ذ.عبدالهادي باباخويا: سنة ذبح الأضحية في ضوء المقاصد الشرعية: قراءة تأصيلية في فقه النص وفقه الواقع

رشيد ياسين
8 دقيقة للقراءة
الاعلام

مقدمة:
تمثل شعيرة ذبح الأضحية إحدى السنن العظيمة التي ارتبطت بقصة الفداء الإبراهيمي، وأصبحت مظهراً من مظاهر التعبد والتقرب إلى الله تعالى في أيام النحر. غير أن المقصود من هذه الشعيرة لا يقف عند حدود الممارسة الشكلية أو الذبح المجرد، بل يتجاوز ذلك إلى جملة من المقاصد التعبدية والإجتماعية والإقتصادية التي أرادتها الشريعة الإسلامية.

وفي ظل التحولات الإقتصادية والإجتماعية التي تعرفها المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وما يرافقها من موجات الغلاء وتراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الهشاشة الإجتماعية، يثور سؤال فقهي ومقاصدي مهم: كيف يمكن المحافظة على شعيرة الأضحية مع مراعاة مقاصد الشريعة في رفع الحرج وحفظ مصالح المكلفين..؟ وهل تتحقق مقاصد الأضحية إذا تحولت إلى سبب للإستدانة والضيق والعنت..؟

تنطلق هذه القراءة من مقاربة أصولية مقاصدية، تستحضر النصوص الشرعية وأقوال العلماء قديماً وحديثاً، وتستهدف بيان العلاقة بين شعيرة الأضحية ومقاصد الشريعة الكلية، مع إبراز دور فقه الموازنات والمآلات في معالجة النوازل المعاصرة المرتبطة بها.

المحور الأول- الأضحية بين التعبد والمقصد الشرعي:

إن أول ما ينبغي استحضاره عند تناول شعيرة الأضحية، هو أنها عبادة مقصودة لذاتها من جهة التعبد، ومقصودة لغيرها من جهة ما تحققه من معانٍ ومصالح.

وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى:

{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37].

فالآية تنقل النظر من ظاهر الذبح إلى حقيقة التقوى، ومن الصورة الظاهرة إلى المعنى الحقيقي، ومن الوسيلة المتغيرة إلى المقصد الثابت.

ويؤكد الإمام أبو حامد الغزالي أن جميع التكاليف الشرعية، إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأن الشريعة جاءت لحفظ الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.. ومن هنا فإن الأضحية ليست غاية مستقلة عن مقاصد الشريعة الكبرى، بل هي جزء من منظومة متكاملة تتنزل في إطار تحقيق العبودية لله، وإشاعة التكافل والتراحم بين الناس.

يقول الإمام الشاطبي في بيان روح التكليف: “إن الشريعة وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل.”

وعليه فإن أي ممارسة للشعيرة تؤدي إلى إهدار هذه المصالح، أو الإضرار بالمكلفين تستدعي إعادة النظر في كيفية تنزيل الأحكام على الواقع..

المحور الثاني- القدرة المالية شرط في مشروعية الأضحية:

من القواعد المقررة في الفقه الإسلامي أن التكليف مرتبط بالإستطاعة، وأن العجز موجب للتخفيف أو الإسقاط.. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

وقال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها، وليست واجبة على المعسر.. ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأضحية مشروعة في حق المستطيع، أما من لم يجد سعة في ماله فلا يطالب بها شرعاً.

كما يؤكد ابن القيم أن الشريعة قائمة على العدل والرحمة والحكمة والمصلحة، وأن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تتحول إلى وسائل للعنت والمشقة المنافية لمقصود الشارع.

وفي السياق المعاصر شدد الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، على أن المسلم غير القادر لا يطالب بالأضحية، وأن استدانة الفقير لأجلها ليست من مقاصد الشرع، لأن رفع الحرج أصل قطعي من أصول الدين.

كما نبه الشيخ محمد الغزالي إلى خطورة تحويل السنن، إلى أعباء اجتماعية ونفسية تثقل كاهل الفقراء وتربط التدين بالمظاهر، أكثر من ارتباطه بحقائق الإيمان.

ومن الشواهد الدالة على هذا المعنى، ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يترك الأضحية أحياناً خشية أن يعتقد الناس وجوبها، وهو فقه عميق في مراعاة المآلات ورفع الالتباس عن المكلفين.

المحور الثالث- فقه الموازنات والمآلات في ظل الأزمات الاقتصادية:

من أبرز ما يميز الإجتهاد المقاصدي، قدرته على التعامل مع المتغيرات والنوازل دون إخلال بثوابت الشريعة. وقد قرر الإمام العز بن عبد السلام أن الشريعة تقوم على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وأنه إذا تعارضت مصلحتان أو مفسدتان وجب الترجيح بينهما وفق قواعد الموازنة الشرعية.

