الباحث إدريس الصغيوار: عبادة الاستئذان المنسية – استئذان الزوجة الواجب – الجزء الثاني

WhatsApp Image 2026 05 12 at 20.30.15

في الجزء الاول من هذا المقال عالجنا موضوع الاستئذان كعبادة منسية من زاويته العامة في شق التزاور في الله والضيافة وصلة الرحم وما شابه . ونستكمل هنا الموضوع في حكم الاستئذان بين الزوجين شرعا ! في زمان اندرست فيه مفاهيم العشرة الزوجية ، واستشرت النسوية الغربية بين نساء المسلمين الا من رحم الله ، بمفاهيم تغوي وتخدع وتناقض المعلوم من الدين بالضرورة وما اجمع عليه الفقهاء ! ولا يتعلق الامر في ضياع الحقوق الزوجين بالمراة فقط فللرجل في كثير من الأحيان نصيب الاسد في التفريط مما يطول تفصيله وليس هاهنا محله، بل اغلب التفريط منه ولذلك جاء الوصية له بالنساء اكثر ! وانما موضوعنا هنا محصور في حيثية الاستئذان بين الزوجين . لقد شرع الله مفردات حسن العشرة بين الزوجين ، وجعل بينهما حقوقا وواجبات مشتركة ، ومن ذلك حق الزوجة على زوجها باعتباره مادة هذا المقال : قال ابن قدامة في المغني: وحق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه، لقول الله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت أمراً أحد أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهن عليهن من الحق. رواه أبو داود. انتهى. ومن حقوقه عليها : الاستئذان والطاعة في ذلك بما يقرره دون ضرر. ويشمل الاستىذان : الاستىذان في الخروج من البيت لزيارة او سفر. والاستئذان في إدخال أحد إلى البيت من اهلها أومن غيرهم . وسواء كان البيت مملوكا للزوج او للزوجة او مشترك بينهما فالمسؤول عنه هو الزوج ، فهو من يقرر من يدخل بيته ومن يسكن معه ومن يخرج ومن يدخل بل حتى لو كان السكن سكن والد الزوجة فالزوج احق بان تستأذنه لا والدها أو غيره لأنه هو المسؤول عليها بمقتضى الميثاق الغليظ اذ به تحولت مسؤولة القوامة من الوالدين إلى الزوج ، فلا يترتب على ملكية الزوجة او والدها للبيت نزع قوامته وحقه في طاعة زوجته واستىذانها له دخولا وخروجا فملكية العقار شيء له عقده وميثاقه ، والمسؤولية على تدبير الحياة داخل العقار شيء اخر له عقده وميثاقه ولا تضارب بين العقدين والميثاقين فتأملها جيدا ! كما قال صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. رواه البخاري ومسلم. فرعاية الاهل موجبة لاستئذانها ! والإذن الذي يأذن به الزوج لزوجته نوعان : إذن عام وإذن خاص . فالإذن العام : ان ياذن الرجل لزوجته بالخروج لقضاء حوائجها إذن عاما لا تحتاج للرجوع اليه في تلك الامور كالخروج للسوق والعمل ان كانت تعمل وزيارة الاهل والارحام وحضور حلق الذكر وغير ذلك من المصالح . فهذا لا حرج للزوجة فيه من عدم الاستىذان ويكفي فيه الإخبار والإحاطة كما هو معتاد ومتعارف بينهما . او الاذن لدخول اي من ارحامها واهلها وجيرانها وصديقاتها دون الرجوع اليه كما جرى به العرف غالبا . والإذن الخاص : هو ما استثناه الزوج من الإذن العام كالسفر الى مدينة او بلاد أخرى ، أو المبيت عند الارحام او التأخر لفترة طويلة عند الارحام ونحوه لسبب من الاسباب ، ونحو ذلك. وما لم يكن الزوج مانعا لزوجته من صلة رحمها وياذن لها بالصلة والتزاور فاستئذانه في ما عدى ذلك واجب عليها اتفاقا . ويلحقها الاثم