الباحث إدريس الصغيوار: مبدأ التصويت على الأصلح : هو الموقف الاصلح

WhatsApp Image 2026 05 07 at 15.51.39

 – في مجتمع تتجاذبه اتجاهات فكرية لا ترفع بقيم الاسلام راسا ولا تريد منه الا ما يخدم هوى ايديولوجياتها الهجينة ، وتستميت في تشكيل هوية الناس على ذلك ، ومعظمها امتداد فكر متولد من نظريات غربية بالية تشكل العلمانية مشتركا وقناعة راسخة بينها الا ما رحم الله ..اتجاهات لا زالت تقتات على فتات الفكر الاشتراكي المستهلك واخرى مزيج من الراسمالية الغربية ممزوجة بليبرالية متطرفة. وبين هذا وذاك توجد احزاب واتجاهات وطنية ترفع بثوابت الشريعة راسها اجمالا وتعتبر ذلك ثابتا من ثوابت برامجها منذ التاسيس. مجتمع بنى ثوابته الدستورية على مذهب امام دار الهجرة الإمام مالك، وولي الله: الإمام الجنيد وعقيدة الامام ابي الحسن الاشعري،  ويسوده مناخ سياسي كهذا … جدير بأن يبدي تايبده لكل حزب وجماعة ومفكر وعالم وداعية وشاعر واعلامي يحمي تلك الثوابت ويؤسس من خلالها فكره الاصلاحي ودعوته وبرنامجه السياسي بحسب هويته التنظيمية وموقعه. إذ بالثوابت الدينية يحفظ دين الوطن وبالتوابت الوطنية يحفظ الدين والوطن ! فمن البديهيات أن الشريعة مبنية على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما ودفع شر الشررين باحتمال أدناهما. فالذي ينظر نظرة ريبة وتشكيك الى التصويت لصالح حزب- تاسس على رعاية مقاصد الشريعة وإصلاح المجتمع على ما استطاع ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) – نظرة ريبة أو ينهى عن ذلك يعتبر فاقدا للأهلية الفقهية تنظيرا وتنزيلا ،مهما كان موقعه العلمي ومستواه الفقهي وشكله ورسمه !!  فمما لا يختلف عليه فقيهان انه إذا تزاحمت المصالح أو المفاسد روعي أعلاها بتحصيل أعلى المصالح ودرء أعلى المفاسد، فهذه قاعدة مجمع عليها بين الفقهاء لا يماري ويحادل فيها الا من لا فقه له ! وتنزيل القاعدة على ساحة المعترك السياسي والحزبي يقتضي النظر الى من يعطي للمصالح الشرعية اعتبارا في العمل الساسي باعتباره الأحق بالصوت والتأييد والنصرة ..اذ نصرته نصرة لقيم العدل والحق واسسه وقواعده ! ونصرة للوطن وثوابته  فهي أساس المصالح الدنيوية جميعا وبها يتم درء المفاسد كلها ! فاينما كانت الشريعة فتم المصلحة ..واينما ترجحت المصلحة فتم شرع الله وعليه فالمصلحة داىما  فيمن جعل الشريعة شعاره وارتضاها أساسا لبرنامجه الحزبي ما استطاع كما جعل منها أساسا لبرامجه النقابية والطلابية والنسائية والخيرية الاجتماعيةوالإصلاحية بشكل عام . فحزب هذا اساسه هو مظنة المصلحة الارجح بغض النظر عن تفاصيل أدواته واجتهاداته الفقهية، في المواقف من قضايا الإصلاح وأدواته ومواقفه من الأحداث والنوازل ، فكل ذلك مرده إلى الاجتهاد …ولا يلزم من تأييده في المجمل تأييده في المفصل ! فليس دعمه باعتباره الاصلح يعني موافقته في تفاصيل برامجه ومواقفه ، ولكن يعني انه الأولى بالقيادة ، فحتى من بين أعضاء الحزب من لا يوافقونه على كل شيء لكن مقتضى التعبد بالاصلح يفرض عليهم دعمه على ما هو عليه من باب ( وتعاونوا على البر والتقوى ) . فما دامت اسس الحزب النظرية قاىمة على  المحافظة على مقصود الشارع وهو خمسة، بأن يحفظ على المغاربة دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. ..