د. أوس رمّال يكتب: الإسلام والحداثة: صراع أم سوء تنزيل؟

إنّ موضوع العلاقة بين الإسلام والحداثة؛ في كثير من النقاشات المعاصرة؛ يُقدَّم وكأنه معركة حتمية بين عالمين متناقضين: عالم الدّين من جهة، وعالم الحداثة من جهة أخرى. ولذلك لا يكاد يخلو خطاب فكري أو إعلامي من الحديث عن “أزمة التوفيق” بين الإسلام ومتطلبات العصر، حتى أصبح الأمر عند البعض أشبه بمسلّمة لا تحتاج إلى مراجعة. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: هل يوجد صراع حتمي بين الإسلام والحداثة؟ بل: هل الإشكال في الإسلام ذاته، أم في بعض صور تنزيل الحداثة وتمثّلاتها التاريخية؟ فالحداثة في أصلها؛ ليست مفهومًا واحدًا بسيطًا؛ وإنما هي تجربة تاريخية مركّبة نشأت في سياقات أوروبية خاصة، ارتبطت بصراع طويل مع السلطة الدينية والسياسية هناك[1]. ولذلك فإن بعض التصورات الحداثية التي نشأت في ذلك السياق تحمل معها آثار تلك التجربة، ولا يمكن نقلها إلى مجتمعات أخرى دون وعي بخلفياتها التاريخية والثقافية. ومن هنا؛ فإن الخلط بين “الحداثة” باعتبارها قيمًا إنسانية عامة، وبين بعض النماذج الأيديولوجية التي رافقتها؛ هو ما يصنع جزءًا كبيرًا من سوء الفهم. فقيمٌ مثل: احترام العقل، وتنظيم الدولة، وتطوير العلوم، وصيانة الحقوق، وترشيد التدبير العمومي، ليست غريبة عن روح الإسلام ولا عن مقاصده الكبرى. بل إن التجربة الحضارية الإسلامية عرفت، في مراحل ازدهارها، صورًا متقدمة من التفاعل مع العلم والعقل والتنظيم المدني[2]. وفي سياقنا المغربي؛ يمكن ملاحظة هذا التداخل بوضوح. فقد استطاعت مؤسسات المجتمع والدولة، في عدد من المجالات، أن تطوّر صيغًا تجمع بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات العصر، كما هو الحال في بعض جوانب المالية التشاركية، أو في الاجتهادات المتعلقة بتنظيم الحياة الأسرية، أو في تطوير عدد من القوانين ذات الصلة بالشأن العام. وهي نماذج تدل على أن الإشكال ليس دائمًا في المبدأ، بل أحيانًا في كيفية التنزيل والتكييف. وفي المقابل، تميل بعض الخطابات إلى تصوير كل تمسّك بالمرجعية الدينية على أنّه موقفٌ مضادٌّ للحداثة، كما تميل خطابات أخرى إلى رفض كل ما يحمل اسم الحداثة بدعوى الحفاظ على الهوية. وفي الحالتين، يُختزل النقاش في ثنائيات حادة لا تساعد على الفهم، بقدر ما تغذّي الاستقطاب. إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في “الحداثة” باعتبارها سعيًا إلى تطوير أنماط الحياة وتنظيمها، وإنما في بعض النّزعات التي تريد تحويلها إلى قطيعة شاملة مع المرجعية والقيم والخصوصيات الثقافية للمجتمع. كما أن الإشكال لا يكمن في “التديّن” حين يبقى منفتحًا على الاجتهاد والتفاعل مع الواقع، وإنما في بعض أشكال الجمود التي تتعامل مع التجربة الإنسانية بمنطق الرفض المسبق. وقد نبّه عدد من المفكرين المعاصرين إلى أن المجتمعات الواعية لا تنهض باستنساخ تجارب الآخرين، وإنما ببناء حداثتها الخاصة المنسجمة مع هويتها وتاريخها[3]. فالتقدم الحقيقي لا يتحقق بالذوبان الكامل، كما لا يتحقق بالانغلاق الكامل، وإنما بالقدرة على التفاعل الواعي مع العصر، مع الحفاظ على البوصلة القيمية للمجتمع. إن المطلوب اليوم ليس الاختيار بين الإسلام والحداثة، وكأنهما نقيضان لا يجتمعان، وإنما