ذ عبدالهادي باباخويا يكتب: “أحداث سبتة الأخيرة هل هي أزمة حدود أم سؤال وطن..؟”

رشيد ياسين
4 دقيقة للقراءة
الاعلام

عادت مدينة سبتة المحتلة خلال الأسابيع الماضية إلى صدارة الأحداث، بصور ومقاطع لمحاولات جماعية لاقتحام السياج، أعادت إلى الأذهان مشاهد 2021 الحزينة. لكن ما يبدو للوهلة الأولى “موجة هجرة سرية” يحمل في طياته أسئلة أعمق بكثير من حراسة السواحل والحدود..

فما الذي يدفع عشرات الشباب إلى ركوب “قارب الموت” في 2026..؟ ومن المسؤول..؟ وما هي الرسائل التي تبعثها سبتة المحتلة للدولة والمجتمع..؟

في هذا المقال سنحاول استنطاق “الأجوبة المخفية” داخل الأسئلة الثلاثة الكبرى التي طرحتها هذه الأزمة.

أولا- سؤال البطالة: “لماذا يهرب المتعلمون..؟”

هناك رقم صادم ولا يحتاج إلى تأويل، فوفق المندوبية السامية للتخطيط، فقد تجاوزت نسبة البطالة في صفوف الشباب حاملي الشواهد 19.8% خلال الفصل الثاني من سنة 2025. و هنا لا نتحدث عن “البحث عن الرفاه”، بل نتحدث عن هروب من “الموت البطيء”.
يقول الباحث السوسيولوجي ذ.أحمد عصيد: “حين يتحول التعليم من سلم للإرتقاء إلى آلة لإنتاج الإحباط، فإن الشاب لا يرى أمامه إلا خيارين: الصمت أو القفز”.
من هنا فالتنمية لا تقاس بعدد الطرق والموانئ والملاعب فقط، بل تقاس بعدد الشباب الذين يرون مستقبلهم في وطنهم، حيث يظهر أن معادلة “شهادة + كفاءة = كرامة” مكسورة اليوم، وهذا أخطر من أي سياج..

file 6a7986e1a09e0

ثانيا- سؤال الهوية: “لمن ينتمون هؤلاء العابرون..؟”

بعيداً عن الأرقام، نلاحظ أن هناك فراغا خطيرا في حياة هؤلاء العابرون، إنه فراغ في “المعنى”. ففي غياب نموذج “الطبيب والمعلم والمهندس” كقدوة، صار “المؤثر” و”المهاجر الناجح” هما البطلان الوحيدان في السردية الشعبية المغربية، المؤطرة لمخيلة الشباب والأطفال.. والرسالة هنا، التي تصل للشارع قاسية: “القانون لا يُطعم خبزاً، والتعليم لا يضيف شيئا، والنخبة غائبة في معركة أجوبة المستقبل..”

والأخطر من كل ذلك، أن الخطاب العمومي غائب عن الإجابة على السؤال الوجودي: لماذا يبقى الإنسان في وطنه..؟ ولماذا يضحي من أجله..؟
وكما قال المؤرخ ابن خلدون منذ قرون: “إذا فقدت العصبية ضاع العمران”. واليوم “العصبية” هي الإحساس بالإنتماء لمشروع جماعي، تؤطره الدولة ويحتضنه الوطن.

من هنا نقول، أنه لا يمكن حراسة حدود بسياج إذا كانت “حدود المعنى” داخلياً مخترقة. الأمن الحقيقي يبدأ من المدرسة والمسجد والإعلام والشارع، لا من البحر فقط..

سبتة تواجه أكبر موجة هجرة جماعية منذ 2021

ثالثا- سؤال السياسة: “من يدير هذه اللعبة القذرة..؟”

من السذاجة اختزال ما يحدث في “طيش شباب” أو “مؤامرة خارجية” فقط، بل هناك حقائق مركبة ومعطيات ناطقة، فسبتة المحتلة اليوم هي ورقة في ملف أكبر يشمل العلاقات المغربية-الإسبانية والأوروبية وملف الصحراء. وتقارير المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية IRES ربطت سابقاً بين “ضبط الهجرة” و”التوازنات الإقليمية”.

وهناك قناعة داخل عقل الدولة المغربية، في كون المقاربة الأمنية وحدها أنها “تؤجل الأزمة ولا تحلها”، والحل الأمني بدون أفق سياسي وتنموي ينتج خطاباً سرياً أكثر تطرفاً.. وبذلك فالدولة أمام معادلة ثلاثية صعبة: حزم لحماية السيادة + انفتاح لاحتواء الإحتجاج + مشروع حقيقي لإعادة الأمل.

خاتمة: سبتة ليست المشكلة، بل هي تشخيص دقيق

الخلاصة التي تفرضها أحداث سبتة الأخيرة واضحة:
لا كرامة بلا شغل، ولا انتماء بلا معنى، ولا سيادة بلا مصالحة بين الدولة ومجتمعها.

إذا كان “رأس المال” الحقيقي للأمة هو شبابها، فإننا نخسر هذا الرأسمال كل يوم في البحر.

وسبتة لا تسألنا عن عدد القوارب التي أوقفناها، بل تسألنا سؤالاً واحداً: هل سننتظر “الإنبعاث الفجائي” أم سنبدأ اليوم في صناعة “المقدمات” التي تجعل شبابنا يختار البناء على الهروب..؟

الجواب يا سادتي عندنا، قبل أن يجيب عنه البحر..

Total Views: 2
شارك هذا المقال
تعليقان
  • ومن صناعة المعنى وتنميته المطلوبين بإلحاح، معنى مرتبط بقيمة كبرى ضُيّعت بفعل الإفراط في الاهتمام بالعمل الاقتصادي/المالي (من قبيل مصانع تركيب السيارات ومصانع قطع غيار الطائرات، وتحليل المياه، ومؤسسات التعليم العالي الخصوصي…)، ألا وهي قيمة العدالة، تضحية المواطن تتوطن وتتحسن لما يتأكد من ربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع بيع الوهم في الرياضة والتعليم والدين. والله أعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *