عبد الله الفاسي يكتب: تركيا والكيان المحتلّ.. قطيعة متأخر لكنها حاسمة ومبشّرة

مقاطعة

منذ سنوات ليست بالقصيرة، كانت العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني محلّ جدل واسع، بين مدّ وجزر، وبين ضغوط داخلية شعبية متواصلة، وحسابات سياسية واقتصادية معقّدة. غير أنّ مسار الأحداث الأخيرة كشف أنّ قرار القطع النهائي لم يكن سوى مسألة وقت، وأنّ ارتقابه كان واقعا في صميم الرؤية التركية. منذ نوفمبر 2023: إشارات القطيعة الأولى؛ استدعاء السفير وقطع الاتصال مع نتنياهو مع اندلاع العدوان الشامل على غزّة، استدعت تركيا سفيرها من تل أبيب في نوفمبر 2023، وأعلن الرئيس أردوغان أنّه قطع الاتصال مع نتنياهو. كان ذلك أوّل مؤشر عملي على تحوّل جذري في العلاقة، وإن ظلّ دون إعلان القطيعة الشاملة. ابريل 2024: بداية القيود الاقتصادية؛ وقف صادرات المواد الحيوية للكيان في أبريل 2024، بدأت أنقرة فرض قيود صارمة على بعض الصادرات، خاصة مواد البناء والصلب والوقود الجوي. كان ذلك تعبيرا أوّليا عن أنّ البعد الاقتصادي لم يعد محايدا، وأنّ الكيان أصبح طرفا لا يمكن التعامل معه بمنطق التجارة البحتة. مايو 2024: التعليق الكامل للتجارة؛ قرار رسمي بوقف جميع الصادرات والواردات ما لبثت الخطوة أن تحوّلت إلى قرار شامل، إذ أعلنت وزارة التجارة التركية في 3 مايو 2024 تعليق جميع الصادرات والواردات مع إسرائيل. وهنا بات واضحا أنّ العلاقات التجارية التي طالما انتقدتها الشعوب الإسلامية والعربية، لم تعد قائمة. نوفمبر 2024: إعلان القطيعة السياسية الشاملة؛ تصريح أردوغان بقطع كل العلاقات في نوفمبر من العام نفسه، صرّح أردوغان بوضوح أنّ تركيا “قطعت جميع علاقاتها مع إسرائيل”، وهو تصريح ذو بعد سياسي ودبلوماسي هذه المرّة، إذ لم يعد الأمر تجاريا أو جزئيا، بل شاملا على مستوى العلاقة بين الدولتين. غشت 2025: إغلاق الأجواء وحسم الموقف؛ إعلان فيدان عن إنهاء العلاقات نهائيا وأخيرا، جاء الإعلان الصريح في 29 غشت 2025، حين أكد وزير الخارجية التركي إغلاق المجال الجوي أمام الطيران الإسرائيلي، مقرونا بقطع العلاقات الاقتصادية نهائيا، وربطه مباشرة بجرائم الاحتلال في غزة، وتوسّع اعتداءاته إلى الضفة والقدس وسوريا ولبنان وإيران. كان ذلك ذروة مسار متدرّج انتهى إلى قطيعة كاملة. القرار كان مرتقبا ومرجوّا؛ رغم ما يقال عن تأخّره هذا القرار كان مرتقبا ومرجوّا من قبل الشعوب، وقد طال انتظاره. لكنّه ـــ مهما قيل عن تأخّره ـــ يظل إيجابيا