بناء وعيٍ نقديٍّ يميز بين القيم الإنسانية المشتركة، وبين بعض التطبيقات الأيديولوجية التي صاحبت التجربة الحداثية في سياقات معينة. وبهذا فقط يمكن أن ننتقل من منطق الصراع إلى منطق التفاعل، ومن جدل الرفض والقبول المطلق إلى أفق أرحب يقوم على الفهم والتوازن. وفي الأخير، فإن المجتمعات التي تنجح في بناء مستقبلها؛ هي تلك التي تحسن الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الوفاء للهوية والانفتاح الواعي على العصر. [1] عبد الوهاب المسيري، *العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة*، دار الشروق. [2] محمد عابد الجابري، *نحن والتراث*، مركز دراسات الوحدة العربية. [3] طه عبد الرحمن، *روح الحداثة*، المركز الثقافي العربي. عن موقع الاصلاح
د أوس رمّال يكتب: حرية الفكر: بين البناء المعرفي والفوضى التأويلية

تُعدّ حرية الفكر من أعظم القيم التي بها تتقدّم الأمم وتزدهر المعارف؛ إذ لا يمكن لإبداعٍ أن ينشأ في بيئة تُصادَر فيها الأسئلة أو تُقيَّد فيها العقول. وقد شكّل الانفتاح على التفكير والنظر أحد أبرز ملامح تاريخنا العلمي؛ حيث تعدّدت المذاهب، وتنوّعت الاجتهادات، وتفاعلت الآراء في إطار من الحوار والنقاش العلمي الرّصين؛ وليس في مناخ الإلغاء أو المصادرة[1]. غير أن الإشكال -كما في باقي القيم الكبرى- لا يكمن في المبدأ؛ وإنما في كيفية ممارسته. فبين حريةٍ تُسهم في البناء المعرفي، وحريةٍ تتحول إلى فوضى تأويلية تُربك المعاني وتُشوّش الوعي؛ مسافةٌ دقيقة تحتاج إلى وعي منهجي وضبط علمي. وهذه المسافة هي التي تفصل بين الإبداع المسؤول والانفلات الذي يستهلك المعنى بدل أن ينتجه. إن حرية الفكر في معناها الإيجابي هي قدرة الإنسان على النظر والاجتهاد في إطار من الانضباط العلمي، واحترام قواعد المعرفة، والتزام الأمانة الفكرية[2]. وهي بهذا المعنى لا تعني إطلاق الأحكام دون دليل، ولا القفز على التخصص، ولا استباحة النصوص بالتأويل المنفلت، بل تقتضي امتلاكَ أدوات الفهم، والتمييزَ بين مراتب الأدلة، والتواضعَ أمام تعقيد القضايا. فالعقل الحرّ ليس هو العقل المنفلت، بل هو العقل المنضبط بسنن المعرفة وقواعدها. وقد عرف تراثنا هذا المعنى الرفيع للحرية، حيث كان الاختلاف معتبرًا، والنقاش مشروعًا، بل إن تعدّد المدارس الفقهية والكلامية أكبر شاهد على حيوية الفكر وتنوعه[3]. غير أن هذا الاختلاف كان محكومًا بضوابط، أبرزُها احترامُ النصوص المؤسسة، والالتزامُ بقواعد الاستدلال، والتفريقُ بين ما هو قطعي وما هو ظني؛ وهو ما حفظ للنقاش توازنَه، وللمعرفة جديتَها. ولذلك لم يتحول الاختلاف إلى فوضى، بل ظلّ في الغالب اختلافًا منتجًا. واليوم؛ في سياقنا المعاصر، وخاصة في الفضاءات الإعلامية المفتوحة؛ نلحظ أحيانًا انزياحًا في مفهوم حرية الفكر؛ حيث تُقدَّم بعض الطروحات بوصفها تعبيرًا عن الجرأة والاستقلال؛ بينما هي في حقيقتها أقرب إلى الانفلات من الضوابط العلمية. فتُفسَّر النصوصُ خارج سياقاتها، وتُطرح قضايا مركّبة بأدوات سطحية، ويُختزل التراثُ في صور جزئية، دون اعتبار لمنهج أو تخصّص. كما تتغذّى بعض هذه الممارسات من منطق “الإثارة الإعلامية” أكثر مما تتأسس على البحث العلمي الرصين. وقد شهدت بعض النقاشات في السياق المغربي نماذج لهذا التوتر؛ حيث يُثار أحيانًا موضوع الحرية في مقابل المرجعية، وكأن العلاقة بينهما علاقة تضاد لا تقبل الجمع. فتُطرح تأويلاتٌ للنصوص الدينية خارج أصولها المنهجية، أو تُستدعى مفاهيمُ حديثة دون تكييفها مع السياق الثقافي والمعرفي للمجتمع[4]. وفي المقابل، قد يظهر ردّ فعل متوجس يضيق بمساحة السؤال المشروع، فيُفضي إلى نوع من الانغلاق الذي لا يخدم بدوره مسار البناء. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التوازن: حريةٌ تُصان بها كرامة العقل، دون أن تُفرَّغ من مضمونها العلمي. حريةٌ تُشجّع على السؤال؛ لكنها تُلزِم صاحبها بالبحث الجاد، وتُحفّزه على التعمّق لا على الاكتفاء بالإثارة. فليس كل طرح جديد إبداعًا، ولا كلُّ خروج عن المألوف اجتهادًا، بل العبرة بمدى اتساق الفكرة مع أصول المعرفة وقدرتها على الإضافة. إن البناء المعرفي الحقيقي لا يقوم على إطلاق التأويل بلا ضابط؛ بل على تفاعل منضبط بين النص والعقل، بين الثابت والمتغير، بين المرجعية والواقع. وقد عبّر عدد من العلماء عن هذا المعنى بضرورة الجمع بين “صحيح المنقول وصريح المعقول”[5]؛ في إطار من التكامل لا التصادم، بما يحفظ للمعرفة توازنها، وللفكر حيويته. وفي الأخير، فإن حرية الفكر التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تُفكك دون أن تبني، ولا التي تُثير دون أن تُقنع؛ وإنما تلك التي تُسهم في ترسيخ الوعي، وتوسيع آفاق الفهم، وبناء جسور الحوار. حريةٌ مسؤولة، تُدرك حدودها كما تُدرك إمكاناتها، وتُسهم في تحويل الفكر من مجال صراع إلى فضاء تعاون على الحقيقة. [1] ابن خلدون، المقدمة، فصل في العلوم وأصنافها. [2] طه عبد الرحمن، روح الحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية. [3] الشاطبي، الموافقات، ج4، باب الاجتهاد. [4] عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي. [5] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل. عن موقع الاصلاح
انطلاق الندوة الفكرية الرابعة لشورى “التوحيد والإصلاح”.. المغرب بين تحديات السيادة والهوية وتحولات الجيوسياسية

انطلقت يوم السبت الندوة الفكرية الرابعة لمجلس شورى حركة التوحيد والإصلاح، تحت عنوان “المغرب في سياق جيوسياسي متحول: السيادة والهوية وسيناريوهات المستقبل”. في الجلسة الافتتاحية، ألقى رئيس الحركة، الدكتور أوس رمال، كلمة توجيهية تناولت أهمية هذه المحطة في مسار الولاية الانتدابية الحالية، واستشراف آفاق العمل المستقبلي للحركة. وأكد رمال على القيمة المضافة التي تقدمها هذه الندوات في بلورة الرؤية المنهجية للحركة، مشيرًا إلى أن اختيار موضوع “السيادة والهوية” يعكس وعي الحركة بأهمية التفاعل مع القضايا الحارقة التي تمس كيان المجتمع المغربي في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم. كما نوه رمال بمنهجية الإعداد لهذه الندوة، التي اعتمدت على إشراك اللجان الدائمة والمختصين لضمان جودة المخرجات الفكرية التي ستشكل أساس التقارير الاستشرافية المعروضة على الجمع العام الوطني. من جانبه، استعرض منسق مجلس الشورى، الأستاذ رشيد فلولي، سياق انعقاد هذه الندوة، التي تأتي في ختام سلسلة من الندوات الفكرية التي تناولت قضايا التجديد الفكري وتحديات الجيوسياسة الراهنة. وأوضح فلولي أن هذه الدورة تحمل أهمية