فهو إذن أهل لان يقع عليه الاختيار بمنطق العقل والإنصاف والديانة معا وتحصيل مقصود الشارع المتمثل في هذه الأمور الخمسة يأتي على ثلاث مراتب هي، الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات كلها ترجع إلى المحافظة على هذه المصالح. فهو اذ يؤسي برامجه الحزبية على هذا ، على خير كبير وجدير بالنصرة والتأييد ولازم ذلك هو التصويت عليه تعبدا لله كاختيار تحصل به المصالح الشرعية للعباد على قدر ما تهيأ ، وتزول به المفاسد على قدر ما استطاع! إن دولتنا ولله الحمد والمنة على ثوابت إسلامية عظيمة تحتاج إرادة سياسية  لصيانتها وحمايتها وإبقاىها كما هي ثاتبة ، تمثل الرعاية المولوية التي يضطلع بها أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله وتكون امتدادا لتوجهاتها  كما تحتاج الى مزيد من الاجتهاد لتنزيلها في كل مستجدات الحياة وتقلباتها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا ! فكل هذه المجالات تستجد فيها قضايا تحتاج الى قوة اقتراحية سياسية لتنزيلها على ضوء تلك الثوابت وتدمجها دمجا لا يتناقض مع الثوابت الدينية والوطنية ! ان دعوات تنال من الصوت الإسلامي في شقه السياسي او النقابي او الاجتماعي لهي دعوات تفتقر إلى الأهلية الفقيهية حتى  لو نادى بها فقهاء ! فنداؤهم إنما يدل على اجتهاد فاسد إما لخلط في الفهم او خلل في النية والطوية  ! وفي كلا الحالتين إنما يلحقهم بذلك الأذى ، ولا يتأذى بهم غيرهم ..فالاصلح نور الشريعة وهو من نور الله قطعا ..ونور الله لا يطفأ. حزب كحزب العدالة والتنمية يتنزل عليه نظريا – ما ذكرناه أعلاه من تاسيسه على صيانة ثوابت الشريعة مما هو معلوم من الدين بالضرورة وما اجمعت عليه الامة قطعا وما ثبت بنص صريح لا يقبل التاويل ، وما عليه جمهور الامة من فقهاء المذهب !! ولذلك لا تجد في برامجه بكل اشكالها السياسية والنقابية والنسائية والمدنية ما يتناقض مع ذلك ، بل كلها تخدم تلك الثوابت في المجمل بل وتخوض تدافعها في المعترك مع المكونات السياسية الأخرى على هذا الاساس. هذا نظريا اما عمليا فالتجارب اقدثبتت قوة النزاهة في التنزيل والممارسة السياسية ،وكل المغاربة يدركون ذلك ويشهدون له  ويتابعون استماتة الحزب في اعتماد ما يحفظ بيضة الدين وصيانة مدونة الاسرة وقضايا كثيرة ليس هاهنا مجال بسطها .. نعم هناك ما ينتقده هذا او ذاك من مواقف وسياسيات الى ما هنالك لكن ليس هناك من يطعن في حسن السلوك والنزاهة  وحسن التدبير ورعاية مصالح العباد اولا  وهذا هو حجر الزاوية في كسب الثقة وتجديدها اليوم !