والعقوبة الالهية على مخالفة ذلك. فقد اتفق الفقهاء على حرمة خروج الزوجة – لغير ضرورة أو واجب شرعي – بغير إذن زوجها، ويَعُدُّون الزوجة التي تفعل ذلك زوجة ناشزة. ومثلها أيضا الفتاة التي تخرج من بيت وليها من غير إذنه. وعادة ما تكون الزوجة الناشز الخراجة ( الكثيرة الخروج من البيت ) بلا استئذان جاهلة بشرع الله من جهة وتعودت خروجها هذا وهي في بيت والديها من غير إذنهما معصية وعنادا وسوء خلق حتى إذا تزوجت استهجنت من زوجها بل من شرع الله ان يمنعها من الخروج إلا بإذن زوجها ! وتجد منهن من تقول لو علمت ان الزواج يقيد حريتي لما تزوجت !! وكانها تقول لو علمت ان الله يقيد حريتي لما آمنت به !! فإن ذلك هو لازم كلامها وهي تعلم ان من اوجب استئذان الزوج في الخروج هو الله. المراة الصالحة شعارها ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا ان تكون لهم الخيرة من أمرهم ) فطاعتها لزوجها في المعروف واستئذانها في الخروج والدخول والسفر عبادة اختارها الله لها وشرعها لها وامرها بها رحمة منه بحكمته فلا وجه للاعتراض على حكم الله الحكيم الخبير ! فباتفاق المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ ، والمالِكيَّةِ ، والشَّافِعيَّةِ ، والحَنابِلةِ لا تخرُجُ المرأةُ مِن بَيتِ زَوجِها إلَّا بإذنِه. ودليلةذلك 1- عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا استأذَنَكم نِساؤُكم باللَّيلِ إلى المسجِدِ، فأْذَنوا لهنَّ )) وَجهُ الدَّلالةِ: استُدِلَّ به على أنَّ المرأةَ لا تَخرجُ مِن بَيتِ زَوجِها إلَّا بإذنِه؛ لِتَوجُّهِ الأمرِ إلى الأزواجِ بالإذنِ 2- أنَّ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أتأذَنُ لي أن آتيَ أبوَيَّ؟ )) وَوجهُ الدَّلالةِ من الحديث: في الحديثِ أنَّ الزَّوجةَ لا تذهَبُ إلى بيتِ أبوَيها إلَّا بإذنِ زَوجِها ثانيًا: أنَّ الخُروجَ مِن بَيتِ زَوجِها بدون إذنِه مِن النُّشوزِ. قال العراقي في “طرح التثريب” (8/58) : “فيه : أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بإذن زوجها ” انتهى. وجاء في (مطالب أولي النهى) (5/271) : “ويحرم خروج الزوجة بلا إذن الزوج أو بلا ضرورة ، كإتيانٍ بنحو مأكل ; لعدم من يأتيها به قال ابن حجر الهيتمي: وإذا اضطرت امرأة للخروج، لزيارة والد: خرجت بإذن زوجها، غير متبرجة. ونقل ابن حجر العسقلاني عن النووي عند التعليق على حديث: إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن أنه قال: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن ” جاء في ” الموسوعة الفقهية ” (19/107): ” الأصل أن النساء مأمورات بلزوم البيت، منهيات عن الخروج… فلا يجوز لها الخروج إلا بإذنه – يعني الزوج -. ) إن جداتنا وأمهاتنا على أميتهن وقلة حفظهن لنصوص الاحكام كن يمتثلن لهذه الأحكام ويعلمن بالاصول المعتادة أن هذا حكم الله لا مرية فيه ، وهذه الاصول هي نتاج فقه شرعي تاصل بين الاسر على مر الازمان فاصبح اصلا يحكم البيوت ويديرها لا يناقش ولا يجادل فيه ، ولهذا تسمع عن البيت الفلاني بيت أصول ..وعن الجهة الفلانية جهة أصول ..وعن الرجل الفلاني ابن اصول ..وعن المراة التي تستأءن زوجها بنت أصول ! اي تربت من صغرها

الباحث إدريس الصغيوار: الإسلاميون .. وفقه إدارة الخلاف ..!