مزدوجة؛ حيث تعتبر فضاءً للحوار الاستراتيجي حول قضايا السيادة والهوية، ومحطة تنظيمية حاسمة لترتيب الاستحقاقات القادمة، بما في ذلك الجمع العام الوطني. افتتحت الندوة بكلمة تربوية قدمها الأستاذ خالد التواج، الذي ركز على البعد الإيماني والأخلاقي للعضوية في مجلس الشورى، معتبرًا إياها “مظنة للقدوة والالتزام والمسؤولية”. وشدد التواج على أن الحضور في هذه الهيئة، التي تُعد أعلى سلطة تقريرية بعد الجمع العام، يمثل تجديدًا للعهد مع الله ومع الإخوان الذين وضعوا ثقتهم في الأعضاء، داعيًا إلى استحضار روح المحاسبة والحرص على الأداء الدعوي والإصلاحي بفعالية وإخلاص. و تتواصل أشغال الندوة على مدى يومين، حيث من المتوقع أن تُعقد جلسات علمية بمشاركة عدد من رموز الحركة وقياداتها، بالإضافة إلى أكاديميين وباحثين، لمناقشة سيناريوهات المستقبل واستكشاف سبل تعزيز الهوية الوطنية ومواجهة التحديات الخارجية بكل فرصها ورهاناتها.
الدكتور أوس رمال يكتب: رسالة الإصلاح.. بين إسداء النّصح وقصد التّشهير

الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوة، وأمرهم بالتّواصي بالحقّ والصّبر، ونهى عن الغيبة والتشهير وفضح العورات، والصلاة والسلام على النبيّ المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، والقائل صلّى الله عليه وسلّم: “الدين النصيحة” رواه مسلم وبعد؛ فإنّ منزلة النّصيحة في ديننا منزلة رفيعة، بها يثبت الإيمان، ويستقيم المجتمع، وتُصان القلوب من الغشّ والدّغل. غير أنّ النّصيحة؛ كغيرها من العبادات؛ لها آدابها وضوابطها. فإن التُزمت أثمرت خيراً، وإن أُهملت تحوّلت إلى فضيحة أو تشهير. لقد رسم القرآن الكريم منهج النصيحة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ومن الحكمة أن ينصح العبدُ أخاه بما يُصلحه بعيداً عن أعين النّاس، لأنّ المقصود إصلاح القلب لا جرح الكرامة. وممّا يُنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله قوله: “مَن وعظ أخاه سِرّاً فقد نصحه وزانه، ومَن وعظه علانية فقد فضحه وشانه”. فالنّصيحة في السرّ سترٌ ورحمة، بينما هي في العلَن فضيحةٌ لا تزيد المنصوح إلا نفوراً وحرجاً. ولبعض الحكماء: “النصيحة على أعين الناس تقريع، أمّا في الخفاء فهي تلطّفٌ ورحمة“. وفي السّنة ما يؤكّد ذلك؛ فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد تنبيه أصحابه على خطأ، قال: “ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا” فيُشير دون تسمية، ستراً وحفظاً لهيبة المؤمن. وهذا أبلغ في التّربية وأقرب إلى القبول. أما ما شاع في عصرنا من توجيه “النّصائح” على منصّات التّواصل، في صفحات مفتوحة وجماهيرية، فلا علاقة له بمنهج الإسلام، بل هو في حقيقته لونٌ من التشهير والفضح. إذ أيّ فرق بين أن يُعاتَب المؤمن في سوقٍ عامّ أو أن يُعاتب في فضاء رقمي يشهده الآلاف؟! بل إنّ أثر التشهير الإلكتروني أعظم، إذ يبقى منشوراً متداولاً، وقد يظلّ وصمةً في حياة المرء لا تزول. ويبلغ الخطر مداه إذا بُني هذا “التشهير” المزعوم على أخبارٍ لم تثبت، أو على ظنونٍ وأقاويل لا أساس لها. فحينئذ لا يكون مجرّد فضيحة، بل يتحوّل إلى بهتان عظيم. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: “كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُهُ ومالُهُ وعرضُهُ” رواه مسلم. فانظروا ـ رحمكم الله ـ كيف صار بعض النّاس يرفع شعار “النصيحة” ليُخفي تحته غرض التشهير، بل وربما الكذب والافتراء. وهذا من أعظم أبواب الظلم، إذ يجمع بين خيانة النصيحة وإيذاء المسلم وانتهاك عرضه. إنّ واجبنا اليوم أن نُعيد الاعتبار لأدب النصيحة الشرعية: أن تكون خالصة لله، لا تشفياً ولا طلبَ سُمعة، أن تكون في السرّ والرفق، لا في العلن والقسوة، أن تكون قائمة على العلم واليقين، لا على الظنون والشائعات، أن يكون مقصدها الإصلاح والتزكية، لا الإحراج والتشويه. فليحذر كلّ واحد منّا أن تتحوّل “النصيحة” على لسانه أو قلمه أو صفحته إلى معول هدمٍ وجرحٍ لمشاعر إخوانه، أو أن تكون قائمة على باطل وبهتان. ولْنتذكّر جميعاً أن ستر العيوب أقرب للتقوى، وأدعى لقبول الكلمة الطيبة. ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. والحمد لله ربّ العالمين. أوس رمال حركة التوحيد والإصلاح 24 أغسطس، 2025
كلمة أوس رمّال رئيس حركة التوحيد والإصلاح في تأبين العالم لحسن وجاج

توفي صباح أمس الأحد، الفقيه الشيخ الحسن بن أحمد وجاج السوسي، عن عمر يناهز 95 عاما، بعد صراع مرير مع المرض، وقد حفل مشوار حياته بالعديد من الأعمال الجليلة التي قدمها في مسار العلم والدعوة إلى الله. وقال أوس رمال رئيس حركة التوحيد والإصلاح في كلمة تأبينية في حق العالم الجليل لحسن وجّاج رحمه الله تعالى “الحمد لله الذي كتب الفناء على خلقه، وجعل الموت سنة ماضية لا تتبدل، نحمده سبحانه على قضائه وقدره، ونسأله الصبر والاحتساب عند نزول البلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً “نودع اليوم جسداً واراه الثرى، ولكننا لا نودع أثراً طيباً تركه العالم الجليل لحسن وجّاج، تغمده الله برحمته الواسعة”. وتابع “لقد كان الفقيد منارة علم وهدى، جمع بين صدق الطلب وصفاء القصد، عاش حياته زاهداً في الدنيا، متعلقاً بمعالي الأمور، لا يطلب جاهاً ولا شهرة، بل كان همّه أن يبلّغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، بالكلمة الهادئة، والحجة الراجحة، والابتسامة المشرقة”. وأكد رمال أن لحسن وجّاج “قد كان رحمه الله من العلماء العاملين، الذين لم تغرّهم الألقاب، ولم تحبسهم الكراسي الوثيرة، بل آثر أن يكون بين الناس معلّماً ومربّياً وموجّهاً، ينصح هذا، ويواسي ذاك، ويشد أزر هؤلاء. وإنا لله وإنا إليه راجعون”. وأضاف “عزاؤنا في هذا المصاب أن الفقيد قد رحل إلى رب كريم، وهو الذي أفنى عمره في خدمة دينه، وتبليغ رسالات ربه، وتعليم كتاب الله وسنة نبيه. عزاؤنا أن سيرته العطرة ستبقى ماثلة في الأذهان، وأن تلامذته المنتشرين في ربوع المغرب وخارجه سيواصلون حمل الأمانة، ونشر النور الذي استقوه من مجالسه ودروسه”. وسأل رمال الله عز وجل أن يجعل علمه صدقة جارية، وأن يسكنه فسيح جناته، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يرفع درجته في عليين، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وختم بالقول: “اللهم اجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، اللهم عوض الأمة بفقده رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، اللهم اربط على قلوب أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان”.
