135 شخصا في اتجاه مليلية، مع التأكيد أن هذه الأرقام تستند إلى منظومات تقنية للرصد والتتبع، وأنها المرجع المعتمد مقارنة بالأرقام المتداولة في بعض المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تؤكد أن الدولة اعتمدت مقاربة مؤسساتية قائمة على الرصد والتوثيق، كما أنها أظهرت استمرار التعاون المغربي الإسباني في تدبير الملف، فضلا عن مباشرة النيابة العامة للأبحاث القضائية للكشف عن جميع الملابسات وترتيب الآثار القانونية.
غير أن المعطيات الأمنية، على أهميتها، لا تغني عن استحضار السياق الاجتماعي الذي تتحرك داخله هذه الظاهرة، فالتقارير الوطنية، وفي مقدمتها تقارير المندوبية السامية للتخطيط، تشير إلى استمرار تحديات حقيقية في سوق الشغل، ولا سيما في صفوف الشباب، حيث تسجل فئة واسعة من الشباب تتجاوز المليونين بدون شغل، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين. كما أن تقرير النموذج التنموي الجديد سبق له القول بأن استمرار هذه الوضعية يمثل أحد أبرز مظاهر الهدر الذي يطال الرأسمال البشري، محذرا من انعكاساتها على الثقة والاندماج الاجتماعي.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين مستويين مختلفين: فالعوامل التي دفعت إلى التحرك الجماعي خلال أيام معدودة ليست هي نفسها العوامل التي تفسر قابلية بعض الشباب لتصديق خطاب الهجرة، فالتضليل لا يخلق الرغبة في الهجرة من العدم، لكنه قد يستثمر الهشاشة الاجتماعية أو غموض الآفاق أو الشعور المتزايد بانسداد الفرص، وعدم الثقة في المؤسسات السياسية المنتخبة.
ومن هذا المنظور، فإن هذه الأحداث ليست مجرد موجة عابرة من الهجرة غير النظامية، بل هي مؤشر سياسي واجتماعي يستدعي مساءلة أعمق لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولمستوى الثقة في السياسات العمومية، ولمدى قدرة النموذج التنموي على تحويل الإنجازات الاقتصادية إلى أمل اجتماعي يشعر به المواطن في حياته اليومية، ويصبح أقوى من أي وهم يُسوَّق عبر المنصات الرقمية.
في ضرورة مساءلة أسباب القابلية للهجرة والرغبة في الفرار من الوطن..
إن التحليل السياسي يقتضي التمييز بين العوامل التي فجرت الحدث وبين العوامل التي هيأت له البيئة الاجتماعية، فحملات التضليل، مهما بلغت درجة تنظيمها، لا تستطيع وحدها أن تدفع عشرات الآلاف إلى المجازفة بحياتهم، ما لم تجد استعدادا اجتماعيا ونفسيا لدى بعض الفئات، ولا سيما الشباب. ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والباحثين ليس فقط: من نشر الدعوات المضللة؟ وإنما أيضا: لماذا وجد هذا الخطاب كل هذا الصدى وكل هذا التفاعل؟
هنا يصبح من الضروري استحضار ما انتهت إليه وثائق وطنية مرجعية، من قبيل تقرير النموذج التنموي الجديد، الذي اعتبر أن الرهان الحقيقي للتنمية المغربية لا يتمثل في رفع معدلات النمو الاقتصادي فحسب، بل في تحويل هذا النمو إلى فرص فعلية للإدماج والارتقاء الاجتماعي، عبر الاستثمار في الرأسمال البشري، وتحسين جودة التعليم، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الثقة في المؤسسات. كما حذرت تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من أن استمرار بعض مظاهر الهشاشة، وخاصة في صفوف الشباب، من شأنه أن يضعف الإحساس بالانتماء إلى المشروع التنموي، ويؤثر في الثقة في المستقبل.
وفي الاتجاه نفسه، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى استمرار تحديات بنيوية في سوق الشغل، ولا سيما ارتفاع نسبة الشباب الذين لا يشتغلون، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين، وهي فئة تشكل أحد أبرز مؤشرات الهدر في الرأسمال البشري. ولا يعني استحضار هذه المعطيات أنها تمثل تفسيرا مباشرا لما وقع، وإنما يهدف إلى إبراز أن الهشاشة الاجتماعية قد تجعل بعض الفئات أكثر قابلية للتأثر بخطابات الوهم، وأكثر استعدادا للمغامرة حين تُقدم لها الهجرة باعتبارها مخرجا سريعا من الإحباط.
