خطبة ليوم 14جمادى الآخرة 1447 هـ الموافق لـ 5 دجنبر2025م: التحسيس بمخاطر العنف ضد النساء

الخطبة الأولى الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم لبيان قدرته، وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى لتنفيذ حكمته، نحمده تعالى على جلائل نعمه وعظيم آلائه، ونشهد أن لا إله إلا الله الواحد الفرد الصمد، الغني عن الصاحبة والولد، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما تامين بتمام ملكه، وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى صحابته الغر الميامين الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان في سائر الأفعال والأقوال. أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»[1]. في هذا الحديث النبوي الشريف توجيه صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء به في المعاملة الحسنة مع الأهل؛ ولذا أكد بقوله صلى الله عليه وسلم: “وأنا خيركم لأهلي”، لأنه صلى الله عليه وسلم محل القدوة والأسوة لجميع المؤمنين والمؤمنات. عباد الله؛ شاءت حكمة الله تعالى أن يجعل المسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء في إقامة الحياة في إطار الأسرة والتي تترتب عليها الحياة الطيبة ثم مسئولية التربية والتعليم، والقيام بالشأن الخاص والعام، فجعل لكل واحد منهما وظائف يقوم بها لأداء رسالته في الحياة، وأقام العلاقة بينهما على أساس السكينة والمودة والرحمة، وأمر سبحانه بالمعاشرة الحسنة والاحترام المتبادل في جميع الأحوال مع مراعاة خصوصية كل واحد منهما. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخيرية الحقيقية تكمن في المعاشرة الحسنة للأهل، وذلك بحكم الحياة المشتركة الدائمة المقتضية للصبر الجميل، والاعتراف بالفضل، والتغاضي عن الأخطاء والهفوات التي لا يخلو منها إنسان. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ فهو الزوج المثالي الكامل الخلق الذي تستمد منه الأسوة والقدوة، وإذا كانت “خطة تسديد التبليغ” تعنى بتحقيق الحياة الطيبة للناس، فقد جاءت الرسالة الملكية السامية تحث الناس على دراسة السيرة والسنة النبوية للاقتداء، فإن من أهم المواطن التي تحتاج للعناية والتأسي، وهي من صلب العمل الصالح الموجب للحياة الطيبة، العلاقةَ الزوجية بصفة خاصة، والعلاقة بين الرجل والمرأة عامة، إذ ينبغي أن تبنى على المكارمة؛ أي استحضار التكريم الإلهي لكل إنسان، ذكرا كان أو أنثى، والتعامل معه على هذا الأساس، وقد أوجب الله تعالى على عباده الرحمة والرفق بعباده، وحرم الظلم والاعتداء عليهم. ويكفي في التحذير من العنف ضد أي كان، وضد النساء بصفة خاصة، ما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا»[2]. ففيه بيان خطورة الظلم والاعتداء على الناس، وأن الظلم ليس من صفات الله تعالى، وأنه جل وعلا لا يحب المتصفين به في جميع الأحوال، فلا يجوز للمؤمن أن يكون مصدرا للشر والعنف ضد زوجته لأي سبب من الأسباب، كما لا يجوز للمرأة كذلك أن تمارس على زوجها أي نوع من أنواع العنف أو التعسف بشكل من الأشكال. ولهذا وردت أحاديث كثيرة توصي بتحري الدين والتقوى في المعاملة والمعاشرة والمصاهرة، وتحذر من أضدادهما، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»[3]. والفتنة التي يحذر منها هذا الحديث النبوي الشريف هي: ما يصدر ممن لا دين له ولا خلق من التصرفات غير المقبولة، وأخطرها العنف والبخل بكل أنواعه. وعن الحسن البصري رحمه الله، وقد سأله رجل: لمن يزوج ابنته؟ فقال: “زوِّجها رجلا يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها”[4]. عباد الله؛ إن أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى بعد الفرائض حسن المعاشرة للناس، وأولى الناس بذلك أهلك الذين تأوي إليهم ويأوون إليك، وتسأل عنهم يوم القيامة ويسألون عنك، فليكن خلقُ الرحمة والرأفة صفة دائمة للمؤمن؛ ليسعد ويسعد غيره، ذكرا كان أو أنثى. نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. عباد الله؛ إن مفهوم العنف مفهوم عام، يمكن تقسيمه إلى أنواع عديدة، نذكر منها: العنف الجسدي كالضرب، ولا يليق بمن في قلبه مثقال ذرة من الإيمان بل