الدكتور أوس رمّال يكتب: عزاء للبشرية في موت “الإنسانية”

عزائي العميق اليوم للبشرية، لا على ضحايا القتل الجماعي، ولا على أشلاء الأطفال تحت الأنقاض، ولا على الجوعى العطشى الذين يلاحقهم الموت بكلّ الأشكال؛ بل عزائي على “الإنسانية” نفسها وقد ماتت، وعلى القيم التي خدعونا بها دهرا طويلا، وصدّقها المغرَّرون من أمثالنا حين حسبوا أنها كونية تسري على جميع البشر؛ فإذا بها سرابٌ يصنعه الأقوياء لضمان الهيمنة والتسلّط، ويتلاشى متى مسّت المأساة شعوبا ضعيفة لا مكان لها في ميزان المصالح الغربية. أين هم فلاسفة “الحرية” ومنظّرو “العدالة”؟ أين المتشدّقون بـ”حقوق الإنسان والحيوان”؟ خنسوا، سكتوا، غابوا أو غُيّبوا؛ كأنهم يعتقدون أن الإنسان في غزّة ليس إنسانا، وأن الحيوان فيها ليس حيوانا، بل كأن الموت جوعا وتحت الركام لا يعدو كونه “قَدَرًا” لا يستحق استنكارا، لا “قتلا” مقصودا بسبق إصرار وتخطيط. لقد وجد الصهاينة في التّجويع سلاحا لا يكلّفهم سوى الانتظار، سلاحا أكثر فتكا من الصواريخ، وأقلّ إحراجا أمام كاميرات العالم، فهو “سلامٌ قاتل” لا يحتاج إلى قنابل، بل يكفيه معابر مغلقة وشحنات غذائية محتجزة؛ فيموت الأطفال بصمت، ويُقتل الضعفاء دون أن يُسمع دويّ السلاح. ومن السخرية أن يصوّروا هذا الجرم للعالم على أنه “موت طبيعي”، وليس “قتلًا” ممنهجًا يمارسه جيش محتلّ يؤمن بأن استهداف الأجسام الهشّة للأطفال سياسة فعّالة في الحرب. وقد يربح هذا المحتلّ تكاليف السلاح بفضل هذا “الاقتصاد الدموي”، لكنه يخسر سمعته التي حاول ترميمها طوال عقود، عبر سرديات المظلومية التي بنى بها مجده الكاذب، فبات اليوم عاريا من كلّ غطاء، إلا غطاء الغطرسة والكذب. لم يعد ضحية كما أوهم العالم؛ بل أصبح جلاّدا لم يكتفِ بالقتل؛ بل استأصل كلّ ما هو إنساني في محيطه. وما يزيد الوجع عمقًا هو خذلان الدول العربية والإسلامية، خاصّة تلك التي تحيط فلسطين من كلّ جهة، وقد أدمنت دفن الرؤوس في التراب، حتى لا ترى الحقيقة الساطعة: أن هذه الإبادة لن تستثني أحدا، مهما تملّقوا العدو وتذللوا له. هذا الكيان المتألّه يعلم كيف يذلّ كرامتهم، ويشتري ولاءاتهم، ويحوّل جيوشهم إلى دروع تقيه غضب شعوبهم. لكنّ التاريخ لا يُزوّر إلى الأبد، فكما أن لليل نهاية، فإن للظلم نهاية أيضا. قد تُشوَّه “حقائق” التاريخ، لكن “سُنن” التاريخ لا تُحرّف. فمهما طال ليل الاحتلال، سيطلع فجر المقاومة، ومهما عظُم جبروت الطغاة، فلن يصمد أمام صبر المستضعفين. ولمن يطبّع، راجيا الأمن من الماكرين، نقول: إنّكم توهّمتم، ويوم تنقلب الطاولة، ستكتوون بالنار نفسها. أنتم تصافحون القتلة، وتبصمون على جرائمهم، وتشوّهون وجه الأمة بوصمة لا تزول، فتبًّا لأي يدٍ تمتدّ لمصافحة من قتل الأطفال ودمّر المدارس والمساجد وحرّق الحجر والبشر، ولا تزال يداه تقطران من دم الأبرياء. {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