WhatsApp Image 2026 05 05 at 13.29.37

في الخلاف تتميز العقول ..وتتمايز الأخلاق ..وتظهر من الحقاىق ما لا تظهر في غيره ! ولا شك ان الطبيعة البشرية تختلف من إنسان إلى آخر في مواطن الغضب ..فمنهم من يسبقه لسانه ومنهم من تسبقه يده ومنهم من يتجاسر على الأذى ..ومنهم من يسكت ويصبر ويحتسب فإذا رد رد بأدب وهدوء وإنصاف ! حتى الأنبياء في هذا يتفاوتون وتامل فيى قصة موسى عليه السلام مع أخيه هارون حين ألقى الألواح وأخذ بلحية اخيه يشده إليه قبل ان يتثبت من خبره !! والصحابة وقع منهم بسبب الغضب مشاداة وصراع وأمور تروى وأخرى تطوى ولا تروى !.. فمثل هذا يقع .. لكن اذا سكت الغضب عن الصلحاء اصلحوا ( ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح ..) لذلك نقول إن الخلاف بين الإسلاميين واقع لا محالة اذ العمل الإسلامي والإصلاح مناخ وساحة لاجتهادات فقهية وعقلية في وسائله وادواته وأهدافه! وعليه فالخلاف فيها سائغ في حدوده ويلزم منه الأدب والتزام قواعد الخلاف واثاره كما هو الحال في خلاف المذاهب ! لا تخاصم ولا تضاد ولا لوم ولا عداوة او شحناء إنما هو الحوار والتناصح بالآداب الشرعية والقواعد المرعية ! ومن هذا المنطلق لا يقبل التعيير في التعبير عن الموقف بين الإصلاحيين لا من الإسلاميين ( اصحاب المرجعية الاسلامية في برنامج الإصلاح ) ولا حتى من غيرهم إذ الاخلاق والآداب مشترك إنساني جاء الإسلام لإكمال صرحه كما في الحديث ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). من المعيب حقا ..ان يتجاهل زعماء الإصلاح هذه المفاهيم البسيطة المعروفة ! من غير المقبول ان يكون السلوك في إدارة الخلاف على الإصلاح نفسه بعيدا عن أبسط مظاهر الصلاح وقيمه وصوره ! نقول هذا لأن اثنين من زعماء الدعوة والاصلاح والصبغة الإسلامية ..كلاهما يغطي خده الشريف شعر من لحية كإيحاء على السنة والتوجه ! قل اوكثر !! كلاهما يعمل تحت مظلة الثوابت الوطنية الدينية المغربية .. وبمرجعية اسلامية واحدة ..وبانفتاح سياسي واجتماعي وحقوقي ومدني واحد تقريبا ! كلاهما يهدف الى اصلاح المجتمع .. كلاهما ينشد الوحدة .. اذن ما الذي يجعل الخلاف واقعا بينهما ؟ لا بل ما الذي يجعل اسلوب الخلاف وادارته يحصل بلغة لا يقبلها السمت الاسلامي ؟! ولا حتى العرف المغربي الاصيل! دعك من الموضوع الذي اختلفا عليه ! دعك من التنافس على الصوت او الاتباع او البرنامج الإصلاحي عموما في السياسة والاجتماع فهذا كله موضوع خلاف سائغ لا يلزم منه الخروج على قواعد الشريعة والعرف والآداب والذوق العام ! فلغة إدارة الخلاف بينهما وحدها تنبي عن تجاوزات لا تقبل ! فالتعيير والتخوين والاقصاء والنبز والهمز ما كان يوما خلقا مقبولا بين المسلم واخيه ! فاذا وقع فليس بصاحب خلق من يصر عليه و يطبّعه ويزينه ويقرره كأسلوب للحوار والتدافع ! لا سيما اذا كان قدوة يشار اليه في زعامة الاصلاح بالبنان !فإن وقع فهي الجاهلية الأولى نفسها .. ! وهي مؤذننة بأن تصبح سلوكا عاما بين ابناء الجماعة الواحدة والحزب الواحد و( الفرقة ) الواحدة !! فلا ترى بينهم إلا لغة السب والتعيير !! إذا رأيت رب البيت للطبل ضاربا – فشيمة أهل البيت كلهم الرقص . في صحيح مسلم : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : إنَّه كان بَيني وبينَ رَجُلٍ مِن إخواني كَلامٌ، وكانَت أُمُّه أعجَميَّةً، فعَيَّرتُه بأُمِّه، فشَكاني إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَقيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّةٌ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، مَن سَبَّ الرِّجالَ سَبُّوا أباه وأُمَّه، قال: يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّةٌ، هُم إخوانُكُم) وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم : ( أنَّ أبا ذَرٍّ وبلالًا تَغَاضَبَا وتَسَابَّا وفي ثورةِ الغضبِ قال أبو ذَرٍّ لبلالٍ : يا ابنَ السَّوْدَاءِ فشكاه بلالٌ إلى النبيِّ فقال النبيُّ لأبي ذَرٍّ : أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ إنك امْرُؤٌ فيك جاهِلِيَّةٌ). هكذا هي أخلاق الاسلام ..التي يستوي في العلم بها العالم والجاهل ..فأصغر تلميذ عند عالم وأقل كادر عند رئيس حزب يعلم الفروق بين النصيحة والتعيير .. فالنصيحة اصلاح والتعيير إفساد ..وشتان بين الأمرين ! كلنا نخطىء ونقع في فترات غضب او نوبات اسوأ ..لكن الوقوع في الخطا شيء و البقاء عليه وتقريره شيء اخر ! وما لم يتجاوز المصلح ذلك باعتذار وتجاوز فالتقرير حاصل لا محالة مع سبق الإصرار والترصد ( كل ابن ادم خطاء وخير الخطائين التوابون .. ). زلة المصلحين من القادة تدق لها الطبول ..لا سيما اذا حسبها العوام من التابعين انها حذاقة سياسيةوقوة شخصية وبأس وقدرة على الدفع ! كما يروجه الغوغاء الآن من أتباع الطرفين وهم لا يشعرون !!! هنا لا تدق الطبول فقط بل تنفخ لها المزامير ..وتدبج فيها المقالات وتصبح مادة دسمة لأعداء الطرفين لنسفهما اخلاقيا وأدبيا أولا ..وسياسيا في الساحة ثانيا ! اذن فأدب الاعتذار وتصحيح الموقف كفيل بأن يلغي تطبيع السفاهة في التعبير عن المواقف ..فالمعتذر أستاذ يعلم العالم درسا في فقه الاصلاح .. فيكون اعتذاره دليلا على حكمته وقوة عقله ! ويبقى قدوة حتى وان أخطأ ..كما قيل : ايها الخطا لست شرا فمنك اتعلم الصواب ! من ذا الذي ما ساء قط – ومن له الحسنى فقط . تأمل في تعيير شخص بسبب هيئته وهي نفسها هيئة النبي صلى الله عليه وسلم في شكله ..كيف يمكن ان توحي بأنه يطال السنة نفسها !! ولاسيما وهو نفسه الوصف الذي يستعمله الجهلة اذا ارادوا تشويه الملتزمين المصلحين !! وهذا أمر خطير من الناحية العلمية السلوكية وتكون خطورته أشد على الأتباع ! فاللحية من شعائر الله المجمع عليها بين المذاهب بلا خلاف ! ومن يعظم شعاىر الله فإنها من تقوى القلوب .. فوصفها بوصف شائن لتشويه صاحبها يطال السنة والشعيرة نفسها بقصد او بغير قصد ! ومن جهة أخرى تأمل في رجل يزعم الإصلاح – سمع أن اخاه لا يرى الصلاة خلفه لاجتهاد يراه متعلق بالسلوك وتمام شروط الإمامة في نظره !! ..