الدكتور أوس رمال يكتب: رسالة الإصلاح.. بين إسداء النّصح وقصد التّشهير

الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوة، وأمرهم بالتّواصي بالحقّ والصّبر، ونهى عن الغيبة والتشهير وفضح العورات، والصلاة والسلام على النبيّ المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، والقائل صلّى الله عليه وسلّم: “الدين النصيحة” رواه مسلم وبعد؛ فإنّ منزلة النّصيحة في ديننا منزلة رفيعة، بها يثبت الإيمان، ويستقيم المجتمع، وتُصان القلوب من الغشّ والدّغل. غير أنّ النّصيحة؛ كغيرها من العبادات؛ لها آدابها وضوابطها. فإن التُزمت أثمرت خيراً، وإن أُهملت تحوّلت إلى فضيحة أو تشهير. لقد رسم القرآن الكريم منهج النصيحة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ومن الحكمة أن ينصح العبدُ أخاه بما يُصلحه بعيداً عن أعين النّاس، لأنّ المقصود إصلاح القلب لا جرح الكرامة. وممّا يُنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله قوله: “مَن وعظ أخاه سِرّاً فقد نصحه وزانه، ومَن وعظه علانية فقد فضحه وشانه”. فالنّصيحة في السرّ سترٌ ورحمة، بينما هي في العلَن فضيحةٌ لا تزيد المنصوح إلا نفوراً وحرجاً. ولبعض الحكماء: “النصيحة على أعين الناس تقريع، أمّا في الخفاء فهي تلطّفٌ ورحمة“. وفي السّنة ما يؤكّد ذلك؛ فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد تنبيه أصحابه على خطأ، قال: “ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا” فيُشير دون تسمية، ستراً وحفظاً لهيبة المؤمن. وهذا أبلغ في التّربية وأقرب إلى القبول. أما ما شاع في عصرنا من توجيه “النّصائح” على منصّات التّواصل، في صفحات مفتوحة وجماهيرية، فلا علاقة له بمنهج الإسلام، بل هو في حقيقته لونٌ من التشهير والفضح. إذ أيّ فرق بين أن يُعاتَب المؤمن في سوقٍ عامّ أو أن يُعاتب في فضاء رقمي يشهده الآلاف؟! بل إنّ أثر التشهير الإلكتروني أعظم، إذ يبقى منشوراً متداولاً، وقد يظلّ وصمةً في حياة المرء لا تزول. ويبلغ الخطر مداه إذا بُني هذا “التشهير” المزعوم على أخبارٍ لم تثبت، أو على ظنونٍ وأقاويل لا أساس لها. فحينئذ لا يكون مجرّد فضيحة، بل يتحوّل إلى بهتان عظيم. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: “كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُهُ ومالُهُ وعرضُهُ” رواه مسلم. فانظروا ـ رحمكم الله ـ كيف صار بعض النّاس يرفع شعار “النصيحة” ليُخفي تحته غرض التشهير، بل وربما الكذب والافتراء. وهذا من أعظم أبواب الظلم، إذ يجمع بين خيانة النصيحة وإيذاء المسلم وانتهاك عرضه. إنّ واجبنا اليوم أن نُعيد الاعتبار لأدب النصيحة الشرعية: أن تكون خالصة لله، لا تشفياً ولا طلبَ سُمعة، أن تكون في السرّ والرفق، لا في العلن والقسوة، أن تكون قائمة على العلم واليقين، لا على الظنون والشائعات، أن يكون مقصدها الإصلاح والتزكية، لا الإحراج والتشويه. فليحذر كلّ واحد منّا أن تتحوّل “النصيحة” على لسانه أو قلمه أو صفحته إلى معول هدمٍ وجرحٍ لمشاعر إخوانه، أو أن تكون قائمة على باطل وبهتان. ولْنتذكّر جميعاً أن ستر العيوب أقرب للتقوى، وأدعى لقبول الكلمة الطيبة. ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. والحمد لله ربّ العالمين. أوس رمال حركة التوحيد والإصلاح 24 أغسطس، 2025
الباحث إدريس الصغيوار يكتب: المقاومة الفلسطينية تخوض حربا للدفاع عن الامة لا عن غزة وحدها

من السطحية المعيبة في التحليل أن يقال إن المقاومة في غزة هي من أثار حفيظة إسراىيل ومعها الغرب لتعطيها ذريعة الدخول الى غزة وارتكاب الإبادة الجماعية فيها ، فالعالم يعلم أن غزة محاصرة منذ عشرين سنة ، وأنها كانت ولا تزال أكبر معتقل في العالم فيه اكثر من مليوني إنسان ، وأن معظم من فيها هُجِّروا قسرا من دورهم في عسقلان ومناطق طوق غزة، وأقاموا بها مخيمات . والعالم يعلم أن القتل في غزة لم يتوقف يوما ، واستباحة جوها وبرها وبحرها من قبل إسرائيل وقتل الابرياء روتين يومي لم يتوقف ابدا ، كما لم يتوقف الاستيطان في طوقها، وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة وتهجير اهلها من مساكنهم وكان اخرها حي الشيخ جراح الذي شكل شرارة هذه الحرب. ناهيك عن ان الهجوم على غزة واستباحة ارضها وتهجير اهلها كانت ولا تزال خطة عسكرية اسرائيلية جاهزة للتنفيذ ، اقرت بذلك زوجة رئيس الأركان الاسرائيلي شهادة عن زوجها ، كما يقر بذلك نتنياهو اليوم وهو يتحدث عن إسرائيل الكبرى لا تشمل غزة والضفة فقط بل تمتد إلى اراضي دول عربية كاملة منها مصر والاردن ولبنان بل ودمشق ايضا باعتبارها جزء من القدس في العقيدة التوراتية . ..فهل هذه الدول مثلا شاركت في هجوم 7 أكتوبر . هجوم 7 أكتوبر كما صرح بذلك قبل أيام عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية، ليس الا حقا طبيعيا للدفاع عن النفس امام دولة محتلة مارقة تسعى كل يوم الى التوسع بلا توقف هدفها الاخير المعلن هو احتلال دول عربية بأكملها لا غزة والضفة وحدها. اما من الناحية الشرعية فلا أحد من العلماء يخالف في أن جهاد الدفع لا يشترط له عدة ولا عدد ولا إذن ولا مدد، فإذا دخل العدو أرضا وجب قتاله كل بما يستطيع كما حدث في مقاومة المستعمر في القرن الماضي برغم ما وقع من القتل في صفوف المدنيين والمقاومة بالالاف . والآن وبعد نحو عامين من القتال، لم تستطع إسرائيل السيطرة على غزة برغم دخولها عسكريا ، ولم تستطع حسم المعارك وإعلان النصر ، ولا حتى إعلان تحقيق الأهداف التي لأجلها خاضت القتال وعلى رأسها : القضاء عى المقاومة. أما قتل المدنيين ، وهدم البنية التحتية ، والتجويع ، والترويع ، وهلم جرا من أشكال الإبادة الجماعية فلا يعد من الناحية العسكرية نصرا ، بل هو تعبير عن غضب الهزيمة والعجز عن تحقيق اي هدف عسكري. لقد دفعت إسراىيل على مدى عامين أثمانا باهضة لم يسبق لها دفعها في اي حرب خاضتها مع جيوش دول مكتملة، وأصاب جيشها من الأسر اولا في 7 اكتوبر ، ما البسها فضيحة (بجلاجل)، ومن القتل بعد ذلك ما حطم اسطورة جيشها حتى صدق عليها قول الشاعر الجاهلي: لقد بلغ الزوار أقفية العدا — ما جاوز الآمال مالاسر والقتل . اي من الاسر والقتل . ويعيش جيشها الان بجنرلاته وضباطه وعساكره حالة يأس وإحباط ورعب يهزمه داخليا حتى قبل خوض المعركة بل يهزمه بعدها ايضا وهذا من أعجب ما عرفته حرب غزة ، فالمنتحرون في صفوف الجيش بعد الرجوع من المعارك يحصون بالعشرات وكأنهم من الرعب يفضلون الموت على الرجوع إلى المعارك . ناهيك عن الهزاىم الاستراتيجية اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وأخلاقيا ، فإسرائيل قبل 7أكتوبر ليست هي بعده، إذ اصبحت جحيما بالنسبة لشعب إسرائيل لا يطاق ، لذلك نشطت الهجرة المعاكسة بشكل غير مسبوق حتى نشطت الهجرة السرية بالزوارق باتجاه أوروبا فرارا بالنفس من جحيم محتمل يعم اسرائيل . سياق الحرب في غزة على هذا يخدم ليس غزة وحدها بل دولا عربية ربما يأتي عليها الدور بعد غزة مما يعلن ذلك نتنياهو بكل جرأة ، ما يعني ان المقاومة في غزة تدافع عن تلك الدول وعن المسلمين وتحطم أحلام الصهاينة باحتلال أجزاء من العالمي الاسلامي ومن تم التحكم في البقية ، وهو ما يوجب دعم المقاومة باعتبارها صمام امان وخط الدفاع الاول عن الأمة بأكملها ، دعما بكل ما يلزم لهزيمة إسرائيل في هذه المعركة الفاصلة.
د. إدريس أوهنا يكتب: أصل البلاء

لنكن صرحاء ونصدع بكلمة الحق دون مواربة، إن “أصل البلاء” و”منبع الوباء” في عالمنا العربي هو: “الأنظمة العربية”.. هم “حكام” الذل والعمالة. من سيء قبل ثورات الربيع العربي إلى أسوء بعدها !! ولا غرو فقد أنبأنا من لا ينطق عن الهوى عن أول عروة تنقض من عرى الإسلام وهي “الحكم”، قال عليه الصلاة والسلام: “لتُنْقَضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً ، فَكلَّما انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ الناسُ بِالَّتِي تَلِيها ، فأولُهُنّ نَقْضًا الحُكْمُ، وآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ”. “أنظمة الذل والعار” انتقلت في تاريخ الصراع العربي (الإسرائيلي) من إدانة الاحتلال الصهيوني في البداية، إلى المناداة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وكأن الأمر لا يعنيها في شيء، إلى التطبيع مع المحتل وإسناده في حرب الإبادة والقضاء على المقاومة !! حكام رضعوا ألبان الصهينة والأمركة، وصاروا وكلاء أمناء لبني صهيون في المنطقة. لا يضيرهم أن يحتل الصهاينة يوما أرضهم، ويسلبوهم ما بقي من خيرات دولهم.. المهم أن يقضى على المتمسكين ب “الإسلام الحق” في أوطانهم، مقاومين كانوا أو سياسيين، أو علماء ودعاة، أو مواطنين عاديين، تارة باسم “الإخوان” وتارة باسم “الإرهاب” وتارة باسم “المخربين” وغيرها من الأسامي. ومن شدة مكرهم وضعوا للناس بدائل كأنها هو: “إسلام سكوني روحاني جامد”، وآخر “رسمي متزلف متملق سامد”. الأول نأى عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومدافعة الباطل، وعاش في سكراته الروحانية لا يبالي بمن طار ولا بمن وقع !! متنكرا لتاريخ الصوفية الأقحاح، أهل الصفا والكفاح. والثاني لا يجيز نقد الحاكم مهما ظلم أو عصى، أو خان أو غوى، ضاربا بعرض الحائط قول النبي ﷺ:( أعظم الجهاد عند الله كلمة حق تُقال عند سلطان جائر). فالتحق بركب الحكام الفاسدين، العقبة الأولى في طريق الكرامة والتحرير، أكثر العلماء، إما خوفا وإما طمعا وإما جمعا بينهما، ولم يعد يتكلم بكلمة الحق من علماء الشريعة إلا القليل القليل !! وأمام هذه الحقيقة المرة، تكون مقولة: “كما يولى عليكم تكونون” أقوى من مقولة: “كما تكونوا يولى عليكم”، وإن كان بينهما نوع اتصال؛ إذ بفساد الحكم والسياسة، تفسد أحوال الأمة، ويعسر علاج أدوائها، وإصلاح عيوبها وأعطابها !! فاللهم أمر على هذه الأمة خيارها، وارفع في العلياء رايتها وكلمتها، وعجل بتحرير الأرض المقدسة المباركة وتطهيرها من دنس الصهاينة الأشرار، يا عزيز يا جبار ٪ # د. إدريس أوهنا،أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس، فاس#
“د إدريس أوهنا يكتب: ومضات في موضوع “الحجاب

في المقال التالي سأحرر القول فيما يثار من شبهات حول اللباس الشرعي للمرأة المسلمة (الحجاب)، بما يجلي الموضوع، ويزيل الالتباس والغموض، متوخيا في ذلك الاختصار الدقيق غير المخل؛ لأنني أعلم أن الناس اليوم لا يطيقون القراءة مطولا: أولا: الدلالة؛ الحجاب بين الدلالة اللغوية والدلالة الشرعية والدلالة العرفية: أ- الدلالة اللغوية: الحجاب لغة من فعل: حجب، ومعناه: منع أو ستر.. هكذا في جميع معاجم اللغة العربية. ب- الدلالة الشرعية: مادة الحجاب وردت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم: (حتى توارت بالحجاب) ص/32، (وبينهما حجاب) الأعراف/46، (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) الشورى/51، (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) المطففين/10، (فاتخذت من دونهم حجابا) مريم/17، (إذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) الأحزاب 53، (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يومنون بالآخرة حجابا مستورا) الإسراء/45، (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) فصلت/5. واستعمل هذا اللفظ في جميع هذه المواضع بمعناه اللغوي، أي الستر والمنع.. ولم يستعمل اسما لزي المرأة أو لباسها الشرعي. ولذلك فإن لباس المرأة الشرعي لا يستدل عليه بهذه الآيات، بل دليله في نصوص شرعية أخرى، بالإضافة إلى دليل الإجماع والمقاصد كما سنرى؛ ومتى توفرت في زي المرأة الشروط الشرعية المستفادة من الوحي فهو لباس شرعي، ولا يهم بعد ذلك ما نطلق عليه من الأسماء، لأن العبرة بالمسمى، وشروطه الشرعية، لا بالاسم، والقاعدة تقول: “العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني”. وعندما غابت عن المغرضين المشككين في فرضية ما يعرف بالحجاب هذه الحقيقة، وهذا التمييز الدقيق بين جوهرية المسمى وشكلية الاسم، وبين شرعية المسمى وعرفية الاسم، طعنوا في الحجاب، وادعوا زورا وبهتانا عدم شرعيته؛ بدعوى مردودة باطلة، وهي أن القرآن الكريم لم يتحدث عن الحجاب بالمعنى المتداول بين الناس، بل تحدث عن الحجاب بمعنى مغاير لا تثبت به حجة. وغاب عن هؤلاء، إن لم يكن ذلك منهم مع سبق الإصرار والترصد، أن أدلة فرضية الحجاب ليست تلك الآيات التي ورد فيها لفظ “الحجاب”، بل أدلة أخرى، لا ينكرها إلا كل مغرض فتان، وسنأتي على ذكرها، بكل اختصار وبيان. ج- الدلالة العرفية: “الحجاب” يطلق في عرف الناس اليوم على لباس المرأة المسلمة، المفترض فيه الالتزام بشروطه الشرعية المستفادة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومقاصد الشريعة الإسلامية السمحة. وإن كانت هذه الدلالة العرفية للحجاب، بما هو لباس للمرأة، غير الاستعمال الشرعي لكلمة: “حجاب” في القرآن الكريم، فإن ذلك لا ينفي ولا يلغي أن المدلول العرفي للحجاب الذي هو: لباس المرأة المتقيد بالشروط الشرعية، هو عين ما دعا إليه الله ورسوله، وهو المساوق لمقاصد الوحي من ستر وحشمة وحياء وعفة وصيانة للعرض… والأدلة على ذلك ما يلي: ثانيا: الدليل؛ 1) الدليل من القرآن: وأقتصر توخيا للإيجاز، وتخفيفا على القارئ، على نصين اثنين أراهما كافيين شافيين لمن أراد اتباع الحق لا الهوى: 1.1. قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [سورة النور آية 31] الآية الكريمة نهت المؤمنات عن إبداء زينتهن، واستثنت الزينة الظاهرة، فما هي الزينة الظاهرة التي يجوز للمرأة إظهارها؟ فسر الصحابة والتابعون ومَن بعدهم من الفقهاء والأئمة المجتهدين من سائر المذاهب الفقهية السنية الزينة الظاهرة التي يجوز للمرأة إبداؤها بالوجه والكفين، قالت السيدة عائشة والصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إلا ما ظهر منها: الوجه والكفان. ومن خالف في تفاصيل الزينة الظاهرة زاد على ذلك الحد، ولم ينقل عن صحابي أو تابعي أو عالم من علماء الأمة أنه نقص عن ذلك الحد. ثم جاء الأمر الإلهي في الآية للنساء المؤمنات بضرب الخمُر على الجيوب، والخمُر: جمع خِمَار، وخمار المرأة في لغة العرب هو ما تغطي به المرأة رأسها، هكذا في سائر معاجم اللغة العربية ؛ فكيف يطلع علينا في هذا الزمان من يقول إن الخمار هو غطاء لمنتصف المرأة لا لرأسها !! كفى به كذبا !! إذن فالأمر بضرب الخمر على الجيوب، هو أمر صريح بستر الشعر والعنق والنحر. لأن النساء قبل نزول هذه الآية كن على ما كانت عليه نساء الجاهلية من وضع الخمار على الرأس وسدله إلى الخلف، وترك الأعناق وجيوب الصدر عارية .وعن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) أخذن أُزُرَهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. رواه البخاري. ومما يعلمه الصغير قبل الكبير من المسلمين أن المرأة مطالبة وجوبا بتغطية رأسها وشعرها في الصلاة، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار”، وفيه دلالة واضحة على أن رأس المرأة وشعرها عورة، ومن شروط الصلاة: ستر العورة، والعورة لا يجوز كشفها لا داخل الصلاة ولا خارجها. ثم جاء قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا…) واستثنى الله تعالى المحارم، وزينة المرأة كل جسدها ماعدا الوجه والكفين كما بينا، وكما سيأتي. 2.1. (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) النور/12 رخص الله تعالى للقواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا، في أن يضعن بعض ثيابهن من غير تبرج أو إظهار لزينة، وموطن الشاهد هاهنا: إذا كانت المرأة العجوز مأمورة شرعا بعدم التبرج بزينة، فمن باب أولى وأحرى أن تكون المرأة الشابة مأمورة بذلك، أي بستر مفاتنها، لأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزا، فكيف يكون الحال بالشابة أو الجميلة إذا تبرجت؛ فلا شك أن إثمها أعظم، ووزرها أكبر، وفتنتها أشد، ولا يخفى ذلك على عاقل. 2) الدليل من السنة: وأما الدليل من السنة، فجميع الأحاديث الصحيحة الواردة في الموضوع، ومنها: عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية وليضربن بخمرهن على جيوبهن أخذن أُزُرَهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. رواه البخاري (4481). وأحاديث أخرى صحيحة، يستفاد منها جميعها وجوب ستر جسد المرأة، على اختلاف بين العلماء في جواز إظهار الوجه والكفين من عدم جوازه بناء على ما ورد في الأحاديث، مما يحتمل هذا وذاك، ولا نجد
الباحث إدريس الصغيوار يكتب: الإغراق

الإغراق حتى وإن كانت الفكرة (كِذبة)! فتأكد أن تكرارها ونشرها على أوسع نطاق بكل وسائل النشر يجعلها تستقر في عقول أكثر المتلقين على شكل حقيقة بل وتستقر كذلك أيضا في عقلية الكاذب نفسه . ذلك ان الناس يتفاوتون في امتلاك معايير الحكم على الأفكار بحسب الاطار العلمي للفكرة نفسها ، وتغاوت ثقافة الناس أنفسهم ، ومدى تفرغهم للتحري عن الحقائق ، وميلهم العاطفي والقبلي والإيديولوجي وغير ذلك من العوامل .. فطرح الأفكار في بيئة هذا وصفها ، يجعلها دائما محط تنازع بين المتلقين ، وهم في الجملة طرفان و وسط (مؤيد و معارض وممتنع عن التصويت ) . هناك عامل واحد في هذا المناخ يجعل الفكرة مقبولة أكثر عند هذا الطرف او ذاك بغض النظر عن مصداقيتها ! إنه الإغراق ! هذا المصطلح ظهر كأداة تستعمل لتسويق الأفكار من خلال جعلها الأكثر تداولا على منصات تداول الأفكار في الإعلام خصوصا وفي مواقع التواصل بشكل أخص. فمهما كانت طبيعة الخبر، أو التحليل ، او حتى الفتوى فيكفي ان تجعل رموزا من الوسط الإعلامي تبثها ، ثم يتولى آخرون إغراق المحتوى العام لمواقع التواصل وغيرها بمضمون الفكرة بأساليب مختلفة هذا يحلل، وذاك يزكي والاخر يشرح والرابع يختصر والخامس يبارك وهكذا يتوالى النشر حتى تصبح الفكرة في الطليعة (ترند) لوسم يصل العالمية ، ومحتوى يتربع على راس قمة نتائج البحث ، ومضمون يستوعب كل (كلمات البحث ) التي قد تخطر على بال الباحث في الموضوع..