ومن الإنسانية، قالت عائشة رضي الله عنها: «وما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم امرأة قط ولا خادما ولا غيرهما»[5]. العنف اللفظي كالسب والشتم والقذف والإهانة، وهذا ليس من أخلاق المؤمن ولا المؤمنة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»[6]، أي كفر وجحود لنعم الله عليه. العنف التجسسي؛ وهو أخطرها في زمن الهواتف والكاميرات، بحيث يتجسس أحد الزوجين على الآخر في هذه الوسائل، مما يغرس الشك وسوء الظن بينهما، فيمعن كل واحد منهما في كشف سر الآخر، إلى غير ذلك من الأمور الخطيرة المهددة للأسرة كلها، المبنية على الظنون السيئة، والأوهام التي يلقيها الشيطان في قلوب العباد من أجل إفساد العلاقات بينهم. عباد الله؛ إن الأوْلى بالمؤمن والمؤمنة أن يكون كل منهما سليم الصدر من أمراض القلوب، سليم اللسان من أعراض الناس، سليم اليد من حقوقهم، وخصوصا من يعاشر ويجاور، من أم وزوجة وبنت وأخت وكل أنثى يتعامل معها على أساس الاحترام المتبادل، وتأملوا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا»[7]. هذا، وخير ما نختم به الكلام، ونجعله مسك الختام، أفضل الصلاة وأزكى السلام، على النبي الرؤوف الرحيم، الحريص على المؤمنين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم على عبدك ونبيك وصفيك سيدنا محمد، عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك. وارض اللهم عن ساداتنا الحنفاء الأربعة الخلفاء؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعن التابعين وعنا معهم بمحض فضلك وكرمك يا رب العالمين. وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من بسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم احفظه بالسبع المثاني والقرآن العظيم، ومتعه اللهم بتمام الصحة وجميل العافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنك سميع مجيب. وتغمد اللهم بواسع رحمتك وعظيم جودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، في أعلى عليين. اللهم ارحمنا وارحم والدينا، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
خطبة الجمعة: وجوب الانخراط في الشأن العام على أساس التواصي بالحق والتواصي بالصبر

الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه خطبة ليوم الجمعة 07 جمادى الآخرة 1447هـ الـموافق لـ 28 نوفمبر 2025م ((وُجُوبُ الاِنْخِرَاطِ فِي الشَّأْنِ العَامِّ عَلَى أَسَاسِ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ)) الحمد لله حمدا يليق بكريم صفات كماله، ويستزيد المدد من جميل صفات جماله، ويناسب عظيم شأن صفات جلاله، ونشهد أن لا إله إلا الله المتصف في القول والفعل بالانفراد، المنزه عن الأضداد والأنداد، الغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة لكل مؤمن ومؤمنة، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما تامين متواصلين ما تواصل الليل بالنهار، وعلى آله الطيبين الأبرار، وصحابته الكرام الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان بالعشي والإبكار. أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الله تعالى: [1] وَالْعَصْرِ إِنَّ اَ۬لِانسَٰنَ لَفِے خُسْرٍ اِلَّا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِۖ عباد الله؛ يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «لَوْ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ غَيْرَ هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتِ النَّاسَ؛ لِأَنَّهَا شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ الْقُرْآنِ»[2]. وأخرج البيهقي والطبراني عن أبي حذيفة رضي الله عنه قال: «كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا الْتَقَيَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ سُورَةَ (وَالْعَصْرِ)، ثُمَّ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ»[3]. وذلك لما اشتملت عليه من العلوم والمعارف التي يحتاجها الناس أفرادا وجماعات، ولما فيها من قضايا الإيمان والعمل الصالح، وما ينبني عليها من التواصي بالحق، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالصبر على ذلك؛ فقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر، دلالة على الزمن الذي يطوي الخلق والأمر، ولا تتصور الحياة إلا مشمولة به بدايات ونهايات. إن الإنسان (بمعنى الجنس البشري) لفي خسر وضلال وعنت في الدنيا والآخرة؛ إلا المتصفين بهذه الصفات الأربع، التي هي طريق الحياة الطيبة وحبل النجاة وطريق الفوز في الدارين؛ وهي: أولا: الإيمان الصادق؛ وهو: الاعتقاد الجازم واليقين الجامع لكل خواطر النفس، والمُحرر لها من أهوائها وأنانيتها، والمُخلِّص لها من نزواتها وشبهاتها وشهواتها، والمؤدي إلى التسليم والتفويض والطمأنينة والسكينة، والحامل على مراقبة الله تعالى في السر والعلانية؛ روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُواْ»[4]. ثانيا: العمل الصالح؛ ويشمل العبادات والمعاملات والسلوك عامة؛ ووَصْفه العمل بـ(الصالح) يقتضي كونه موافقا للسنة؛ كما قال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمُۥٓ أَيُّكُمُۥٓ أَحْسَنُ عَمَلاٗۖ﴾[5]. قال الفضيل بن عياض: أَيْ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قِيلَ: مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ فَقَالَ: اَلْخَالِصُ إِذَا كَانَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ إِذَا كَانَ عَلَى السُّنَّةِ»[6]. قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ اَ۬لْجَنَّةُ اُ۬لتِےٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَۖ[7]. ثالثا: التواصي بالحق: فإذا تحقق المسلم بهاتين الصفتين: الإيمان الصادق والعمل الصالح المؤديين إلى الحياة الطيبة، والمخرجين للعبد من داعية هواه إلى الإخلاص في طاعة مولاه، انتقل حينئذ إلى الصفتين الأخيرتين من أجل الانخراط والإسهام في إصلاح مجتمعه. والانخراط في الشأن العام وهو ما يسميه القرآن الكريم بالأمر الجامع، يقتضي التحرر من صفات الإهمال والوهن والتواكل والغش والأنانية. ولا يعني الاهتمام بالشأن العام والانخراط في خدمته الخروج عن ثوابت الأمة، والتغريدَ خارج السرب، ولا النظرَ من زاوية الهوى وحب الظهور والخلاف من أجل الخلاف، فهذه الصفات السلبية تهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع، وتفسد ولا تصلح، وقد قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِے اِ۬لَارْضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَۖ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ اُ۬لْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَۖ[8]. فالحق اسم من أسماء الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ هُوَ اَ۬لْحَقُّ[9]، ثم أطلق اسم الحق على كل ما يحبه الله ويرضاه من النيات والأقوال والأفعال، وما سواه زائل وباطل مضمحل. ومن معاني التواصي بالحق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه وآدابه وضوابطه؛ فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ…»[10]. فيكون ذلك مؤثرا باليد لمن له السلطة والقضاء والفصل بين الناس، وباللسان للعلماء بشرط العلم والمعرفة الكافية لمآلات الأمور، وما يترتب عن كل أمر أو نهي من المصالح، وما يدرأ به من المفاسد، كما يكون بالقلب وامتثال الأمر واجتناب النهي، وتكثير سواد المصلحين واجتناب مجالس المفسدين؛ فذلك من أنجع وأسهل طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عباد الله؛ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني اللين للناس لا الغلظة، والرفق لا العنف، والتيسير لا التعسير، والتدرج لا العجلة؛ مع الأولاد في البيت، والزملاء في العمل، وعامة الناس في الشارع وسائر المرافق؛ وبذلك يغلب الخير على المجتمع ويسود الحياء والوقار، ويقل الفساد وتضمحل أسبابه أو تزول، والموفق من وفقه الله، والعبرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يبدأ الشخص بنفسه فيأمرها وينهاها. نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بدر التمام، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم على الدوام. عباد الله؛ اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن الصفة الرابعة لمن استثناهم الحق سبحانه