الباحث إدريس الصغيواريكتب: لماذا يكذب دعاة الحداثة على علم الحديث لصد الناس عنه؟

01de346e 3035 49de 880c b35f5e82d2f3 1 1

لقد أصبح لمصطلح الحداثة معنى مطاطيا بين متداوليه ، كل يعرفها من خلال قناعاته ، ولا أحد ينازع الحداثة ويرفضها كمفهوم يجدد الفكر والثقافة والموروث المجتمعي وما يقتضيه الحال من تغير في الحكم الشرعي الفرعي بضوابطه الأصولية في إطار توقير الثوابت الدينية كأساس للتجديد على يد من له اهلية الاجتهاد فيه لا لمطلق النظر عند الجميع . فحتى الإسلام جعل ذلك من المناقب العظمى التي يجريها على يد أصلح عباده ، ( يبعث الله على كل مائة سنة لهذه الامة من يجدد دينها ) فالحداثة بهذا التأطير هي شكل من أشكال التجديد اذا اعتمدنا عدم المشاحة في الاصطلاح وسلمنا بتداوله من قبل الناشطين في المعترك الفكري وإلا على اصطلاحها الغربي الأصيل المتنكر للقيم والثوابت تعتبر شكلا من أشكال التحريف للشريعة في قالب يوحي بتجديدها زورا .. فإذا اعتبرنا (التحديث) مرادفا (للتجديد ) باعتبار الضوابط اعلاه، فالمحدث او الحداثي الذي يتناول علوم الشريعة محاولا تطويعها للقيم الحضارية المعاصرة ومستجداتها يجب عليه عقلا ومنطقا أن يملك أهلية علمية تمكنه على الأقل من تصور المسائل الشرعية التي يعمل عليهاـ تصورا علميا سليما من كل وجوهه. فما لم يكن كذلك فقصوره العلمي في فهم تلك المسائل سيجعل نقاشه وحواره وما يدلي به مجرد عبث بل تسويقا للوهم وتكريسا للتخلف العلمي ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وتحديث العلوم ومسائلها لا يتحصل بجهلها . وكمثال على ذلك ، وتحديدا في مجال الدعوة إلى تحديث علوم الحديث وإعادة النظر في أصولها وقواعدها ، كما ينادي بذلك كثير ممن يتصدرون المشهد الثقافي والفكري ( كدعاة للحداثة) ، نقول : إن واحدا من اولئك الدعاة سمعته يصرخ بأعلى صوته منتقدا علماء الحديث باعتبارهم يعتمدون في تصحيح الأحاديث على قواعد لا يمكن للعقل البشري أن يقبلها كليا وهو ما يعني أن عملية التصحيح للحديث عملية غير مقبولة، وادعى هذا الرجل ، أن شروط الحديث الصحيح عند أهل الحديث هي عدالة الرواة وضبطهم واتصال سندهم ، ومهما كان نص الحديث إذا توفرت تلك الشروط فالحديث يصح عندهم ، ثم يقول : فلو كان نص الحديث فيه ان جمع العدد واحد مع العدد واحد يساوي العدد خمسة ، فالمحدثون يصححون الحديث ولا يبالون بهذا الكلام ، ومعلوم ان مجموع العدد واحد والعدد واحد هو اثنان وليس خمسة لكن المحدثين يقبلون ان تكون النتيجة هي خسمة ويصححون الحديث حتى لو خالف المنطق الرياضي المتفق عليه بين البشر ، ثم يقول : هل رأيتم كيف أن علم الحديث هو علم لا يصلح ويجب إعادة النظر فيه وفي قواعده وان الاحاديث المتداولة كلها صححت بهذه القواعد البدائية التي تخالف العقل والعلم .