فتصبح الفكرة بهذا مثل بضاعة يغرق بها السوق أينما ذهبت تجدها بأفضل العروض ، وأعلى جودة وأقل كلفة . هذا الإغراق ( إغراق المحتوى ) الان هو أداة حرب في مشروع (حرب الأفكار) التي يخوضها أرباب الإيدلولوجات (رقميا ) ، من دول وأحزاب وجماعات وفرق ، وشخصيات عامة ، بغض النظر عن مصداقية افكارهم من عدمها . خذ كمثال عام على ذلك ما يمارسه المذهب الشيعي مدعوما من دول محددة اولها (ايران ) من ممارسة لهذا الإغراق بتأسيس كم هائل من المواقع الإليكترونية والشبكات والبوابات والتطبيقات وصفحات مواقع التواصل وصفحات اليوتيوب بمحتوى فقهي وعقدي وفكري شيعي محض ، تزاحم به المحتوى السني بالكلمات الدلالية نفسها ، فيصبح على هذا الحال الفقه الشيعي مزاحما للفقه السني في شبكة الويب ومواقع التواصل وإذا لم يكن للمتلقي حصانة علمية يميز بها مصدر المعلومة فسيقع في فخ الإغراق ويأخذ المعلومة من الفقه الشيعي على أنها فتوى من المذهب السني وقس على ذلك. الأمر نفسه يحدث حينما يريد اتجاه ما ترويج أفكار دخيلة على ثوابت المجتمع الدينية مثلا ، اذ يعمد إلى إغراق مواقع التواصل بأفكاره بشكل ممنهج يعتمد على الكم الهائل للنشر بوتيرة ثابتة تضمن جعل أفكاره الأكثر تداولا مهما كانت بعيدة عن المجتمع وثوابته ، هذا الإغراق يتخذ أشكالا تبعا لطبيعة الفكرة المراد نشرها فتارة تتحد العصابة على نشر الموضوع نفسه بشكل مكثف في الوقت نفسه بالشكل نفسه، وتارة تتكامل الأدوار هذا يبث والثاني يحلل والثالث يؤيد وهكذا ، وتارة تختلف المواضيع في التفاصيل لكنها تكون تحت الموضوع العام نفسه ، وكمثال على ذلك .. الحملة على صحيح البخاري بل والبخاري نفسه ، فالإغراق هنا استهدف بشكل عام نسف مصدرية السنة للتشريع ، اي تهميشها من التشريع لفتح الباب أمام الافكار المستوىدة لتحل محلها . فهذا هو الموضوع العام ، ولكن الحملة على صحيح البخاري هي فقط محور من محاور الحملة على الحديث والسنة عموما ، والمحاور الأخرى تأتي تبعا وهي مثلا تضعيف الحديث بالعقل مطلقا وليس بالعقل المقطوع به، والتشكيك في قواعد تصحيح الحديث ، والتشكيك في امر تدوين الحديث اصلا ، والطعن في الصحابة ، وغير ذلك .. الحملة على صحيح البخاري إذن جزء من مشروع الحرب على الحديث ومكانته كمصدر للتشريع ، وإغراق المحتوى بفكرة التشكيك في مصداقية كتاب صحيح البخاري لا يتوقف عند حدود محلية بل يتجاوز ذلك إلى العالم الإسلامي ، ففي كل قرية من قراه يوجد أكابر مجرميها ليمكروا فيها وهم الذين تولوا مهمة التشكيك والهجوم الممنهج على صحيح البخاري ، بلغة واحدة ، في وقت واحدة ، بوسم عالمي واحد ! مايعني أنه إغراق عالمي يعكس فعليا مشروع حرب لأفكار .. أمام واقع كهذا يصبح من آكاد مسؤوليات المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية ، والعلماء والدعاة والناشطين ، ان يضطلعوا بأدوارهم ومسؤولياتهم لحماية الثوابت والخصوصيات الدينية المغربية من هذ الإغراق ، بالانخراط فعليا في صناعة المحتوى القيمي بشكل أنشط يتجاوز الإغراق المضاد ، ويجعل بضاعته كاسدة في المعترك الرقمي الفكري والديني والعقدي. هناك جهود جبارة تبذلها مؤسساتنا العلمية والفكرية من خلال بوابة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ،هناك محتوى غاية في الإبداع والتكامل والجمال، وهذه الجهود لمن تتبعها ووقف عليها حقيقة لا تكاد تجدها في معظم الدول الإسلامية اليوم ، وتتمثل في صناعة كم هائل من المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة في فروع كثيرة من العلوم الشرعية والفكر والثقافة الإسلامية ، ويقوم عليها علماء ومفكرون وباحثون على أعلى مستويات التخصص والتمكن العلمي تحت ظلال وزارة الاوقاف والرابطة المحمدية للعلماء والمجالس العلمية باستراتيجية علمية يؤطرها المذهب المالكي في كل حقل علمي، ناهيك عن جمعيات مؤسسات المجتمع المدني ، وكلها ترصد لها ميزانيات ضخمة ، بل والمحتوى العلمي للدروس الحسنية الموسمية أيضا يأتي في هذا السياق، فمثلا على مستوى الحديث هناك مركز بن القطان للحديث بالعرائش ، ومركز إحياء الثرات،بالرباط التابعان للرابطة المحمدية للعلماء ، ولهما جهود كبيرة في التعريف بالحديث والدفاع عنه من خلال موقعيهما واصداراتهما ومجلاتهما الحديثية ونشاطاتهما عموما ويقوم عليهما علماء وباحثون اكفاء من الطراز الاول أمثال الدكتور محمد السرار والدكتور عبداللطيف الجيلاني وغيرهم . وقس على ذلك عشرات المراكز التابعة للرابطة ، وايضا المحتوى الحديثي لموقع وزارة الاوقاف نفسه ، ومنصة محمد السادس للحديث بمتزاها العلمي الرائع، فاذا تتبعت مثلا اصدارات مجلة الحديث لمركز إحياء التراث فستجده نشر بحوثا نفيسة في الدفاع عن صحيح البخاري ، فهو اذن يواكب الاحداث ويتفاعل ويرد ويصحح الافكار …لكن اين الإغراق .. هذا ما ندندن حوله . ان تلك الجهود المبذولة يجب ان تصل الى هواتف المغاربة ، باشكال مختلفة تغرق هواتفهم ومواقعهم للتواصل كما اغرقتها منشورات التسعة رهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فالجهود التي تبذلها مؤسساتنا العلمية الرسمية فيها الخير والبركة لكنها تفتقر الى عنصر النشر على نطاق واسع فاذا وقع واغرقت المحتوى بمضمونها النوراني، فستجد بالتأكيد تفاعلا عظيما معها من قبل المتلقين، وسيبطل سحر التسعة رهط ويُغلبون، ومعهم سائر السحرة أيا كان مكانهم ممن يطعنون في ثوابتنا الدينية وخصوصياتنا الفقهية .
الدكتور أوس رمال يكتب: شهداء الحقيقة في غزة… حين يهزِم الصوتُ والصورةُ رصاصَ الغدر

لم يكن ما جرى بالأمس في غزة مجرّد خبر عابر في موجة الأحداث؛ بل كان جريمة مكتملة الأركان، خطط لها الكيان المحتل بدم بارد، حين استهدف الفريق الصحفي لقناة الجزيرة، وعلى رأسهم الشهيد أنس الشّريف ورفاقه الأربعة؛ وهم في قلب الميدان، يوثّقون للعالم ما يجري على الأرض من مجازر وجرائم حرب. لقد اغتالهم العدوّ غدرًا، لكنه فشل في إسكاتهم أو محو أثرهم. فقد انتصروا عليه قبل لحظة استشهادهم، بصبرهم على الجوع والإنهاك، وبثباتهم في مواجهة الموت، وبإصرارهم على أن يصل صوت الحقيقة وصورة المأساة إلى أقصى بقاع الأرض. رحلوا إلى جوار ربهم شهداء في سبيل الحق، بينما نال الكيان المحتل الخزي والعار، وأثبت مرة أخرى أن رصاصه أجبن من أن يواجه الكلمة الصادقة والصورة الناطقة. إن ما جرى بالأمس لا يمثّل فقط جريمة بحق أفراد، بل هو اعتداء صارخ على الحقيقة نفسها، ومحاولة يائسة لإسكات الرواية الفلسطينية التي كسرت الحصار الإعلامي لعقود. لكن دماء الشهداء، سواء من الصحفيين أو المقاومين، ستظل وقودًا لاستمرار المعركة على جبهة الوعي، وستبقى صورهم وأصواتهم شاهدة على زيف رواية العدو وبطلانها. والمؤلم أن هذه الجرائم تتواصل بينما لا تزال بعض الدول العربية والإسلامية ماضية في مسار التطبيع مع هذا الكيان الغاصب، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الدم الفلسطيني رخيص إلى هذا الحد. إن استمرار هذه العلاقات، بالإضافة إلى أنّه يشكّل في مصداقية الادعاءات الرسمية بالحرص على القضية الفلسطينية، فإنه يمنح الاحتلال غطاءً سياسياً وأخلاقياً يشجّعه على الإمعان في بطشه وعدوانه. وإن أقلّ ما تفرضه الأخلاق والمروءة وواجب الانتماء للأمة، أن يُعلَن وقف هذا التطبيع فورًا، وأن تُسحب أي شرعية أو غطاء يُمنح لهذا المحتل المجرم. وهنا لا بد من كلمة صريحة لحكّام الدول العربية والإسلامية جميعًا: لقد تأخرتم كثيرًا في تدارك الأمر، وإن لم تبادروا الآن، قبل فوات الأوان، إلى نصرة المقاومة وإمدادها بما تحتاجه من سلاح وعتاد، فإنكم ستشهدون بأعينكم على هدم آخر جدار يقف سدّا منيعا يقيكم أطماعَ الكيان المحتل، سواء منها أطماعه التي يعلنها بوضوح، أو تلك التي ما يزال يخطط لها في الخفاء. لقد انتهى زمن الكلام، وحان زمن الفعل. ومن يدّعي نصرة الفلسطينيين ومقاومتهم المشروعة الباسلة، وجب عليه أن يمدّهم بما يحتاجون من الزاد والعتاد، وألّا يكتفي بالشعارات الرنانة أو بيانات التنديد، بل أن يقتدي –على الأقل– بحلفاء الكيان المحتل؛ الذين يزاوجون بين المواقف السياسية والدعم العسكري الميداني لحليفهم. رحم الله الشهداء أنس الشّريف محمّد قريقع وإبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة ومحمد نوفل، وكل شهداء غزة وفلسطين، وجعل دماءهم منارة تضيء دروب الأحرار، ووقودًا لمعركة التحرير، حتى يكتب الله النصر لأهل الحق، والهزيمة والعار لآلة الاحتلال الغاشمة. {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج 40)
الباحث إدريس الصغيواريكتب: لماذا يكذب دعاة الحداثة على علم الحديث لصد الناس عنه؟

لقد أصبح لمصطلح الحداثة معنى مطاطيا بين متداوليه ، كل يعرفها من خلال قناعاته ، ولا أحد ينازع الحداثة ويرفضها كمفهوم يجدد الفكر والثقافة والموروث المجتمعي وما يقتضيه الحال من تغير في الحكم الشرعي الفرعي بضوابطه الأصولية في إطار توقير الثوابت الدينية كأساس للتجديد على يد من له اهلية الاجتهاد فيه لا لمطلق النظر عند الجميع . فحتى الإسلام جعل ذلك من المناقب العظمى التي يجريها على يد أصلح عباده ، ( يبعث الله على كل مائة سنة لهذه الامة من يجدد دينها ) فالحداثة بهذا التأطير هي شكل من أشكال التجديد اذا اعتمدنا عدم المشاحة في الاصطلاح وسلمنا بتداوله من قبل الناشطين في المعترك الفكري وإلا على اصطلاحها الغربي الأصيل المتنكر للقيم والثوابت تعتبر شكلا من أشكال التحريف للشريعة في قالب يوحي بتجديدها زورا .. فإذا اعتبرنا (التحديث) مرادفا (للتجديد ) باعتبار الضوابط اعلاه، فالمحدث او الحداثي الذي يتناول علوم الشريعة محاولا تطويعها للقيم الحضارية المعاصرة ومستجداتها يجب عليه عقلا ومنطقا أن يملك أهلية علمية تمكنه على الأقل من تصور المسائل الشرعية التي يعمل عليهاـ تصورا علميا سليما من كل وجوهه. فما لم يكن كذلك فقصوره العلمي في فهم تلك المسائل سيجعل نقاشه وحواره وما يدلي به مجرد عبث بل تسويقا للوهم وتكريسا للتخلف العلمي ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وتحديث العلوم ومسائلها لا يتحصل بجهلها . وكمثال على ذلك ، وتحديدا في مجال الدعوة إلى تحديث علوم الحديث وإعادة النظر في أصولها وقواعدها ، كما ينادي بذلك كثير ممن يتصدرون المشهد الثقافي والفكري ( كدعاة للحداثة) ، نقول : إن واحدا من اولئك الدعاة سمعته يصرخ بأعلى صوته منتقدا علماء الحديث باعتبارهم يعتمدون في تصحيح الأحاديث على قواعد لا يمكن للعقل البشري أن يقبلها كليا وهو ما يعني أن عملية التصحيح للحديث عملية غير مقبولة، وادعى هذا الرجل ، أن شروط الحديث الصحيح عند أهل الحديث هي عدالة الرواة وضبطهم واتصال سندهم ، ومهما كان نص الحديث إذا توفرت تلك الشروط فالحديث يصح عندهم ، ثم يقول : فلو كان نص الحديث فيه ان جمع العدد واحد مع العدد واحد يساوي العدد خمسة ، فالمحدثون يصححون الحديث ولا يبالون بهذا الكلام ، ومعلوم ان مجموع العدد واحد والعدد واحد هو اثنان وليس خمسة لكن المحدثين يقبلون ان تكون النتيجة هي خسمة ويصححون الحديث حتى لو خالف المنطق الرياضي المتفق عليه بين البشر ، ثم يقول : هل رأيتم كيف أن علم الحديث هو علم لا يصلح ويجب إعادة النظر فيه وفي قواعده وان الاحاديث المتداولة كلها صححت بهذه القواعد البدائية التي تخالف العقل والعلم .انتهى كلامه. واقول : إن هذا الحداثي وأمثاله ممن نصبوا أنفسهم اوصياء على المرجعية الحديثية للأمة ليعبثوا بها وبأصولها باسم (الحداثة والتنوير) لو تفرغوا قليلا للاستفادة من منصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف ودروسها الرائعة في تأصيل علم الحديث وقواعده لتعلموا على الأقل شروط الحديث الصحيح بلغة بسيطة تنبض بالعلم والمعرفة وهي تطبيق(على الهاتف) متاح سهل يسير غزير العلم والمعرفة ، فاصغر طلاب التعليم العتيق بمدارسنا يسخرون ممن يقول بأن شروط الحديث الصحيح هي مجرد عدالة الرواة وضبطهم وتحقق اتصالهم ، كما يزعم هذا الحداثي جهلا أو كذبا ! فشروط الصحيح خمسة بإجماع المحدثين وهي الاتصال والعدالة والضبط ومعها نفي الشذوذ و نفي العلة . فاما نفي الشذوذ فهو نفي مخالفة من هو أوثق واحفظ للحديث. واما نفي العلة فهو نفي مخالفة الحديث للحقائق اليقينية المطلقة كالنص القرآني والعلم المقطوع به والواقع اليقيني كذلك والرواية الحديثية الأرجح بقرينة من قرائن الترجيح المعتمدة عند علماء علم علل الحديث، فانظر وتأمل في هذه الشروط المتفق عليها في اعتبار الحديث الصحيح بين المحدثين بل والفقهاء والأصوليين ايضا، وقارن بينها وبين ما صرح به الحداثي أعلاه بجهل مركب خطير يخبرك عن مدى الجرأة التي تجرأ بها على الحقائق العلمية الشرعية ليقنع المتلقي بفكرة وجوب إعادة النظر في علوم الحديث وانها لا تصلح ، فهذا الرجل وأمثاله على اقل تقدير هم جهلة بالعلوم الشرعية وعوض أن يتعلموا قبل ان يتكلموا .. تطاولوا بجهلهم المركب على الحديث النبوي وعلومه متجاوزين المحدثين المغاربة من إعضاء المجالس العلمية وغيرهم وهم أهل الشأن ومؤسسات خدمة الحديث العلمية وهي المرجع لهذا العلم وفهمه ، فتطاولوا كدعاة للحداثة على علوم الحديث لتبديلها وتحريفها باسم التجديد والتنوير. هذا مثال فقط ، والا فإن هؤلاء التسعة رهط لهم مقولات ومزاعم عديدة ممنهجة يفترون بها على الحديث النبوي وعلومه بدءا من الطعن في مصداقية تدوينه ثم التشكيك في رجاله وكتبه ومصادره ، ثم الطعن في دواوينه ، ثم الكذب على قواعده العملية كالمثال أعلاه . لسنا هنا بصدد اتهام هؤلاء في نواياهم ولا تصنيفهم كوكلاء حرب على اسس الشريعة فشأنهم في هذا الى الله ثم ضمائرهم ، ولكن يبقى التساؤل حاضرا لماذا يفترون على اصول الشريعة باسم الحداثة ؟! ثم ياتي تساؤل مقابل له وهو : لماذا لا ينبري المتخصصون في الحديث من علمائه المغاربة للدفاع عنه باعتباره المصدر الثاني للتشريع وباعتباره اساس التشريع في البلاد وباعتباره مكتسب نفيس له مؤسسة ترعاها سواعد جلالة الملك حفظه الله بتشييد واحد من أروع صروح الحديث النبوي تحمل اسمه (منصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف) ..إن الجهود التي تبذلها هذه المنصة المباركة في خدمة الحديث الشريف بأسس قواعد المذهب المالكي واختياراته لتستحق الشكر والامتنان كما تستحق ان تُحمى مكتسباتها وجهودها من عبث من يشاغبون على علم الحديث ويطعنون في مصداقيته علنا وجهارا بدون توقف. اليس واجبا على كل مقتدر حماية جناب نبيه صلى الله عليه وسلم والدفاع عن أحايثه واقواله والعلوم التي بها ثبتتْ ودُونت ووصلت إلينا؟!! ..ألا من غيور على علوم النبوة ؟!!…اليس هدم صروح العلم هاته جريمة حقا بمقتضى الدستور نفسه الذي ينص على ان دين الدولة هو الإسلام..؟! اليس الاسلام كتابا وسنة .. ومن طعن في مصداقية الحديث والسنة جملة وتفصيلا كمن طعن القرآن ايضا وفي دين الدولة وسعى لهدمه ؟!!
الباحث إدريس الصغيوار يكتب: الحديث النبوي ..هل نرده بمخالفة العقل؟

مسالة كهذه وهي رد الحديث النبوي بمخالفة العقل هي من صميم مباحث علم الحديث ومن المشترك الحكمي بينه وبين علم الأصول والفقه ، وما تقوله في حكم مخالفة الحديث للعقل قله ايضا في مخالفة الحديث للعلم القطعي ، أوالنص القرآني او الاجماع او حتى الواقع اليقيني فكل هذه الاحوال ينطبق عليها الحكم نفسه إذا وقعت بينها وبين نص الحديث النبوي نوع مخالفة بينة. لا يوجد محدث عالم بعلم الحديث حقا ينكر رد الحديث النبوي بالعقل الصحيح من حيث المبدأ وقس على ذلك رده بالامور التي ذكرناها اعلاه وهي الواقع اليقيني والعلم القطعي والنص القرآني وغير ذلك. فالمحدثون متفقون بالإجماع على اشتراط نفي العلة في الحديث الصحيح كواحد من أهم شروطه بل هو أهمها والعلم بالعلل أهم علوم الحديث على الإطلاق. اذن ما معنى أن يشترط المحدثون نفي العلة عن الحديث؟ معنى ذلك هو ان لا يرد على الحديث اعتراض من وجوه لا تنحصر ، وهذه الاعتراضات على الحديث تعني الاعتراض على صحته بدليل عند تصادم الحديث مع الحقيقة العلمية او العقلية ، وقد اصل المحدثون لذلك قواعد سموها بقواعد العلل ، وكل قاعدة تضبط متى يصح الحديث ومتى لا يصح ولو كان ظاهره الصحة عند التأمل الأول . ومن بين تلك القواعد مثلا قاعدة طلب العلة ويسمونها (تطلب العلة ) ونص عليها المحدثون منهم العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني في كتابه التنكيل، هذه القاعدة تعني اذا صح الحديث ظاهريا باجتماع شروط الصحة وهي اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وعدم شذوذ الحديث، فإنه لا يسلم بصحته حتى يسلم من الاعتراض عليه ، بأي وجه من الوجوه المسلم بها . فمثلا إذا خالف الحديث نص القرآن ، وان كان رجاله ثقات عدول واتصاله متحقق وسالم من الشذوذ اي لم يخالفه ثقات اخرون ، فالحديث لا يقبل لان النص القرآني مقدم وهذا مقتضى العقل فالعقل يهدي إلى ان القرآن مقدم ولايمكن ان يكون العكس، لذلك نحكم بضعف الحديث لدلالة النص على خلافه ، ومثل ذلك حديث مسلم( خلق الله التربة يوم السبت ،..) ومقتصى الحديث ان الخلق كان في سبعة ايام بما فيها السبت وهو مخالف للحقيقة القرٱنية القاضية بان الله خلق السموات والارض في ستة ايام . فهذا على رأي كثير من المحدثين مخالف لنص القرآن وبالتالي فهو ضعيف ووجه تضعيفه ان فيه علة لا نعلمها لكننا نتوقعها منطقيا فننزلها على أضعف حافظ من رواة الحديث ونقول هو الذي أخطأ ووهم فروى الحديث على هذا النحو ، وتابعه الاخرون ، ودليل وهمه هو صريح القرآن. والآن أرأيت أن المسألة تم علاجها بغاية البساطة، ومنها أخذ العلماء ان باب رد الحديث بما هو مقطوع به علما وحقيقة باب مؤصل في علم الحديث نفسه لم ينفه عالم معتبر ولا محدث حافظ وهو باب نفي العلة في الحديث الصحيح. ولذلك تجد مخالفة الواقع اليقيني علة في الحديث وان توفرت فيه شروط الصحة الاخرى ، فإمكانية الوهم على الراوي متوقعة ولا يضر ذلك ضبطه في الجملة فالوهم لا احد يسلم منه وإنما يزول بالإجماع على الحفظ كالتواتر . كما هو حال النص القرآني مثلا. إذا عرفنا هذا عرفنا أن الاعتراض على الحديث بالعقل وارد أيضا ومن صميم علم العلل لكن ليس على الإطلاق وإنما هو مشروط بالإجماع العقلي ، اي ما أجمع عليه العقلاء من الراسخين في علم من العلوم محط الدراسة(الجماعة العلمية ) ويتداخل هذا غالبا مع الحقيقة العلمية والواقع ، فلو ثبت علميا بيقين أن امرا من الأمور يخالف نص حديث بين الدلالة ، ولم يكن هناك إمكانية للجمع بين الحقيقة العلمية والحديث ، فيصار إلى تضعيف الحديث بالحقيقة العلمية باعتبار المخالفة المقطوع بها هنا علة في الحديث تستوجب الضعف والحقيقة العلمية تنزل منزلة الحقيقة العقلية لاشتراكهما في مطلق الحق. وهنا نقول ان الحديث ضعيف لوهم أحد رواته ودليل الوهم هو مخالفة العلم اليقيني، بل أكثر من هذا يجري على النص القرآني فيقيد معناه بالحقيقة الواقعية مثلا، ومنه قوله تعالى (تدمر كل شيء بإذن ربها ) فهل دمرت الريح فعلا كل شيء ؟ لا ..ما الدليل على ذلك ؟ الدليل هو الواقع المنظور اليه بيقين ، فنحن نعاين السماء والارض لم تدمر فتبين من ذلك ان القول بعموم التدمير ضعيف بمقتضى معاينة الواقع . وقس على هذا في الحديث أيضا. لكن ليس كل من هب ودب له أهلية لبيان الاعتراض العقلي والواقعي والعلمي والقرآني والحديثي على الحديث فهذا مجال له أهله وهم العلماء والمحدثون فإذا كانت المسألة تتعلق بعلم خاص فيصار إلى الخبراء من ذلك العلم للوقوف على رأيهم كمسألة اللعاب مثلا أهو نجس ام لا، اختلف فيه العلماء لكن لما تبين علميا ان اللعاب مصدره الفم وليس الجوف البطني تبين انه ليس بنجس لدلالة الحقيقة العلمية على ذلك وبذلك افتى النووي رحمه الله ، وهذا الامر وهو اجتماع الخبرة العلمية بعلوم الشريعة معمول بها اساسا في الفتوى لا يجادل في ذلك الا من له ثقافة سطحية بمنهجية المحدثين والفقهاءالمفتين ، فيظن نفسه بغرور انه اول من تفطن لضرورة استصحاب العلوم الكونية لبض النصوص المشكلة في الحديث، وينفخ فيه الشيطان كانه نبي مرسل أتى يصحح للناس دينها بما لم يسبق اليه ، بينما عمل الفقهاء والمحدثين على ذلك لا ينازعون فيه ، وفي المغرب كل من يتابع اجتهادات المجلس العلمي يعرف ذلك. اذن فلا احد من المحدثين والعلماء قال بأن الحديث وان خالف الحقيقة العلمية او العقلية المطلقة او الواقع اليقيني سيبقى العمل عليه بل عند الفقهاء باب حديث صحيح وليس عليه العمل ، وباب الضعيف المعمول به وباب تطلب العلة ولو توافرت فيه شروط الصحة . وهؤلاء الذين برزوا كرموز للتجديد ويطعنون في الحديث النبوي لكونه مجرد فكر بشري لا أساس له ويستدلون على ذلك بمخالفة الحديث لحقائق علمية هم جهلة بعلم الحديث اصلا كما بينا في هذا المقال أعلاه فلا احد من المحدثين يقول بذلك ، ولكن يشترطون الاجماع العلمي والعقلي المفيد لليقين لا مجرد عقل فلان او فلان . ثم إن النصوص الحديثية التي قد يرد عليها الاعتراض العقلي او العلمي معظمها في غير الأصول، وانما في فروع من ابواب الاداب والسنن والرقائق والسلوك والاخبار ، ولا تمس اصول التشريع المجمع عليها مطلقا فهي ثابتة ثبات الجبال الراسيات. فلماذا اذن التهجم على الحديث النبوي كله والتشكيك في مصداقيته والطعن في علومه لمجرد الوقوف على حديث مخالف لعلم يقيني مثلا ! فكل الناس تعلم حتى جهلاءهم أن الحديث يمكن ان يحكم عليه بالضعف لسبب وجيه مقرر في علوم مصطلح الحديث فالامام مالك صحح احاديث رجل غره بمظهره واسمه ابن أبي المخارق فوثقه وحكم بعدالته ، فلما تبين له انه بخلاف ذلك ضعفه
د. أوس رمّال يكتب: “الديمقراطية” حين تختطفها اللّوبيات: من صوت الشعب إلى استبداد المصالح

تمهيد: وعدٌ تبخّر لم تكن الديمقراطية مجرّد آلية انتخابية، بل كانت وعداً بأن يستعيد الإنسان كرامته، وبأن يصبح المواطن هو مصدر السلطة وصاحب القرار. كانت صرخة ضدّ الاستبداد الفردي، وتعهّداً بأن لا يُقَرّ قانونٌ إلا بإرادة الناس، ولا تُنفذ سياسة إلا برضاهم. لكنّ هذه الديمقراطية؛ التي ظهرت كثمرة نضال طويل ضد الطغيان والفساد؛ ما لبثت أن انقلبت على ذاتها؛ فتحوّلت من أداة تحرير إلى وسيلة تضليل، ومن قناة تمثيل إلى ميدان تصريف لمصالح الكيانات الاقتصادية والمصالح الجيوسياسية. وهذا حتّى في الدّول الإسلامية التي نزل فيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، وهو يشمل خيانة التمثيل السياسي الذي يُفترض أن يكون أمانة لا سلعة تُباع. الديمقراطية حين تُمثّل الأقلية لا الأغلبية يُعرَّف النظام الديمقراطي عند أهل التّخصّص بأنه “حكم الشعب بواسطة ممثليه المنتخبين”. لكن الواقع يكشف شيئاً آخر تماماً: هؤلاء الممثلون، في كثير من الدول، لا يعكسون إرادة ناخبيهم؛ بل يعبّرون عن مصالح الجهات التي برّزتهم، وموّلت حملاتهم، ووجّهت الإعلام لخدمتهم، ونسّقت لهم التحالفات. صار البرلمانيون في عدد متزايد من الديمقراطيات بما فيها الدّول الإسلامية؛ وكلاء شركات ومجموعات ضغط (لوبيات) لا وكلاء للشعب. ومتى تعارضت إرادة الناخبين مع إرادة المموّلين، فإنّ المال يقرّر، لا الصندوق. والله تعالى حذّر من هذا النّوع من الخيانة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]، فكيف إذا كانت الديمقراطية نفسها تصير في صفّ الخائنين؟ صعود اللّوبيات: السلطة الموازية التي لا تُنتخب اللوبيات هي جماعات ضغط تُمارس تأثيراً مباشراً على صانعي القرار من خارج الآليات الانتخابية. وتتنوّع اللوبيات ما بين لوبي السلاح، ولوبي الأدوية، ولوبي التكنولوجيا، ولوبي الشذوذ، ولوبي “إسرائيل”، وغيرهم. وتمتلك هذه الكيانات (اللّوبيات) القُدرة على تمويل الحملات الانتخابية، والسّخاء في تقديم الرّشاوى، وعلى الضغط على الإعلام، وعلى تهديد المسؤولين، بل وابتزازهم أحياناً. والأخطر أنها لا تخضع لأي رقابة شعبية، ولا تُحاسب على القرارات التي تفرضها خلف الستار. والله تعالى ذمّ التعامل بالرّشوة: -قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما» [رواه الترمذي]، فكيف إذا أصبح شراء الولاءات السياسية نظاماً مقنناً؟ تشريعات تصدم الفطرة والعقل تحت تأثير هذه اللوبيات، نشأت تشريعات لا تعكس لا تطوّراً أخلاقياً ولا علمياً، بل تحرّكها أجندات خاصة، وتحظى بدعم إعلامي كاسح. هل كان أحد ليتصوّر أنّ الكنيسة؛ المؤسسة التي طالما مثّلت القيم المسيحية التقليدية؛ ستُجبَر على الموافقة على زواج الشواذ؟ هل يُعقل أن يصبح تبنّي الأطفال من قبل مثليين أمراً محمياً بقوة القانون، رغم ما في ذلك من مساس بحقّ الطفل في التنشئة الطبيعية؟ بل الأدهى: يُمنع الاعتراض على هذه السياسات باسم “الحقوق الفردية”، وتُخنق أصوات العقلاء بتهم “الكراهية’ و’التمييز”. هكذا يتمّ تشويه الفطرة وطمسها: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30]، الفطرة التي يولد عليها الإنسان؛ قال ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة…» [البخاري ومسلم]، فكيف تُشرّع باسم الدّيمقراطية قوانين تصادم هذه الفطرة؟ ازدواجية القيم و”ديمقراطية الدرجة الأولى” إنّ الديمقراطية اليوم لا تُحدَّد فقط بوجود برلمان وانتخابات، بل بكيفية التعامل مع القضايا الكبرى: حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة… لكن الواقع يقول: لا مساواة في الديمقراطية. فحين يصيب الهُزال رهينتين صهيونيتين؛ ينعقد مجلس الأمن على الفور، وحين يُجَوَّع الملايين في غزّة، لا أحد يُبدي اكتراثاً، وحين تُقصَف المستشفيات والمدارس ويُقتل الأطفال؛ يُقال: “حقّ الدفاع عن النفس”. نقد لا يبرّر الاستبداد إنّ القول بأن الديمقراطية انحرفت لا يعني الدعوة إلى أنظمة قمعية. بل على العكس؛ إنّ الاستبداد العربي -مثلاً- هو أوّل من يبرّر بقاءَه بالقول إنّ “الديمقراطية الغربية منحطّة”. وهذا مكرٌ مرفوض. والمطلوب اليوم ليس استبدال الديمقراطية بالديكتاتورية؛ بل مراجعة جذريّة للمسار الديمقراطي الحالي بما يفضي إلى: إعادة السلطة للشعب لا للمال. تجريم بيع الأصوات السياسية. وضع حدّ لتأثير اللوبيات في صياغة القوانين. حماية الفطرة والعقل والكرامة من عبث الأقليات المتنفّذة. خاتمة: هل ماتت الديمقراطية؟ لا… لكنّها أُصيبت بتشوّهٍ عميق. فالديمقراطية لم تَعُد صوت الشعب؛ بل تحوّلت إلى مسرح يُمثِّل فيه السياسيون أدواراً كُتِبت في دهاليز اللّوبيات ومكاتب الشركات الكبرى. والطريق إلى ديمقراطية حقيقية يبدأ بوعي الناس. فحين يُدرك المواطنون أنهم لا ينتَخبون فقط في يوم الاقتراع، بل يُستَغفَلون طيلة بقية الأيام، يمكن أن يبدأ التغيير. حين تصبح الكرامة الإنسانية والعقل والفطرة؛ مداخل إصلاح سياسي لا مجرّد شعارات حزبية… يمكن للديمقراطية أن تُبعث من جديد 7 أغسطس، 2025
الباحث إدريس الصغيوار يكتب: ألم تحتل إسرائيل غزة بعد ؟

وإن تعجب فعحب قول نيتنياهو بالأمس ، سنعمل على خطة عسكرية شاملة للقضاء على المقاومة في غزة ، لنزع سلاحها … وقبل ايام قليلة أيضا صرح الرئيس الأمريكي ترامب بكلام مشابه بسبب تعثر المفاوضات لوقف إطلاق النار ، فماذا تعني رغبة الاحتلال في القضاء على المقاومة ؟!! ألم تقض عليها بعد ..ألم تهدم دور غزة وبنيتها التحتية ..الم تقتل الافا من البشر من النساء والولدان والشيب والشباب الم تقتل قيادات الصف الاول والكثير من الصف الثاني للمقاومة وجوعت وشردت ودمرت وأفسدت وادعت انها حققت أهدافها في غزة مرارا وتكرارا ..فلماذا لا تحتفل بالنصر … وتنصب الرايات في شوارع غزة وتنصب وكلاءها من زبانية عباس المتراس وتشرع في حكم غزة وتنصيب إدارة مدنية او حتى عسكرية لحكمها ؟!! اليس عباس يبدي يوميا استعداده لحكم غزة ..فلماذا لم ينقلوا جنوده وادارته لحكمها ؟!! إن هذا الوضع ليس له إلا معنى واحد بإجماع العسكريين والسياسيبن ، وهو أن إسرائيل لم تحسم المعركة في غزة ..ولم تستطع ان تثبت فيها قدما لجندي من جنودها ..فلا تزال تتجرع الموت ..وتتكبد الخسائر ..وتدفع أثمانا باهضة في ساحة المعركة وخارجها وفي عقر دارها ، ولا زال الموت يتربص بجنودها في كل شبر من مساحتها ..وتتألم وتتحسر على فشلها الذريع ليس فقط بسبب العجز عن تحرير الأسرى بل أيضا بسبب العجز عن معرفة الاخبار عنهم وعن أحوالهم ومن مات ومن بقي منهم، كما تتألم من خسارتها الاستراتيجية في الداخل امنيا واجتماعيا واقتصاديا وبين دول العالم حقوقيا وسياسيا وديبلوماسيا واخلاقيا وإنسانيا… فإذا كانت إسرائيل بهذا الحال ..أيعقل مع هذا الحال ان تكون انتصرت فعلا !! النصر لا يتجلى في مجرد الدمار والقتل وإنما يتجسد في الحكم والسيطرة والقدرة على التدبير.ّ..اما مع العجز عن ذلك فالمقاومة مستمرة والمعركة لا تزال جارية ..والنتيجة لم تحسم بعد !!! وهذا هو الحال في غزة اليوم …فهل رايت الحكم استتب في غزة لاسرائيل يوما واحدا ؟!! اللهم لا . خذ مثالا حيا من التاريخ الحديث في الحرب العالمية الثانية وقس عليه فالتاريخ أستاذ معلم وبه يُستشرف المستقبل : مدينة (لينينغراد) الروسية حوصرت من قبل الالمان وتم تجويع اهلها وتشريدهم ودمرت عن بكرة ابيها تقريبا .ولم يبق بها مستشفى ولا إدارة قائمة وقتل فيها نحو اثنين مليون إنسان حتى اصبحت ركاما كانما ضربها زلزال مدمر..مع ذلك وبعد سنتين تقرييبا حسمت المعركة لصالح الروس وانهزم الألمان في حرب شوارع استنزفتهم بالقنص والقنابل المفخخة حتى اصبحت شوارع لينينغراد مصيدة للجنود الالمان الذين ظنوا أنهم احتلوها بعدما دمروا وقتلوا وشردوا وجوعوا الروس وحاصروهم !! لا أزال أتذكر عند بداية الحرب على غزة بعد 7 اكتوبر كيف صرح بوتين بتصريح عجيب حين قال: ( إن الحال في غزة سيكون مثل لينينغراد ) فبهذه الكلمات استشرف بخبرته السياسية والحربية مآل الحرب في غزة ،وانها ستدمر وتحاصر وتجوع ويقتل اهلها بالالاف، كما وقع مع لينينغراد ولكن مع ذلك ستبقى حرب الشوارع هي التي تحسم المعركة ، وفي حرب الشوارع تنتصر الارادة ، والعمليات الخاصة في حرب الكر والفر ، ولا تنفع المعدات الثقيلة ولا الطيران ولا الصواريخ العابرة للقارات ولا كثرة العدة والعدد . وهذا ما وقع لاسراىيل في غزة وهي تتهاوى في مستنقعها يوما بعد يوم ، بشهادة سياسييها وجنرالاتها ولذلك لا زالت تعيد الأسطوانة نفسها وتعد بالقضاء على المقاومة .. ! بينما تتكتم على خسائرها وهزيمتها في الارواح والمعدات سياسيا واقتصاديا