كيف يجرؤ الاخر بجهل على اتهام من لا يرى الصلاة خلفه! وتخوينه ونقل موضوع الخلاف نقلة بعيدة عن دائرته لتتسع الى تصفيات سياسية وتحريش واختلاق !! هذا مما لا يليق بخلق الدعاة! فهذا سلوك لا يعكس شخصية عالم ولا مصلح ..فالمصلح لا يفسد ولا يحرش على أخيه المصلح بل يعذره ويتفانى في التجاوز ولا يحمل الكلام ما لا يحتمل ففي النهاية كلاهما على الهدف نفسه وعلى الطريق نفسه فزوال أحدهما او إقصاؤه يضر بالآخر بلا شك ! فمن يتأمل !؟!! لا يضر القائد أن يخطىء فعلى كتفه من أعباء هم القيادة ما يجعله يغفو في الطريق هذا امر نتوقعه ! لكن لامجال لجعل الخطأ قدوة ! فالحق يعلو ولا يعلى عليه

الباحث إدريس الصغيوار: عبادة الاستئذان المنسية – الحلقة الأولى –

telechargement 9

  استهل بطرح الإشكال كسبب وجيه لكتابة هذا المقال ، وهو سؤال كالتالي: من منا لا يغضب إذا طرق باب بيت أحدهم فجاة ، فأجابه صاحب البيت بأن له عذرا في استقباله وقال له زرنا فيما بعد يكون الحال أنسب ؟!! ومن منا لا يغضب ويظن ظن السوء اذا تجاهل احد اتصاله او رسائله لظرف هو لا يعلمه ؟!! طبعا نستثني من هذا الزائر او المتصل الذي يطرق لسبب اضطراري ملح أو زائر من مدينة بعيدة او نحو ذلك فهذا وضع استثنائي نادر له حكم النادر. فبلا شك أن كل من يطرق باب بيت قريبه او صاحبه – لزيارة عادية في وقت مناسب – ينتظر الدخول فورا ( بلا تردد) ويرى من المهانة والاحتقار في حقه ان يقال له ارجع. مع ان الله جل وعلا أعطى لصاحب البيت حق الإرجاع والاعتذار وحث الزائر بالامتثال لذلك نقاء وتزكية لنفسه فجعل فعله هذا عبادة . قال تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم ) فمجرد الرجوع بطيب نفس عبادة هي ما سميناها هنا ( عبادة الاستئذان ) ولذلك قال ابن كثير في تفسيرها أي : إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ( فارجعوا هو أزكى لكم ) أي : رجوعكم أزكى لكم وأطهر ( والله بما تعملون عليم ) . وتأمل في بعض الصحابة كيف فهم هذه العبادة فظل عمره ينتظر أحدا يرده من الباب فيمتثل عبادة لله : قال قتادة : قال بعض المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني ، فيقول لي : ” ارجع ” ، فأرجع وأنا مغتبط ، لقوله: ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) . وقال سعيد بن جبير : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) أي : لا تقفوا على أبواب الناس. بل ورد الاستىذان حتى على بيوت الأمهات : قال ابن مسعود يقول : عليكم الإذن على أمهاتكم . ولا يزال أدب كهذا معمولا به عند كثير من الأسر كأصل جاري به العمل فتجد الابن اذا أراد زيارة والدته يتصل عليها ويخبرها بمجيئه وذلك بأن يسألها عن حاجات يقضيها لها قبل المجيء فتعلم بمجيئه وتخبره بحاجاتها فيكون ذلك بمثابة إذن بالمجيء