ومفصليا. فالسياسة لا تُدار بالعواطف وحدها، وتركيا في النهاية اتخذت موقفا صلبا، يضيف وزنا للقضية الفلسطينية وللجبهة الرافضة للتطبيع. المطلوب اليوم: مقاطعة جماعية عربية وإسلامية؛ ضغط إضافي على الكيان وحفظ ما تبقى من ماء الوجه لا ينبغي أن ينحصر النقاش في محاكمة تركيا على بطء خطواتها، بل الأجدر أن يكون النقاش موجَّها لشحذ همم الدول الأخرى المطبّعة، التي ما زالت تلهث وراء أوهام التعاون مع الكيان، لتلتحق بخطوة المقاطعة. فإن كان في قرارات أنقرة شيء من حفظ ماء الوجه، ففي تبعيتها ما قد يشكّل ضغطا حقيقيا على الاحتلال. الكيان يستهدف المنطقة كلّها؛ تركيا فهمت أن الاحتلال لا يقف عند حدود فلسطين سواء كان الدافع المباشر لهذا القرار هو مأساة غزة أو اعتداءات الاحتلال في سوريا ولبنان، أو تهديده لإيران وتركيا نفسها، فإنّ النتيجة واحدة: الكيان لم يعد خصما محليا في فلسطين فحسب، بل مشروع توسّع وهيمنة على المنطقة بأسرها. وتركيا أدركت أنّ ما صرّح به قادة إسرائيل مرارا حول “الحدود من النيل إلى الفرات” ليس وهما دعائيا، بل مشروع توسّعي لا يستثنيها هي نفسها. القطيعة قد تعجّل بالفرج؛ الكيان في سباق مع الزمن بين مشروعه أو اندثاره الأرجح أن هذا القرار سيدفع الكيان إلى مزيد من التطرّف والعجلة في سياساته، وربما ارتكاب مزيد من المجازر. وهذا ـــ على بشاعته ـــ قد يكون مقدمة لتعجيل انكشافه، وسقوطه الحضاري. فالكيان اليوم في سباق مع الزمن: إمّا أن ينجح في فرض مشروع “الدولة الكبرى”، وإمّا أن ينهار في دورة تاريخية جديدة، بعدما استُنزفت طاقاته الأخلاقية والسياسية أمام العالم. الخاتمة: ليست ساعة المحاسبة بل ساعة الاصطفاف إنّ قرار تركيا قطع علاقاتها مع الكيان المحتلّ ـــ سياسيا واقتصاديا وأمنيا ـــ ليس مجرّد إجراء دبلوماسي، بل تحوّل استراتيجي يعكس فهما عميقا لطبيعة المشروع الصهيوني وخطورته على المنطقة بأسرها. وهو قرار يفتح الباب أمام موجة من المقاطعة قد تعيد التوازن للمعادلة، إذا ما التقطت الدول الأخرى لحظة التاريخ، وتجاوزت حسابات اللحظة الضيقة. إنّ الوقت ليس وقت تجريح أو تبخيس، بل وقت اصطفاف وإرادة؛ وقت أن تنحاز الدول الإسلامية والعربية، كلّها، إلى ضميرها وهويتها. فالكيان اليوم لم يعد خطرا على فلسطين وحدها، بل على الجميع. ومهما كانت دوافع أنقرة، فإنّ خطوتها تمثّل نداءً صريحا: إنّ ساعة الحسم تقترب، وما على الأمّة إلا أن تتأهّب لها. الاحتلال الإسرائيليالتطبيعالقضية الفلسطينيةطوفان الأقصى 29 أغسطس، 2025

عبد الله الفاسي يكتب: سموتريتش في دور نتنياهو و ترامب يحيي خطّة بلير/كوشنر..مشهدان متزامنان والضحية فلسطين

thumbs b c 795cb75b577e1e92dbba7d309d2c52ce

لا يحتاج الاحتلال الصهيوني إلى كثير من التجميل لإخفاء وجهه الاستعماري؛ فهو يعلن التّمادي في مشروعه الاحتلالي بصفاقة في كل منعطف. في تل أبيب، ظهر وزير حزب بوَزن صغير في الكنيست، اسمه بتسلئيل سموتريتش، ليؤدي مشهدًا تمثيليًا أكبر بكثير من حجمه: منصة بشعار الدولة، وعلمان خلفه، وخريطة كبيرة مضاءة على الشاشة. ثم أعلن بكل ثقة ما سمّاه “خطة الانتصار”. في عرض لم يكن سوى نسخة حديثة من “الحلم الصهيوني”: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. الخطة في جوهرها ثلاث تصفيات: تصفية جسدية بالرصاص والقصف والتدمير الممنهج. تصفية بطيئة عبر الحصار والتجويع وقطع أسباب الحياة (الغداء والماء والدّواء والكهرباء…..). تصفية سياسية واقتصادية قوامها “التهجير الطوعي” وضمّ ما تبقّى من أراضي فلسطين. إنه ببساطة مشروع إبادة مع سبق الإصرار. وبدلاً من أن يُقدّم كـ “رؤية يمينية متطرفة”، يُسوَّق على أنه “خطة دولة”، وكأن الترحيل القسري والتقتيل سياسة طبيعية لدولة “ديمقراطية”. لكن المثير للسخرية أنّ سموتريتش، رغم ضآلة حزبه، يلبس عباءة “رئيس حكومة ظل”. في تقليد كاريكاتوري لنتنياهو، غير أنّ الفرق أن نتنياهو يجيد الكذب السياسي بلغة محسوبة، أما سموتريتش فيعلنها فجة: نحن هنا لنقتل ونطرد ونضمّ. وهنا تكمن خطورة اللحظة: ليس لأن “الخطة” جديدة، بل لأنها تُعرض بوقاحة وبغطاء رسمي، بينما العالم يلوذ بالصمت. وفي الطرف الآخر من الأطلسي، يتكرّر المشهد بأزياء أخرى. في البيت الأبيض، جلس دونالد ترامب إلى طاولة مستديرة، لا مع الفلسطينيين، ولا مع العرب، ولا مع الأمم المتحدة، بل مع اثنين من عرّابي الاستعمار الحديث: جاريد كوشنر، صهره ومهندس “صفقة القرن”، وتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي ما زال يقدّم خدماته كمستشار دائم لمشاريع الهيمنة الاستعمارية. وكان عنوان الاجتماع: “ما بعد حماس” أي أنّ مصير فلسطين يُقرَّر في غياب الفلسطينيين، ومستقبل المنطقة يُرسم بيد ثلاثة رجال لا يمثلون إلا المصالح الأميركية والإسرائيلية. هل من دليل أوضح على أن ما يُسمّى “صفقة” أو “سلام” ليس سوى غطاء لمشروع استعماري؟ هذا المشهد ليس استثناءً، بل استمرار لنهج متجذّر: من سايكس-بيكو إلى وعد بلفور، ومن “السلام مقابل الأرض” إلى “الأمن مقابل الاستسلام”. كلّها وصفات استعمارية تُعاد كتابتها بأقلام جديدة لكن بالحبر ذاته. لكن أين العرب والمسلمون؟ هنا تأتي الفضيحة الأكبر. فبينما يخطّط سموتريتش للقتل، وترامب وكوشنر وبلير لتقسيم المنطقة، تجلس الأنظمة العربية والإسلامية متفرّجة، والبعض منها يكتفي ببيانات مكرورة عن “حلّ الدولتين”، كأنها أسطوانة مشروخة لا يصدّقها حتى من يردّدها. والأدهى أنّ آخر صوت ظلّ يصرخ بدعم الدم الفلسطيني علنًا، خرج من صنعاء، ولهذا تحديدًا كان لا بدّ من تكثيف القصف على العاصمة اليمنية. المطلوب هو إسكات كلّ صوت يذكّر بأن هناك قضية، وأن هناك احتلالاً، وأن هناك دمًا يُسفك ظلماً. السؤال الجوهري: ماذا ينقص هذه الدول لتثور نخوتها – إن كانت لها نخوة أصلاً؟ أهو المال الذي يُشترى به القرار السياسي؟ أهو الخوف من غضب واشنطن؟ أهو العجز الحقيقي أم التواطؤ المفضوح؟ لقد أثبت التاريخ أن المستعمر لا يفهم إلا لغة واحدة: الجهاد في سبيل الله. ليست كلمةً رومانسية ولا شعارًا، بل حقيقة تاريخية: من بدر إلى عين جالوت، ومن القادسية إلى الكرامة، لم تنتصر الشعوب المقهورة على الجبابرة إلا بالجهاد. فهل من المعقول أن يظنّ أحد أن الاحتلال سيخرج بالرجاء أو بالبيانات الصحفية؟ إنّ ما نعيشه اليوم ليس سوى مسرحية مكشوفة: وزير صغير يتظاهر بأنه رئيس، ورئيس أميركي سابق/جديد يعيد تدوير صفقة القرن مع عرّابَيْن استعمارِيَّيْن، وعالم عربي يغطّ في صمت عميق. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب الفلسطيني وحده في الميدان، يكتب بدمه ملحمةً تتجاوز الخطب والمؤتمرات، وتفضح زيف العالم. 28 أغسطس، 2025