انتهى كلامه. واقول : إن هذا الحداثي وأمثاله ممن نصبوا أنفسهم اوصياء على المرجعية الحديثية للأمة ليعبثوا بها وبأصولها باسم (الحداثة والتنوير) لو تفرغوا قليلا للاستفادة من منصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف ودروسها الرائعة في تأصيل علم الحديث وقواعده لتعلموا على الأقل شروط الحديث الصحيح بلغة بسيطة تنبض بالعلم والمعرفة وهي تطبيق(على الهاتف) متاح سهل يسير غزير العلم والمعرفة ، فاصغر طلاب التعليم العتيق بمدارسنا يسخرون ممن يقول بأن شروط الحديث الصحيح هي مجرد عدالة الرواة وضبطهم وتحقق اتصالهم ، كما يزعم هذا الحداثي جهلا أو كذبا ! فشروط الصحيح خمسة بإجماع المحدثين وهي الاتصال والعدالة والضبط ومعها نفي الشذوذ و نفي العلة . فاما نفي الشذوذ فهو نفي مخالفة من هو أوثق واحفظ للحديث. واما نفي العلة فهو نفي مخالفة الحديث للحقائق اليقينية المطلقة كالنص القرآني والعلم المقطوع به والواقع اليقيني كذلك والرواية الحديثية الأرجح بقرينة من قرائن الترجيح المعتمدة عند علماء علم علل الحديث، فانظر وتأمل في هذه الشروط المتفق عليها في اعتبار الحديث الصحيح بين المحدثين بل والفقهاء والأصوليين ايضا، وقارن بينها وبين ما صرح به الحداثي أعلاه بجهل مركب خطير يخبرك عن مدى الجرأة التي تجرأ بها على الحقائق العلمية الشرعية ليقنع المتلقي بفكرة وجوب إعادة النظر في علوم الحديث وانها لا تصلح ، فهذا الرجل وأمثاله على اقل تقدير هم جهلة بالعلوم الشرعية وعوض أن يتعلموا قبل ان يتكلموا .. تطاولوا بجهلهم المركب على الحديث النبوي وعلومه متجاوزين المحدثين المغاربة من إعضاء المجالس العلمية وغيرهم وهم أهل الشأن ومؤسسات خدمة الحديث العلمية وهي المرجع لهذا العلم وفهمه ، فتطاولوا كدعاة للحداثة على علوم الحديث لتبديلها وتحريفها باسم التجديد والتنوير. هذا مثال فقط ، والا فإن هؤلاء التسعة رهط لهم مقولات ومزاعم عديدة ممنهجة يفترون بها على الحديث النبوي وعلومه بدءا من الطعن في مصداقية تدوينه ثم التشكيك في رجاله وكتبه ومصادره ، ثم الطعن في دواوينه ، ثم الكذب على قواعده العملية كالمثال أعلاه . لسنا هنا بصدد اتهام هؤلاء في نواياهم ولا تصنيفهم كوكلاء حرب على اسس الشريعة فشأنهم في هذا الى الله ثم ضمائرهم ، ولكن يبقى التساؤل حاضرا لماذا يفترون على اصول الشريعة باسم الحداثة ؟! ثم ياتي تساؤل مقابل له وهو : لماذا لا ينبري المتخصصون في الحديث من علمائه المغاربة للدفاع عنه باعتباره المصدر الثاني للتشريع وباعتباره اساس التشريع في البلاد وباعتباره مكتسب نفيس له مؤسسة ترعاها سواعد جلالة الملك حفظه الله بتشييد واحد من أروع صروح الحديث النبوي تحمل اسمه (منصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف) ..إن الجهود التي تبذلها هذه المنصة المباركة في خدمة الحديث الشريف بأسس قواعد المذهب المالكي واختياراته لتستحق الشكر والامتنان كما تستحق ان تُحمى مكتسباتها وجهودها من عبث من يشاغبون على علم الحديث ويطعنون في مصداقيته علنا وجهارا بدون توقف. اليس واجبا على كل مقتدر حماية جناب نبيه صلى الله عليه وسلم والدفاع عن أحايثه واقواله والعلوم التي بها ثبتتْ ودُونت ووصلت إلينا؟!! ..ألا من غيور على علوم النبوة ؟!!…اليس هدم صروح العلم هاته جريمة حقا بمقتضى الدستور نفسه الذي ينص على ان دين الدولة هو الإسلام..؟! اليس الاسلام كتابا وسنة .. ومن طعن في مصداقية الحديث والسنة جملة وتفصيلا كمن طعن القرآن ايضا وفي دين الدولة وسعى لهدمه ؟!!

الباحث إدريس الصغيوار يكتب: لا إصلاح بغير فقه الخلاف المعتبر وما يقتضيه.