وفي فترات الغلاء والأزمات الإقتصادية قد تتغير أوصاف القدرة والاستطاعة التي ينبني عليها الحكم الشرعي، إذ إن المال الذي كان يعد فضلاً عن الحاجة قد يصبح ضرورياً لتأمين الغذاء أو العلاج أو التعليم أو السكن.

وفي هذا الإطار تبرز أهمية ما يسميه العلماء بفقه المآلات، وهو النظر في النتائج المتوقعة للأفعال قبل الإقدام عليها.

وفي هذا السياق يؤكد الدكتور أحمد الريسوني أن فقه المآلات، يمثل أحد أعمدة النظر المقاصدي، وأن تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع لا يكتمل إلا بمراعاة آثارها ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية.

ومن ثم فإن المحافظة على الإستقرار الأسري، وحماية الفئات الهشة من الإستدانة المرهقة، وصيانة الكرامة الإنسانية، كلها اعتبارات ينبغي أن تكون حاضرة عند الإفتاء والتنزيل.

المحور الرابع- الأبعاد الإجتماعية والإقتصادية لشعيرة الأضحية:

لا تقتصر الأضحية على بعدها التعبدي، بل تتضمن أبعاداً اجتماعية واقتصادية واضحة.. قال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].
فالآية تشير إلى مقصد التكافل الإجتماعي، وإشراك الفقراء في فرحة العيد. كما أن الأضحية تسهم في تنشيط قطاعات اقتصادية متعددة، تشمل تربية الماشية والنقل، والتجارة والخدمات المرتبطة بها.

غير أن تحقيق هذه المقاصد يتطلب ترشيد الممارسات المصاحبة للشعيرة، ومن ذلك:

* تشجيع صيغ الإشتراك المشروعة في البقر والإبل.
* توسيع دائرة الإنتفاع بالجلود ومخلفات الذبائح.
* الحد من مظاهر التبذير والإسراف.
* تطوير آليات التكافل الإجتماعي لمساعدة الأسر المعوزة.

وفي هذا الإطار يؤكد الإمام الغزالي، أن المال إنما جعل وسيلة لإقامة مصالح الناس، لا لإضاعتها أو تعطيل منافعها. ومن هنا فإن الإستفادة الرشيدة من موارد الأضحية، تدخل ضمن مقصد حفظ المال الذي يعد أحد الكليات الشرعية الكبرى.

المحور الخامس- مسؤولية العلماء والنخب في ترشيد الوعي الديني:

لا يقتصر دور العلماء على بيان الأحكام المجردة، بل يشمل أيضاً توجيه الناس نحو الفهم الصحيح للدين وربط النصوص بمقاصدها. يقول الإمام ابن القيم: “الشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.”

وهذا يقتضي أن تكون الفتوى مبنية على العلم بالنصوص والعلم بالواقع معاً، كما أن من واجب العلماء تحرير الناس من الضغوط الإجتماعية، التي تدفع بعضهم إلى التكلف والمباهاة، والمنافسة الإستهلاكية باسم التدين.

وفي هذا السياق يؤكد الشيخ محمد الغزالي، أن تجديد الخطاب الديني لا يعني تغيير الأحكام، وإنما إعادة إبراز روح الإسلام القائمة على اليسر والرحمة والإعتدال.

أما النخب الفكرية والمدنية، فإن مسؤوليتها تتمثل في الإنتقال من مجرد تشخيص المشكلات إلى اقتراح الحلول العملية، من خلال دعم المبادرات التضامنية، وتطوير برامج التكافل، وتعزيز ثقافة الإستهلاك الرشيد.

خاتمة:
تكشف إذن هذه القراءة المقاصدية لشعيرة الأضحية ، أن الشريعة الإسلامية لا تنظر إلى الذبح باعتباره غاية مستقلة، وإنما باعتباره وسيلة لتحقيق معانٍ أسمى، تتعلق بالتقوى والتكافل والرحمة وشكر نعمة الله. ومن ثم فإن المحافظة على هذه الشعيرة لا تنفصل عن المحافظة على المقاصد الكلية للشريعة، وفي مقدمتها رفع الحرج عن المكلفين وحفظ كرامتهم وتحقيق مصالحهم.

ثم إن فقه النص وفقه الواقع ليسا طريقين متعارضين، بل مساران متكاملان يلتقيان في خدمة المقصد الشرعي الأعلى: تحقيق العبودية لله، على وجه الرحمة والعدل والحكمة. ولذلك فإن الأضحية حين تؤدى في إطار الإستطاعة والإعتدال، تكون شعيرة جامعة لمعاني الإيمان والتكافل، أما إذا تحولت إلى باب للعنت أو الإستدانة أو التفاخر الإجتماعي، فإنها تفقد جانباً مهماً من حكمتها ومقاصدها التي شرعت من أجلها.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *