مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 لانتخاب 395 نائباً في مجلس النواب، يبرز سؤال مركزي: هل سينجح المغرب في تعزيز مشاركة المواطنين، أم سيستمر نمط “العزوف” الذي ميز الاستحقاقات السابقة؟ انطلاقاً من الأرقام الرسمية المتاحة على موقع listeselectorales.ma (خاصة إحصاءات اللوائح الانتخابية)، ومقارنة مع السياق التاريخي، يمكن رسم صورة تحليلية للتوقعات.
1. الوضعية الحالية للوائح الانتخابية: تقدم محدود
حسب آخر الإحصاءات الرسمية (حتى 31 مارس 2026)، يبلغ عدد المسجلين على اللوائح الانتخابية 16.008.327 ناخباً. وشهدت الفترة الاستثنائية للتسجيل (15 ماي إلى 13 يونيو 2026) جهوداً لتوسيع القاعدة، مما رفع الرقم إلى حوالي 16.5 مليون حسب بعض التقارير اللاحقة.
- التقسيم الديموغرافي (من الإحصاءات المتاحة): يظهر غلبة الذكور (حوالي 65-66%)، مع تركيز في المناطق الحضرية والريفية.
- الإمكانيات غير المستغلة: يُقدر عدد المواطنين في سن الاقتراع (18 سنة فما فوق) بحوالي 28 مليون شخص، مما يعني أن أكثر من 11-12 مليون مؤهل لم يسجلوا بعد. هذا الرقم يعكس تحدياً هيكلياً في تسجيل الشباب والسكان المتحركين.
هذه الأرقام تشير إلى تقدم إداري مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها تبقى متواضعة نسبياً أمام حجم السكان وتزايد الشباب الذين يبلغون سن الرشد.
2. السياق التاريخي لمعدلات المشاركة: اتجاه تصاعدي هش
تاريخياً، شهدت الانتخابات التشريعية المغربية تقلبات كبيرة في معدلات الإقبال:
- 2007: أدنى نسبة (حوالي 37%)، مع نسبة بطاقات ملغاة مرتفعة تعبر عن احتجاج.
- 2011: تحسن نسبي (حوالي 45%) بعد دستور 2011.
- 2016: تراجع إلى 43%.
- 2021: ارتفاع ملحوظ إلى 50.18% (أعلى منذ 2002)، بفضل الاقتران مع الانتخابات المحلية والجهوية.
رغم التحسن في 2021، يظل الإقبال متواضعاً مقارنة بالمعايير الدولية، خاصة في المدن الكبرى (مثل الدار البيضاء حيث سجلت نسب منخفضة جداً في بعض الدوائر). العزوف أكثر وضوحاً بين الشباب والطبقات الوسطى الحضرية، بينما تكون المشاركة أعلى في المناطق الريفية والصحراوية.
3. العوامل المؤثرة على الإقبال في 2026
عوامل إيجابية محتملة:
- الحملات التحسيسية: حملات التسجيل عبر الرسائل (2727) والموقع الإلكتروني، بالإضافة إلى التركيز الإعلامي.
- الرهانات الوطنية الكبرى: استضافة كأس العالم 2030، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، قد تحفز بعض الناخبين.
- تغييرات في النظام الانتخابي: حساب المقعد على أساس عدد المسجلين (وليس المصوتين) يشجع الأحزاب على تعبئة قواعدها.
عوامل سلبية مهيمنة:
- فقدان الثقة: استمرار الشعور بأن البرلمان محدود الصلاحيات أمام السلطة التنفيذية، والتركيز على “الأعيان” والشبكات المحلية بدلاً من البرامج السياسية.
- الأزمات الاجتماعية: الغلاء، البطالة الشبابية، والهجرة غير النظامية تغذي الإحباط.
- التشظي الحزبي: منافسة داخل التحالف الحكومي (التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، الأصالة والمعاصرة) قد تقلل من حماس الناخبين.
تقديرات تشير إلى أن نسبة كبيرة (حوالي 40%) من المسجلين “مترددون”، مما يجعل مستوى المشاركة المفتاح الحاسم.
4. سيناريوهات محتملة للإقبال
- سيناريو متفائل (55%+): نجاح حملات التسجيل والتعبئة، خاصة بين الشباب، مع تأثير الاقتران المحتمل مع استحقاقات أخرى.
- سيناريو واقعي (45-52%): استقرار حول نسبة 2021، مع تحسن طفيف بفضل الجهود الإدارية.
- سيناريو متشائم (<45%): استمرار العزوف إذا لم تُعالج قضايا الثقة والمشاركة الشبابية، خاصة في المدن.
رهان على “المواطنة النشيطة”
الأرقام من listeselectorales.ma تُظهر جهوداً حقيقية لتوسيع اللوائح، لكن الإقبال الحقيقي يعتمد على قدرة الأحزاب والدولة على إعادة بناء الثقة. الانتخابات 2026 ليست مجرد استحقاق إداري، بل اختبار لعمق الديمقراطية المغربية أمام تحديات التنمية والشباب. زيادة التسجيل خطوة أولى، لكن التعبئة السياسية الجادة والبرامج الملموسة هي التي ستحدد ما إذا كان المغاربة سيتوجهون بكثافة إلى صناديق الاقتراع في 23 شتنبر.
النجاح في رفع المشاركة سيعزز الشرعية التمثيلية، بينما استمرار العزوف قد يعمق الفجوة بين المؤسسات والمواطنين.