عبد الله الفاسي يكتب. وزارة العدل تسوّق الخلاف الدّاخلي نجاحا دوليا

مستجدات مدونة الأسرة المغربية

أدهشني أن أقرأ في بعض المنابر أنّ وزارة العدل قدّمت “التجربة المغربية في إصلاح مدونة الأسرة” إلى منظمة الإسكوا ببيروت على أنها نموذج رائد، وأنها سوّقت الاعتراف ب: “العمل المنزلي” غير المؤدى عنه كأنه لحظة إنصاف تاريخية و”تحوّل نوعي” يضع المغرب في طليعة الدول المكرِّسة للمساواة. والحقيقة أن هذا الخبر ليس سوى تسويق للوهم. فالموضوع لم يُحسم بعد، ولا يوجد حوله إجماع وطني، بل لا يزال مثار جدال واسع واعتراض صريح من أطراف معتبرة داخل المجتمع المغربي. ومع ذلك تُصرّ الوزارة على القفز على الحقائق وتسويق ما لم يتحقق، وكأن المغرب حسم خياراته وأغلق النقاش. وهذه ليست أول مرة تلجأ فيها وزارة العدل إلى مثل هذه المناورات: فقد عقدت ندوات داخلية متكررة لمحاولة تمرير هذا الخيار، ولم تجد طريقاً إلى إقناع الرأي العام. وحين فشلت في الداخل، حملت الملف إلى الخارج لتعرضه كمنجز مكتمل، في محاولة للضغط على الداخل وتليين المواقف المعارضة. وهذا أسلوب غير مقبول، لأنه يُفقد النقاش مصداقيته ويحوّل الإصلاح إلى صفقة سياسية مع المنتديات الدولية بدل كونه قراراً وطنياً نابعاً من المجتمع المغربي. الأخطر من ذلك أن هذا “التسويق الخارجي” يسيء إلى صورة المغرب أكثر مما يخدمها: كيف نُقدَّم للعالم ما نختلف عليه في الداخل؟ وكيف نُعلن إنجازاً لم ينجز بعد؟ وهل الإصلاحات الكبرى تُبنى بالدعاية أم بالتوافق؟ ثم إنّ إقحام موضوع “العمل المنزلي غير المؤدى عنه” في مراجعة المدونة بهذه الطريقة لا يخلو من خلفيات أيديولوجية، لأنه يُختزل الإصلاح الأسري في بند خلافي ضيق، بينما التحدي الحقيقي هو إصلاح شامل يضمن العدل والإنصاف ويحمي الأسرة من التمزق. إنّ اختزال ورش كبير بهذا الحجم في فكرة مثيرة للجدل هو ضرب من التلاعب لا الإصلاح. لقد قدّم الفقه الإسلامي والمالكي خاصّة منذ قرون اجتهادات رائدة تثبت أن المرجعية المغربية غنية وكافية لتأصيل العدل والإنصاف. لكن الوزارة – بدل أن تبني في هذا الإطار – تلجأ إلى تلميع صورة “القرارات الجريئة” في المنتديات الأممية لتستدِرّ التصفيق الخارجي، وكأن تصفيق الآخرين أهم من قناعة المغاربة أنفسهم. إنّ هذا الأسلوب يسيء إلى مسار إصلاح مدونة الأسرة ويزرع الشك بين المواطنين، لأنه يكشف عن نية فرض أمر واقع عبر الضغط الدولي، بدل الحوار الوطني. و”رسالة الإصلاح” تؤكد أن من حق المجتمع أن يرفض هذه المناورات، وأن يطالب بأن يكون النقاش وطنياً خالصاً، شفافاً، بلا رتوش ولا تضليل. ومن هنا فإن الواجب اليوم على كل الغيورين – من علماء ومفكرين وفاعلين مدنيين وسياسيين – أن يقفوا وقفة صريحة ضد هذه الأساليب الملتوية، وأن يفضحوا كل محاولة لتمرير قضايا خلافية عبر البوابة الدولية. فالإصلاح الحقيقي لا يمر من قاعات الأمم المتحدة ولا من تصفيق الحاضرين في بيروت، بل من اقتناع الشعب المغربي وتوافقه على خيارات تحمي أسرته وتنسجم مع هويته ومرجعيته. فالإصلاح لا يُستورد ولا يُسوَّق في الخارج؛ الإصلاح الحقيقي يُصنع هنا… بتوافق المغاربة ومن أجل الأسرة المغربية. الأسرةحركة التوحيد والإصلاح مدونة الأسرةوزارة العدل 26 أغسطس، 2025