وفي هذا السياق، يتعين التأكيد أن المغرب حقق خلال العقدين الأخيرين مكاسب استراتيجية مهمة في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، والاستثمار، وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي، غير أن التحدي الذي يطرحه النموذج التنموي نفسه هو كيفية تحويل هذه الإنجازات الكبرى إلى أثر يومي ملموس في حياة المواطن، وخاصة الشباب.
ولعل من اللافت أن هذه الأحداث تزامنت مع الاحتفال بالذكرى 27 لعيد العرش، وهي مناسبة سنوية لتقييم حصيلة مسار التنمية واستشراف آفاقه، ولذلك فإن تزامن لحظة الاحتفاء بالمنجزات الوطنية مع بروز ظاهرة اجتماعية بهذا الحجم يدعو إلى المزيد من التأمل في العلاقة بين النجاح الاستراتيجي للدولة والإدراك الاجتماعي لثمار هذا النجاح، فالدول لا تقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، وإنما أيضا بمدى شعور المواطنين بأن تلك الإنجازات فتحت أمامهم آفاقا جديدة للعيش الكريم وتحقيق الذات، لأن الأفراد حين يشعرون بأن فرص التأثير أو الاندماج تضيق، قد يلجأ بعضهم إلى “الانسحاب والهجرة” باعتبارهما تعبيرا عن البحث عن أفق آخر. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام السياسات العمومية لا يقتصر على منع الهجرة غير النظامية، وإنما يتمثل في تعزيز الثقة في المستقبل داخل الوطن.
ولذلك، فإن القراءة المتوازنة للأحداث تقود إلى خلاصة أساسية مفادها أن القدرة على إدارة الأزمة لا يتعارض مع ضرورة مواصلة معالجة جذورها البنيوية.
إدارة الأزمة بين قدرة الدولة وضرورة بناء مناعة المجتمع
إذا كان من السابق لأوانه إصدار أحكام نهائية بشأن جميع أبعاد الأحداث الأخيرة، فإن ما كشفت عنه المعطيات الرسمية يسمح باستخلاص ملاحظة أساسية، وهي أن المملكة المغربية تعاملت مع الأزمة باعتبارها اختبارا لقدرة مؤسسات الدولة على الرصد المبكر، والتدخل الاستباقي، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، وتزداد أهمية هذا المعطى إذا استحضرنا أن المغرب لم يعد يواجه تحديات الهجرة بصفته بلدا مصدرا فقط، بل أصبح، بحكم موقعه الجغرافي وخياراته الإفريقية، بلدا للعبور والاستقرار أيضا، وهو ما يجعل تدبير الهجرة جزءا من معادلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الاعتبارات الوطنية مع الالتزامات الدولية، كما تتقاطع فيها متطلبات الأمن مع مقتضيات حماية حقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، لا ينبغي إغفال الرسالة المهمة التي تضمنها البلاغ بشأن فتح الأبحاث القضائية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، بما يؤكد أن الدولة لم تعتبر ما وقع مجرد حادث عابر انتهى بانتهاء الأزمة الميدانية، وإنما ملفا يخضع لمنطق دولة القانون، حيث تتولى السلطة القضائية تحديد المسؤوليات، والكشف عن الملابسات، وترتيب الآثار القانونية وفقا للمساطر المعمول بها. وهذه المقاربة تعكس، في جوهرها، انتقال إدارة الأزمة من المستوى الأمني إلى المستوى المؤسساتي، بما يعزز منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة..
إن قدرة الدولة على إدارة الأزمة لا ينبغي أن يحجب سؤالا أكثر عمقا يتعلق بقدرة المجتمع نفسه على مواجهة التحديات الجديدة، وهو ما يستلزم سياسات عمومية تعزز التفكير النقدي، وتحصن الشباب بالمعرفة والوعي الرقمي، وتوسع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، والأهم من كل ذلك إعادة الأمل للشباب واسترجاع عنصر الثقة في المؤسسات.
إن الرأسمال الحقيقي للمغرب هو الإنسان، والتنمية لا تكتمل إلا إذا انعكست آثارها على جودة حياة المواطنين، وخاصة الشباب، ولذلك فإن فالمعركة ضد الهجرة غير النظامية لا تُحسم فقط عند المعابر الحدودية، وإنما تبدأ داخل المدرسة، والجامعة، ومؤسسات التكوين، وسوق الشغل، وفضاءات المشاركة المدنية، ولحظة الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة، حيث تتشكل الثقة في المستقبل، ويتحدد مدى شعور المواطن بأن وطنه يوفر له فرصا حقيقية لتحقيق طموحه، خصوصا ونحن على بعد بضعة أسابيع على الانتخابات التي يفترض فيها تجديد الأمل في مستقبل أفضل.
الانتخابات التشريعية القادمة وتحدي الإقناع بجدوى التصويت والمشاركة..
لقد جاءت هذه الأحداث قبل أسابيع قليلة من انتخابات تشريعية يفترض فيها أن تجدد الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وهو ما يثير سؤالا سياسيا مشروعا حول مدى اقتناع جزء من المجتمع بقدرة السياسة على تغيير واقعه، وهنا تحديدا تكتسب الأحداث دلالتها الأعمق، لأنها تتحول من ظاهرة اجتماعية إلى مؤشر على مستوى الثقة في النموذج الاقتصادي والاجتماعي، وفي فعالية الوسائط السياسية التي يفترض أن تؤطر المطالب الاجتماعية وتحولها إلى سياسات عمومية.
ومن هذه الزاوية، فإن الأحداث الأخيرة تضع الانتخابات المقبلة أمام تحدٍّ يتجاوز التنظيم التقني للعملية الانتخابية أو نسب المشاركة فيها، فالتحدي الرئيسي يتعلق بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على إعادة بناء الثقة، وعلى إقناع الشباب بأن السياسة ليست مجرد تصويت عابر لتداول المقاعد، وإنما هي وسيلة لتغيير شروط العيش وتحقيق الإنصاف الاجتماعي، ذلك أن الشرعية الديمقراطية لا تبنى فقط على التنظيم التقني للاتتخابات، بل أيضا على اقتناع المواطنين بأن المشاركة في الحياة العامة يمكن أن تؤثر في مستقبلهم.
ولذلك فإن مشروعية التمثيل الديمقراطي، وإن كانت تبدأ من نزاهة الاقتراع، فإنها لا تكتمل إلا إذا سبقتها ثقة حقيقية في جدوى السياسة ذاتها، فالانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتجديد العقد بين المجتمع ومؤسساته، وهو ما يجعل استعادة الأمل لدى الشباب شرطا مكملا لاستعادة الثقة في العملية الديمقراطية برمتها.
وبكلمة، فإن مشروعية الدولة لا تتجدد فقط بالانتخابات، وإنما كذلك بقدرتها على تجديد الثقة في المستقبل.
والخلاصة:
إن هذه الأحداث تكشف بأن الهجرة غير النظامية لم تعد قضية حدود أو أمن فقط، بل أصبحت مرآة تعكس تعقيدات التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرقمية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة، وإذا كانت الدولة تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات وحماية النظام العام في إطار سيادة القانون، فإن قوة الدولة لا تكتمل إلا بقوة المجتمع، ولا تترسخ إلا عندما يشعر المواطن، وخاصة الشباب، بأن مؤسساته الوطنية واختياراتها التنموية تفتح أمامه آفاقا حقيقية للمستقبل.
ومن ثم، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الأحداث هو أن الاستثمار في الرأسمال البشري، وتحسين جودة التعليم، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز الثقة في المؤسسات، واقتناع المواطن بقيمة صوته الانتخابي، ليست فقط أهدافا تنموية، بل أصبحت أيضا مكونات أساسية للأمن الوطني بمفهومه الحديث، فالدول لا تحمي حدودها بالسياج والمراقبة وحدهما، وإنما تحميها، قبل كل شيء، عندما تجعل الأمل في الوطن أقوى من أي وعد زائف يأتي من خارجه..