من الخسران والضياع والهلاك، هي صفة التواصي بالتحمل والصبر على البلوى: رابعا: التواصي بالصبر؛ والصبر هو إكسير مكارم الأخلاق، وكيمياء سائر الوقائع والأحداث الذي يحولها إلى المغانم لا المغارم، وإلى المكاسب لا المصائب؛ ولذا قال النبي ﷺ: « وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ»[11]. به يستضيء المؤمن في دجى الحوالك، وينجو من مهاوي المهالك، وهو على العبادة طاعة، وللبلاء رضى وقناعة، وعن المعاصي عفةٌ ومناعة، فهو يدور مع المؤمن حيثما دار، ويحميه من نزوات الغضب والأنانية والأثرة ويُحَلِّيه بالإيثار. ولذا ورد التواصي به مقرونا بالتواصي بالحق؛ لأن الدعاة إلى الله وأولياء الأمور أحوج إلى الصبر من غيرهم؛ لما قد يجدون في طريقهم من المكاره وردود الأفعال، وأسوتهم رسول الله ﷺ الذي يقول: «اَللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»[12]. ممتثلا قول الحق سبحانه: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ اُ۬لْعَزْمِ مِنَ اَ۬لرُّسُلِ﴾[13]. ألا فاتقوا الله -عباد الله-، وأخلصوا في التواصي بالحق والتواصي بالصبر تسعدوا، وأكثروا من الصلاة والسلام على إمام الصابرين، وقدوة الناصحين سيدنا محمد؛ فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، وارض اللهم عن آله الطيبين، وعن خلفائه الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحابة أجمعين، خصوصا الأنصار منهم والمهاجرين، وعنا معهم بفضلك وإحسانك يا رب العالمين. وانصر اللهم بنصرك المبين، من وليته أمر عبادك، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، اللهم احفظه بحفظ كتابك، وبارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولانا الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولانا رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية
خطبة الجمعة : ذكرى الاستقلال المجيدة عبر ودلالات

نص خطبة الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه خطبة ليوم 22 جمادى الأولى 1447هـ الموافق لـ 14/11/2025م «ذكرى الاستقلال المجيدة عبر ودلالات» الخطبة الأولى الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبالاعتماد عليه تبلغ المقاصد والنيات، نحمده سبحانه وتعالى حمد الشاكرين، ونستعينه وهو نعم المعين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، وعلى التابعين لهم في الإخلاص والوفاء إلى يوم الدين. أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الرسول ﷺ: «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا»[1]. عباد الله؛ في هذا الحديث النبوي الشريف يبين الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قيمة ثلاثة أمور هي رأس سعادة الإنسان: الأمن والصحة وقوت اليوم. فهذه الأمور الثلاثة هي مجامع سعادة الإنسان، ومراغبه في الدنيا. ومعنى قوله ﷺ من أصبح منكم آمنا في سربه، أي في أسرته، بكل ما تعنيه الأسرة من المعاني؛ من الأسرة في البيت إلى الأسرة في الحي والأسرة في القرية والأسرة في المدينة والأسرة في البلاد؛ إذ الأمن نعمة عظمى ورأس مال ثمين، وهو الركن الركين لكل تدين ونمو في الحياة أو تقدم أو ازدهار، وقد لا يدرك قيمته كثير من الناس. و”عيد الاستقلال المجيد”؛ الذي يحتفي به المغاربة في الثامن عشر من نونبر من كل سنة، يذكرنا بكل معاني الأمن والاستقرار، كما يذكرنا بأن ما نعيشه اليوم وغدا، وما نجنيه من الثمار الغالية في جميع الأصعدة، ليس شيئا يسيرا يناله كل من رغب فيه أو تمناه، وإنما هو نتيجة النضال المتواصل والجهاد الأكبر الذي خاضه المخلصون من هذا الوطن الغالي، من الملك العظيم، ومن الشعب المناضل الوفي بما عاهد الله عليه، ونلخص ذلك في أربع عبر كبرى: أولها: أن هذه الذكرى تذكرنا بتضحيات الآباء والأجداد، وهي منة من رب العالمين، ثم من جهود المخلصين لهذا الوطن وفي مقدمتهم جلالة المغفور له مولانا محمد الخامس، طيب الله ثراه، وولي عهده ثم وارث سره وعزمه جلالة المغفور له مولانا الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، وإلى جانبهما الشعب المغربي قاطبة، حيث قدموا الغالي والنفيس لمدة تزيد عن نصف قرن من