WhatsApp Image 2025 06 17 a 15.02.58 4a3c3422 2

  فقه الخلاف وما يلزم منه ، واحد من أهم الاسس التي تشكل العقلية الناضجة للمسلم ، والتي تؤهله لمنزلة الإصلاح والتربية والقيام بأدواره الطلائعية في النهوض بالأمة وتقويمها . وبغير فقه الخلاف يصبح دور المصلح غامضا مذبذبا تائها غارقا في غياهب الجهل والنزاع والفرقة والتمزق ، يقف المواقف خبط عشواء بلا أصول تضبطه ولا قواعد توجهه ولا مبادىء تهديه إلى سواء السبيل ، فإذا به يفسد أكثر مما يصلح. فقه الإصلاح إذن مستلزم لفقه الخلاف ، فما قد تراه انت فاسدا ليس هو بالضرورة كذلك عند غيرك ، فالحكم على الأشياء فرع عن تصورها ، والتصور حكم ، وفي الأحكام خلاف تحكيه المذاهب الاربعة ومعها مذاهب أخرى . فانت هنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تؤمن بوجود الخلاف الفقهي المعتبر بين الفقهاء وتلتزم به ، فتكون مؤمنا بأن الخلاف حقيقة واقعة لا محيد عن التعايش معها كما تعايش معها الفقهاء الراسخون في الفقه قبلك كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد ، وكما فعل قبلهم الصحابة رضوان الله عليهم إذ اختلفوا وتعايشوا مع خلافهم في الاحكام. وإما ان تتنكر لوجود الخلاف جملة وتفصيلا ، وتزدري خلاف الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الامصار ، فيكون ما تراه انت من الأحكام هو المقرر في الإسلام وهو الحق الأوحد وما عداه هو الباطل المحض ومن لم يوافقك على رأيك ضال مضل يستحق البراءة منه ، وإعلان العداوة عليه والتشنيع عليه وتسفيه حاله والحكم عليه بالعذاب في مآله واعتباره خارجا عن الصراط المستقيم فاسقا عن الشريعة . فأما الخيار الأول فهو الفقه الأقوم ، وهو الذي عليه علماء الإسلام وفقهاؤه وأئمته ، ففي الصدر الأول اختلف الصحابة في فقه حديث ( من كان يؤمن بالله واليوم الاخر لا يصلين العصر الا في بني قريظة ) فمنهم من فهم النص على ظاهره وصلى العصر فيها ، ومنهم من فهم الامر بالتعجيل والإسراع فصلاها قبل الوصول الى بني قريظة لدخول وقتها ، فما عاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا على هؤلاء ولا على هؤلاء ، فدل ذلك على ان الشريعة تسع الخلاف ، نظرا لطبيعة خطابها الحمال للوجوه ، ونظرا لطبيعة العقول المختلفة في درجة الفهم ، فلو كان الشارع يريد حسم الخلاف في الأحكام بالقطع لجعل خطابه فصلا نصا ظاهرا مقطوعا بحجيته ودلالته ، لكن لحكمة الشارع في إيجاد الخلاف كان خطابه للمكلفين على ضربين : ضرب مقطوعا بحجيته ودلالته فهو محط إجماع على حكم واحد لا يتعدد. فهذا لا يرد عليه خلاف ولا يتحمله من أحد مهما علا شأنه علما وفهما. كالإجماع على فرضية الصلاة . وضرب غير مقطوع بدلالة نصه لتعدد اوجه الفهم على مستوى لغته (العربية ) أو ثبوته اصلا او حكمه لاشتراكه مع أدلة أخرى في التخصيص والتعميم او الاطلاق والتقييد او النسخ من عدمه او نحو ذلك من أصول الجمع بين الادلة ، فهذا الضرب يرد عليه تعدد الفهم لتعدد الاحتمالات في حكمه او لغته او حتى ثبوته فهو اذن مما يرد عليه الخلاف، ويصنف هذا الخلاف في دائرة القبول والاعتبار ، اعتبارا لامكانية تعدد الفهوم عليه. فهو الخلاف المعتبر. والمتلقي للضربين (من أحكام الشريعة ) لا يعدو ان يكون أحد اربعة : إما عالم مجتهد له أهلية النظر لاستنباط الحكم الشرعي او بلغة ادق (صانع للفتوى بادوات العلم التي تؤهله) واما ان يكون طالب علم له أهلية النظر في فتاوى العلماء وانتقاء الأصوب منها مما يقوم عليه الدليل في نظره ، فهذا له من العلم ما يؤهله لتمييز ما عليه الدليل ، ونوع الدليل فرتبته رتبة ناظر مختار لا عالم مجتهد . وإما ان يكون مقلدا لا يميز بين الادلة فهذا يقلد مذهبا من المذاهب المعتبرة او فقيها معتبرا لعلمه وامامته ويكتفي بذلك. واما الرابع فهو الذي يتبع هواه فلا هو بمفت ولا متبع ولا مقلد ، وإنما يتخبط بين هذه المنازل بغير ضابط خبط عشواء. فإذا نظرنا إلى من يتنكر للخلاف المعتبر ، ويلزم الناس برايه في أحكام الشريعة او رأي آحاد الفقهاء ، وجدناه من الصنف الرابع ، الذي يتبع هواه ، والا فمن أين له دليل إلزام الناس بفقهه ورأيه فيما وسع الله فيه من الخلاف. والموالاة والمعاداة عليه. ففقه الخلاف إذن أساس فقه الإصلاح ! ومن لم يفقه الخلاف وما يلزم منه لم يفقه الإصلاح ، ولن يبلغ منزلته. ويشكو المصلحون اليوم من الفرقة والتمزق ، واستئثار كل جماعة وحركة وحزب برأيه ، ولو تأملت في واقع الأمر لوجدت عدم تحمل الخلاف المعتبر في المسائل هو أساس ذاك التمزق ، فإذا تأملت أكثر وجدت الجهل بفقه الشريعة هو السبب الأعمق وما الجهل بفقه الخلاف الا فرع عنه ومرآة انعكس فيها . فإنك لن تجد عالما بالفقه لا يفقه الخلاف ولوازمه وما يقتضيه. عند فقه الخلاف المعتبر ، لا تبقى في النفس حزازات الاختلاف فضلا عن عداوات واتهامات وتشنيع وطعن وتجريح وهجر وزجر ونحو ذلك ، فمن اقتنع بوجوب النقاب مثلا يلزمه ويلزم منه أنه إذا خالفه فقد ارتكب إثما وكبيرة من الكبائر ! هذا يلزمه هو ولا يلزم غيره ، ممن يدين الله بجواز الحجاب بكشف الوجه والكفين ، وبالتالي فالحالة الصحية انه لا يتهم امرأة رآها محتجبة (بكشف الوجه والكفين ) انها لم تحتجب ! وانها ارتكبت إثما بمخالفتها النقاب ! وقس على ذلك ..مآت المسائل الشرعية الفقهية في العبادات والمعاملات والجهاد وغيرها بل وتفاصيل العقيدة. فإذا وجدت في صدرك عدم تحمل للخلاف المعتبر ، وترى من يخالفك في أمر من أمور الشريعة ضالا بعينه عن الطريق فاعلم ان ذلك من مداخل الشيطان عليك ، ومن الجهل بالشريعة ومقتضياتها ، وما النزاعات المسلحة التي تراها وقعت في كثير من بلاد المسلمين بين جماعات يفترض ان لها رصيدا من الفقه، الا نتيجة طبيعية للجهل بفقه الخلاف وما يقتضيه ، فنتج عن ذلك زيغ وتطرف (ورايكالية ) موغلة في الجهل، والتكفير والتبديع والتفسيق ، فلما تهيأ السلاح والقوة اصبح الاقتتال على الخلاف المعتبر سيد الاجواء ! كل يرفع شعار ( قناعاتي او الطوفان )!!! فالله جل وعلا يوم القيامة لن يحاسب الناس على مذهب واحد من المذاهب الاربعة ، وإنما على نياتهم في الاتباع وعلمهم بالحجة ، فالدين يشملها جميعاومعها كل اجتهاد من عالم معتبر لانها مبنية على الاجتهاد ، والناس في ذلك بين مجتهد ومتبع ومقلد والا فضال ! فإذا كان الأمر كذلك ، فيلزم منه التعايش مع الخلاف المعتبر ، وكل من حاسب الناس على قناعاتهم الفقهية كان مفسدا غير مصلح ، مفرقا للجماعة ناشئا للفتنة ، الا ما كان مما تعم البلوى في حياة الناس فحكم الحاكم فيه يرفع الخلاف