الباحث إدريس الصغيوار: السيادة الرقمية الغائبة .. حماية للشعوب وأمنها القومي –

نظام التشغيل هو النظام الرقمي البرمجي الذي يتيح للأجهزة تصفح ونقل وتخزين ومعالجة البيانات المكتوبة والمصورة والمرئية ، وتصفح الانترنت والاتصال عموما ، وهذه النظم هي حجر الزاوية في عمل الحواسيب والهواتف الذكية . ومنها نظام ماكنتوش او الويندوز الامريكيين ، ونظام اندرويد للهواتف الذكية الكوري ونظام ابل وما يتعلق بها من برامج ملحقة وتطبيقات !
وتعد السيطرة على هذه النظم برمجيا وعلى مستوى التطوير والمتابعة هي اساس السيادة الرقمية في العالم ، وتمتلك امريكا نصيب الاسد في هذا الجانب ، كما تعد الاول على مستوى العالم في مجال تطويرها والهيمنة عليها وتسويق الحواسيب والهواتف المعتمدة عليها !
والسيطرة على النظم تعني ببساطة السيطرة على البيانات والخصوصيات بل وإمكانية التحكم والمعالجة في كل الة مرتبطة بهذه النظم والبيانات ، سواء على مستوى البنية التحتية الرقمية للحكومات او للأفراد .
على مستوى الحكومات يكون الموضوع أكثر حساسية من الناحية الأمنية ، فالمعاملات الحكومية في غياب التحكم في النظم التشغيلية وبرامجها بشكل كامل تكون تحت رحمة مالكي النظم والمزودين والمطورين ونحن هنا نتكلم عن البيانات التي تخص الامن القومي وخصوصياته على كافة المستويات ناهيك عن التحكم في المدى الزمني العملي لتلك النظم وصلاحيتها بل وصلاحية ادواتها واجهزتها ، فالنظم تتطور تدريجيا وتفرض على الاخرين مواكبتها بايقاف خدمة ما بعد البيع عن النظم القديمة كما ان الحواسيب تتطور وفقا للنظم والبرامج مما يضطر الزبناء الى شراء الحواسيب الجديدة وانهاء صلاحية القديمة وهذا يمثل عبئا ماديا مكلفا ايضا . وقس على ذلك الهواتف.
خذ على سبيل المثال امورا بسيطة كالاجتماعات الحكومية التي تتم بالاتصال المرئي يمكنها ان تكون مكشوفة بسبب ثغرات في تلك النظم او اي برنامج ملحقة بها بما فيه برنامج الاتصال المرئي نفسه !
ايضا خذ كمثال البيانات المخزنة في حواسيب وزرة الصحة كمثال يمكنها ان تصبح مكشوفة لارتباكها بتلك النظم تشغيليا وقي عليها كل البيانات في كل المؤسسات والوزارات .
اضف الى ذلك الكامرات العامة في المؤسسات الحساسة والمواقع والشوارع بل والبيوت وغرف النوم ! كلها عرضة للاختراق بسهولة بمقتضى ارتباطها واعتمادها على تلك النظم وما يلحق بها .
القصة هنا تتعلق بالارتباط كمفهوم يحل اللغز !! ف”الارتباط يتيح الاختراق والتحكم ايضا ” هذه هي القاعدة الذهبية في فهم خطورة غياب السيادة الرقمية بنظم تخدم وتواكب محليا ولا يد لاي مطور اجنبي عليها !!
نعم للنظم الامنية السبرانية دورها لكنه مهما كان لن يتجاوز الجدر للمشركات المصنعة للنظم بما فيها الامنية ايضا !!
من هنا كانت الحاجة ماسة الى توليد سيادة رقمية مستقلة ترتكز على هدفين اثنين :
– تعزيز الأمان والخصوصية الرقمية للبيانات
– التحرر من قبضة المزودين وتكاليف ترخيصهم .

استفاقت الصين وروسيا ودول اسيوية اخرى مبكرا لهذا الجانب ، فاتجهت الى ابتكار نظم تشغيلية خاصة بها ومعها البرامج والتطبيقات ،بل استقلت عن أمريكا حتى في بروتوكولات اتصال الانترنت والسيرفيرات والاقمار الاصطناعية، ولذلك ابتكرت الصين نظام تشغيل OpenKylin 1.0 (أوبن كيلين) القائم على لينكس والمفتوح المصدر، الموجه للحواسيب الشخصية والمكتبية. كما أطلقت مؤخراً Origin Pilot (أوريجين بايلوت) كأول نظام تشغيل صيني للحواسيب الكمومية. ولم يعد لها ارتباط بنظم تشغيل امريكية الا على مستويات غير مؤثرة.
وتعدت ذلك الى الاستقلال عن نظام المواقع GPS وتجاوزته إلى الاسقلال عن نظم التحويل المالي الدولي وغير ذلك . كانت الصين تدرك ان بقاءها تحت رحمة السيادة الرقمية الأمريكية يعني الاختراق والابتزاز معا !! لذلك سارعت الى صناعة عالمها الرقمي مستقلا ببنيته الرقمية الخاصة فحتى الواتساب لا وجود له في الصين !! الا بطريقة vpn او بطاقة sim دولية .وما يوجد هو تطبيق مواز له وهو ( وي تشات wechat .)
وقبل مدة يسيرة اتجهت اوروبا الى هذا الاتجاه تحت وطأة الأزمات التي لحقت بالعلاقات الامريكية الاوروبية والحلف الأطلسي، حيث اصبحت اوروبا تتحسس من الهيمنة الامريكية عليها ولا تشعر بالأمان، واصبحت سيادة اوروبا على المحك فساد التفكير جدا في الاستقلال عن الهيمنة الامريكية الرقمية باعتبارها بوابة اختراق للامن والبيانات .
فاتجهت فرنسا ومقاطعات من المانيا ودول روربية اخرى الى البحث عن بديل للنظم الامريكية وبرامجها ووقع الاختيار على البديل المفتوح المصدر وهو لينكس .
وهو نظام لا تملكه اي مؤسسة ، وإنما هو ثمرة تعاون مبرمجين متطوعين وهواة حول العالم ولا يملك اي اتجاه او مؤسسة او دولة حق التحكم فيه كما هو الشأن بالنسبة لويندوز او غيره من نظم التشغيل .
هذا النظام البديل يتيح لمستعمله بناء بنية تحتية رقمية خاص به يمكن فعليا حمايتها بقواعد الأمن السبراني على عكس النظم المستوردة التي يصعب الوقوف على بواباتها الخلفية ( السرية).
وهذا ما يتيح بقاء البيانات والتعاملات الاليكترونية المعتمدة على تلك النظم تحت سيادة محلية خالصة.
وكمثال على ذلك بدات فرنسا فعليا في عملية الانتقال بالتوقف عن استخدام منصة “مايكروسوفت تيمز” لعقد الاجتماعات المرئية، واستبدالها بمنصة فرنسية تُدعى “Visio”، مبنية على أداة مفتوحة المصدر تُسمى “Jitsi”
ويقف العالم اليوم على حافة حرب عالمية رقمية باردة تسعى فيه الدول الى الانعتاق والاستقلال عن الهيمنة الامريكية رقميا ليس لحماية مؤسساتها الرقمية فقط بل ايضا لحماية خصوصيات المواطنين ككل ففي غياب سيادة رقمية كاملة يكون كل شيء مرتبط بكل شيء !! وهو ما يعني ان هناك حكومة عالمية تتابع وتواكب كل هاتف وكل حاسوب وكل ارشيف بيانات وكل اجتماع وكل خصوصية مخزنة ! وتتصنت على كل نفس مرتبط بنظمها !!
كنت تتعجب كيف رصدوا القيادات الايرانية ..كيف كانوا يحصون انفاسهم اينما اتجهوا ..الامر ببساطة اعتمد على خصوصيات تم اختراقها تتعلق بالبصمة الكهروميغناطسية للقلب ! فقلبك له بصمة كهرومغناطسية ( هالة من الموجات) خاصة لا تتكرر، معلومة كهذه يستعملها طبيب القلب في عمليات العلاج الروتينية كإشارة على خلل في نبض القلب ! لكن يمكن ايضا ان تسرق من بيانات المريض بالاختراق .. وتصبح متاحة ..هناك طائرات متطورة قادرة على مسح مناطق شاسعة لرصد هذه البصمة المغناطيسية لقلب خامينائي شخصيا .. وهكذا تم استهدافه ! واستهداف القادة الاخرين ! تلك هي القصة