د أوس رمّال يكتب: بين “الكدّ والسّعاية” و “تثمين العمل المنزلي”.. إنصاف؟ أم تقويض لمؤسّسة الأسرة؟

في خضمّ النّقاش المستمرّ الذي أريدَ له أن يطول حول تعديل مدوّنة الأسرة، يُطرح -بإصرار مستميت- موضوعٌ مثير للجدل تحت مُسمّى: “تثمين العمل المنزلي للمرأة”، ويتمّ تقديمه باعتباره إنصافًا نوعيّا جديدًا للمرأة المغربية، واعترافًا بجهودها في تدبير حياتها داخل بيت الزوجية.
حركة التوحيد والإصلاح تدعم “بيت مال القدس”: تعزيز صمود غزة والأقصى بمساهمة إنسانية

في إطار الاهتمام المستمر الذي توليه حركة التوحيد والإصلاح لقضية القدس وفلسطين، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الفاعلة في هذا المجال، قام وفد من الحركة بزيارة وكالة بيت مال القدس الشريف التابعة للجنة القدس يوم الثلاثاء 9 يوليو 2025.الأقصى ترأس الوفد د. أوس رمّال، وضم الرئيس السابق المهندس عبد الرحيم شيخي، وقد استُقبل الوفد استقبالًا رسميًا خاصًا من قبل مدير الوكالة د. محمد سالم الشرقاوي، بالإضافة إلى عدد من موظفي الإدارة. تضمن برنامج الزيارة جولة ميدانية داخل المعرض الدائم للوكالة، حيث قدم القائمون على المعرض شروحات حول المشاريع المختلفة التي تشرف عليها الوكالة في القدس والمسجد الأقصى، خاصة تلك المتعلقة بدعم السكان، وترميم المنازل والمساجد، وتحسين الفضاءات التعليمية والاجتماعية. كما عُرض شريط وثائقي يبرز تدخلات الوكالة في القدس القديمة، ثم انتقل الوفد إلى قاعة الاجتماعات لمشاهدة شريط آخر يوثق تدخل إنساني حديث للوكالة في مدينة غزة، حيث تم توزيع مساعدات غذائية على النازحين من ذوي الاحتياجات الخاصة. في سياق اللقاء، قدم مدير الوكالة توضيحات حول طبيعة التدخل، والتحديات الكبيرة التي تواجه الوكالة في إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة في ظل الحصار والضغوط المفروضة على القطاع. واعترفًا بالمجهودات التي تبذلها الوكالة، قدمت الحركة شيكًا ماليًا كمساهمة في دعم برنامجين إنسانيين تدعمهما الوكالة: البرنامج الخاص بالدعم الغذائي لسكان غزة، وبرنامج العناية بالأطفال مبتوري الأطراف نتيجة العدوان المستمر على القطاع. وتأتي هذه الزيارة في إطار سياسة الدعم والتثمين التي تنتهجها حركة التوحيد والإصلاح لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، خصوصًا من خلال المبادرات المؤسسية التي تجمع بين الإغاثة والجوانب الحضارية والإنسانية.