الزمان، كلها نضال ومقاومة لكل أشكال الاستعمار وأساليبه ومناوراته، مقاومة بشتى الوسائل داخل الوطن وخارجه، عبر محطات ومنعطفات حاسمة كتقديم “وثيقة المطالبة بالاستقلال”، وخطاب السلطان “محمد الخامس بطنجة”، و”ثورة الملك والشعب”، حتى توجت تلك الجهود بنيل الاستقلال وعودة السلطان جلالة المغفور له محمد الخامس وأسرته الشريفة من المنفى إلى عرشه ووطنه، حاملا مشعل الحرية والأمن والاستقلال. ثانيها: أن استقلال المملكة المغربية من الحماية الأجنبية جاء نتيجة أسباب عدة، أولها: حماية هويتهم بالدين الذي حافظ عليه المغاربة منذ القرن الأول من فجر الإسلام إلى يوم الناس هذا، ومنها إيمانهم بأن الله تعالى ناصرهم لقوله سبحانه: ]وَكَانَ حَقّاٗ عَلَيْنَا نَصْرُ ۴لْمُومِنِينَؐ[[2]. ثالثها: إن الأمة المغربية لم ترض يوما بالذل والهوان، ولم تسمح بالنيل من كرامة مواطنيها وسيادة بلدها مهما كلف ذلك من الأثمان، ومنها وحدة الكلمة وتوحيد الصف خلف إمارة المؤمنين، والالتفاف حول العرش العلوي المجيد والنصح له في جميع الأحوال. رابعها: الاقتناع الراسخ بعدالة قضيتهم وإيمانهم بأحقيتهم فيما ناضلوا من أجله. عباد الله؛ لهذه الأسباب وغيرها من الأسباب المشروعة، نال المغرب استقلاله، واستأنف مسيرته في البناء والتنمية وتحديث مؤسساته، وأخذ مكانته اللائقة به بين الأمم والشعوب. نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على عبده ونبيه وصفيه من خلقه، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه في سره وجهره. عباد الله؛ ثالث العبر والدروس المستفادة من ذكرى “عيد الاستقلال المجيد” هو ما لخصه مولانا أمير المؤمنين محمد الخامس، أكرم الله مثواه، في جملة واحدة، متأسيا في الاستشهاد بها بجده المصطفى ﷺ إذ يقول: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”. نعم، إخوة الإيمان؛ الجهاد الأكبر هو بناء المغرب الحديث، بالاستفادة من كل ما هو صالح ومفيد من النظم الحديثة والتغيرات الدولية في كل المجالات، مع المحافظة على الهوية المغربية وخصوصيتها في تشبثها بثوابتها الدينية والوطنية، ونظامها المبني على إمارة المؤمنين الحامية للملة والدين على أساس البيعة الشرعية. وما يزال هذا الجهاد يستثمر الجهاد في بناء الدولة الحديثة دولة الحق والقانون المؤسسة على المرجعية الإسلامية في قوانينها ونظمها، وفي استكمال وحدتنا الترابية. وها هو مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأعز أمره، يواصل الجهاد الأكبر واصلا الليل بالنهار، باذلا كل الوسع في تحقيق التنمية الشاملة لوطنه وشعبه؛ في جميع المجالات والميادين؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واضعا الإنسان المغربي على رأس أولوياته، تعليما وصحة وحمايةً إنسانيةً وتوفير كل ما يمكن توفيره لإسعاده والرقي به بين الشعوب والأمم. وما الإنجاز الدبلوماسي المعلن عنه يوم الواحد والثلاثين من أكتوبر عنا ببعيد، فقد توج هذه الجهود المباركة، بفضل الله تعالى، ثم بفضل السياسة الرشيدة والتوجيهات الحكيمة لمولانا أمير المؤمنين حفظه الله بما حفظ به الذكر الحكيم، وجزاه عن المغرب والمغاربة خير الجزاء، ومتعه بمزيد الصحة والعافية حتى يحقق كل ما يصبو إليه من رقي وازدهار لفائدة بلده وشعبه. هذا، وأكثروا من الصلاة والسلام على ملاذ الورى في الموقف العظيم، سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على هادي الأمة، وكاشف الغمة، والرحمة المهداة، والنعمة المسداة، سيدنا محمد صلاة وسلاما تامين إلى يوم الدين. وارض اللهم عن آل بيته الطاهرين، وعن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين، خصوصا منهم المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وعنا معهم بجودك وفضلك يا رب العالمين. وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من اصطفيته لوراثة جده المصطفى ﷺ، واخترته لقيادة الأمة بالحكمة والتبصر الرصين، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، واحفظه اللهم بحفظ كتابك، واكلأه بعينك التي لا تنام، واحرسه في جنبك الذي لا يضام، موفور الصحة في تمام العافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب. وارحم اللهم أبطال التحرير والاستقلال، وبناة مجد هذه المملكة الشريفة بكل تفان وإخلاص، وفي مقدمتهم الملكين الجليلين: مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم اجزهما عنا خير ما جزيت محسنا عن إحسانه، وأكرمهما في مقعد صدق عندك، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، واجعلنا من الشاكرين لنعمائك، المقرين بعظيم فضلك وجليل آلائك، واجعل بلدنا هذا بلدا آمنا سخاء رخاء، وسائر بلاد
وجوب مراعاة حرمات الله في جميع خلقه»“ موضوع “الخطبة الموحدة” غدا الجمعة”

خطبة الجمعة : بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه خطبة ليوم 24 ربيع الآخر 1447هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2025م «وجوب مراعاة حرمات الله في جميع خلقه» اَلْخُطْبَةُ الْأُولَى الحمد لله الذي خلق الخلق وكرمه، وأعطاه ما يحمي حماه وعظمه، نحمده سبحانه وتعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ويكافئ نعمه وجليل امتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله وسلم عليه في الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين المكرمين، وعلى صحابته الغر الميامين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد – معاشر المؤمنين والمؤمنات -؛ فيقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُّعَظِّمْ حُرُمَٰتِ اِ۬للَّهِ فَهُوَ خَيْرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ﴾([1]). عباد الله؛ إن لله تعالى في خلقه حرماتٍ وحدودا يجب احترامها وتعظيمها؛ وتلك هي محارمه وحماه التي نهى عن انتهاكها، وأوجب على الناس أن يقدروها حق قدرها؛ فمن تجاوزها ظلم نفسه، ومن راعاها فاز برضاه وأنسه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اَلْـحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْـحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَمَنِ اِتَّقَى الْـمُشَبَّهَاتِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْـحِمَى؛ يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ؛ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْـجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْـجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْـجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ([2]). فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي يعتبر ربع الإسلام؛ لما اشتمل عليه من كل ما يمكن أن يصدر عن الإنسان من سائر التصرفات المنقسمة إلى ثلاثة أقسام: الحلالَ والحرامَ والمتشابهاتِ، وبين أن حدود الله وحرماته هي محارمه وحماه، وربط الالتزام باحترام ذلك كله بالقلب، صلاحا وفسادا؛ فصلاح قلب المؤمن، أصل لكــل صلاح، ومنارة لكل فلاح، وبصلاحه تصان الحرمات، وتحفـظ المقامات؛ وهذا مما يدل على وجوب العناية بالبواطن قبل الظواهر، ومجاهدة النفس قبل ملامة الآخرين، وتصحيح النيات بابتغاء وجه الله في كل تصرف من حركة أو سكون. وحرمات الله تعالى متعددة؛ فله تعالى حقوق في أن يعبد فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويحمد فلا يكفر، ويشكر فلا ينكر؛ كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِےٓ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِے وَلَا تَكْفُرُونِ﴾([3]). ومن حرماته تعالى: ما حرم الاعتداء عليه من الأزمنة والأمكنة؛ مثل الحرمين الشريفين ومواقيتهما، وحرمة المساجد التي هي بيوته، ومثل الأشهر الحرم والعيدين والأيام المنصوص على فضلها وتعظيمها؛ وفي ذلك وما في معناه ورد قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُّعَظِّمْ حُرُمَٰتِ اِ۬للَّهِ فَهُوَ خَيْرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ﴾([4]). وقوله جل شأنه: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُّعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ اَ۬للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَي اَ۬لْقُلُوبِ﴾([5]). وهذا وإن ورد في سياق الحديث عن مناسك الحج وشعائره، فإن معناه يسري في سائر الشعائر والحرمات؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ اَ۬لشُّهُورِ عِندَ اَ۬للَّهِ اِ۪ثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِے كِتَٰبِ اِ۬للَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ اَ۬لدِّينُ ا۬لْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾([6])؛ ذكر بعض المفسرين أن النهي عن الظلم في الآية يعود على الأشهر الأربعة الحرم؛ لمزيد تعظيمها واحترام شأنها، وتغليظ جـرم الذنـوب فيها، وذهب آخرون إلى أنه عائد على الشهور كلها؛ لأن تحريم الظلم مستمر في سائر الأيام والأحوال؛ ومعنى ظلم النفـس في الأشهر الحـرم ارتكاب المخالفات فيها. عباد الله؛ إن الغاية من تحريم بعض الأمكنة والأزمنة وتعظيم شأنها هي: التدرب على احترام الناس، وعدم الاعتداء عليهم وعلى ما لهم من الحرمات. نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله حق حمده، أهـل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد – أيها المؤمنون والمؤمنات -؛ فإن من أعظم مظاهر تعظيم حرمات الله تعالى: مراعاةَ حرمات عباده؛ ومن أجل ذلك فرض الفرائض، وحد الحدود، وحرم المحارم؛ كل ذلك من أجل أن يحترم الناس بعضهم بعضا، في الأنفس والأعراض والأموال؛ فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، ولا صومه عن الغيبة وقول الزور، ولا زكاته عن البخل والشح، ولا حجه عن الجدال والرفث والفسوق، فإنما يمارس أعمالا لا روح فيها، ولا أثر لها في حياته، فاستوى لديه الفعل والترك؛ والنصوص في هذا المعنى كثيرة، نذكر منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اَ۬لصَّلَوٰةَ تَنْه۪ى عَنِ اِ۬لْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾([7]). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»([8]). وغيرها كثير. فاتقوا الله – عباد الله -، وراعوا جميع حرمات الله تعالى في حقه وحق عباده، وحق البيئة التي سخرها للأنام، وأكثروا من الصلاة والسلام على شفيع الورى يوم المحشر؛ فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد، صلاة كاملة تناسب عطاءك وفضلك، وتناسب مقامه عندك، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن آل بيته الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، وعن التابعين لهم في كل عصر ومصر إلى يوم الدين. وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الدين وترفع به راية الإسلام والمسلمين، اللهم بارك له في الصحة والعافية، واحفظه بما حفظت به الذكر الحكيم، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب. اللهم تغمد بواسع رحمتك وعظيم جودك الملكيْن الجليليْن؛ مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار. اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا، اللهم وفقنا لحفظ العهود، وصيانة الحدود، ومراعاة الحرمات، في حق كل ذي حق من الكائنات، اتباعا لآياتك، واستنزالا لرحماتك، واستدامة لخيراتك، إنك ولي الفضل وأهله، تعطي من غير مسألة، وتعفو عند المظلمة. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين.
التوفيق يحظر على الأئمة الاستعانة بالسياسيين ويقول إن لديهم وسائل التواصل الخاصة بهم.

أعرب أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، عن استيائه من اتجاه الأئمة وخطباء المساجد إلى السياسيين لتقديم شكاواهم. وأشار التوفيق، خلال مناقشة الميزانية الفرعية للوزارة في لجنة الخارجية والدفاع الوطني والمغاربة المقيمين بالخارج بمجلس المستشارين، إلى أن الأئمة لديهم العديد من الوسائل للتعبير عن تظلماتهم، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ووجود مندوبين لهم. كما يمكنهم تقديم شكاوى إلى المجلس العلمي الأعلى. وقال التوفيق: “لا أريد أن تمر تظلمات الأئمة عبر قنوات سياسية”، موضحًا أن هذا الأمر ليس مناسبًا لأن “اليوم معك وغدًا مع سياسي آخر”. وأضاف وزير الأوقاف أن من أهم ما ينص عليه الظهير الذي ينظم عملهم هو حيادهم، حيث أنهم يمثلون الأمة، بينما السياسيون يعملون على مستوى المجتمع. وأكد أن ثوابت الأمة تتطلب منا جميعًا التوجه إلى المسجد للاستماع إلى خطبة الجمعة والاستفادة منها، بغض النظر عن مرجعياتنا الحزبية.