والدخول عليها. بل بشمل أدب الاستئذان استئذان الزوج على زوجة استحبابا قبل الدخول لتعطى فرصة تهيئة الحال والمقام كما تحبه لنزعتها الفطرية في ذلك ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال : لا . قال ابن كثير تعليقا عليه : وهذا محمول على عدم الوجوب ، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به ، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها . ولا يزال اهل المدينة في فاس يعملون بهذا الأصل إذا دخلوا بيوتهم ( رفعوا اصواتهم : الطريق .. الطريق.. وكأنهم داخلوا بيت غريب وما ذلك الا من قبيل الاستىذان ادبا وتعبدا وهو اصل له اهله من الصحابة والتابعين فعن أبي هبيرة قال : كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس – تكلم ورفع صوته . وعن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، أنه قال : إذا دخل الرجل بيته ، استحب له أن يتنحنح ، أو يحرك نعليه . والنهي معلوم عن طرق الرجل اهل بيته ليلا وهذا كله داخل في معنى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) . تستانسوا أي تستأذنوا . وكما يكون الاستىذان عند باب البيت يكون بأصوله وادبه فلا يقف الزائر مقابل الباب وانما بجانبها ايمنها او ايسرها غاضا بصره حتى لا يرى ما بداخله قبل ان يؤذن له ، ولا يرى محارمه اذا كان اجنبيا ، ويكون لفظ الاستئذان بالسلام وقول ( هل أدخل ) او ما يقوم مقام ذلك من العبارات عرفا ؛ فإذا سئل عن هويته اجاب أنا فلان يعرف بذلك بنفسه ، لا ان يقول ( قريب ) كما هو شائع ، فالقرابة لا تنحصر . وقد ورد في كل هذه الامور نصوص صحيحة معروفة . كما ان اوقات الزيارة لها اعتبارها حتى قبل الاستىذان ، منعا للحرج ، وهي تتغاير تغاير ظروف الناس فهناك اوقات معلومة بالضرورة بالحرج كوقت النوم والقيلولة وجوف الليل وبعد الفجر ، وحسب حال اهل البيت ان كانوا ممن يعملون ليلا وينامون نهارا لطبيعة عملهم الى ما هنالك من الاحوال التي تقدر حسب ظروف اهل البيت. وعبادة الاستئذان لا تنحصر في باب البيت بل تشمل في زماننا هذا الهاتف ، فليس كل متصل يتوجب الرد عليه في الحين ، فالمتصل طارق مستأذن فان رد عليه صاحب الهاتف فبها ونعمت وان لم يرد فله عذره ، وهو داخل في قوله تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) ، لا سيما مع وجود بدائل الرسائل الصوتية والكتابية على مواقع التواصل فهي تتيح التواصل بأريحية تعطي لعبادة الاستىذان مساحة كافية ، اللهم الا اذا كان الاتصال ملحا لسبب ضروري مستعجل فهذا من الخاص الذي له حكمه ويعذر صاحبه. وقد ألف العلامة بكر أبوزيد رحمه الله كتابا نفيسا صغير الحجم سماه : (ادب الهاتف) جمع فيه أدابا نفسية . . وهو متاح للتحميل على النت. وتأمل مثلا صبيحة عيد الأضحى كيف تتحول شعيرة صلة الرحم والتواصل إلى ازمة حقيقة مع من يصر على التواصل المباشر بالهاتف كدليل على التقدير والمحبة وهي خصلة محمودة من حيث النية والدافع لكنها قد لا تكون حكيمة في كل وقت، فلو فرضنا ان عدد المحبين مائة نفر من الاقارب والارحام و ومثلهم من الاصدقاء فهذه قبيلة بعددها !! فكم يحتاج المرء من الوقت والجهد والطاقة ليرد عليهم فردا فردا فلو أعطي لكل فرد دقيقتان فقط فسيكون المجموع ست ساعات على أقل تقدير ..فمتى سيجلس مع أهله ومتى سيذبح الأضحية ومتى سيلبس و يستريح من عناء صبيحة العيد . مع ان التواصل برسائل صوتية على الواتساب تتيح للمرء فرصة الرد باريحية ولا تنقص من الود ولا من المحبة شيئا وعيد الأضحى ثلاث أيام بلياليها . إن عبادة الاستئذان من العبادات المنسية بحسن النية ، عند معظم المتزاورين ، اذ تغطي الرغبة في الزيارة والتواصل هذا الأدب النفيس أدب الاستئذان ، وإذا كان التزاور وصلة الرحم عبادات عظيمة لها فضلها واثرها ، ولا يقوم بها الا من احبه الله ووصله فان هذه العبادات تؤدى على ما اراده الله ورضيه لا بالهوى والرغبات خلاف الأصول الشرعية والأعراف المرعية ، وكما قال ابن مسعود : رب مريد للخير لم يبلغه .

الباحث إدريس الصغيوار يكتب: الإغراق

01de346e 3035 49de 880c b35f5e82d2f3 1 1

الإغراق حتى وإن كانت الفكرة (كِذبة)! فتأكد أن تكرارها ونشرها على أوسع نطاق بكل وسائل النشر يجعلها تستقر في عقول أكثر المتلقين على شكل حقيقة بل وتستقر كذلك أيضا في عقلية الكاذب نفسه . ذلك ان الناس يتفاوتون في امتلاك معايير الحكم على الأفكار بحسب الاطار العلمي للفكرة نفسها ، وتغاوت ثقافة الناس أنفسهم ، ومدى تفرغهم للتحري عن الحقائق ، وميلهم العاطفي والقبلي والإيديولوجي وغير ذلك من العوامل .. فطرح الأفكار في بيئة هذا وصفها ، يجعلها دائما محط تنازع بين المتلقين ، وهم في الجملة طرفان و وسط (مؤيد و معارض وممتنع عن التصويت ) . هناك عامل واحد في هذا المناخ يجعل الفكرة مقبولة أكثر عند هذا الطرف او ذاك بغض النظر عن مصداقيتها ! إنه الإغراق ! هذا المصطلح ظهر كأداة تستعمل لتسويق الأفكار من خلال جعلها الأكثر تداولا على منصات تداول الأفكار في الإعلام خصوصا وفي مواقع التواصل بشكل أخص. فمهما كانت طبيعة الخبر، أو التحليل ، او حتى الفتوى فيكفي ان تجعل رموزا من الوسط الإعلامي تبثها ، ثم يتولى آخرون إغراق المحتوى العام لمواقع التواصل وغيرها بمضمون الفكرة بأساليب مختلفة هذا يحلل، وذاك يزكي والاخر يشرح والرابع يختصر والخامس يبارك وهكذا يتوالى النشر حتى تصبح الفكرة في الطليعة (ترند) لوسم يصل العالمية ، ومحتوى يتربع على راس قمة نتائج البحث ، ومضمون يستوعب كل (كلمات البحث ) التي قد تخطر على بال الباحث في الموضوع..فتصبح الفكرة بهذا مثل بضاعة يغرق بها السوق أينما ذهبت تجدها بأفضل العروض ، وأعلى جودة وأقل كلفة . هذا الإغراق ( إغراق المحتوى ) الان هو أداة حرب في مشروع (حرب الأفكار) التي يخوضها أرباب الإيدلولوجات (رقميا ) ، من دول وأحزاب وجماعات وفرق ، وشخصيات عامة ، بغض النظر عن مصداقية افكارهم من عدمها . خذ كمثال عام على ذلك ما يمارسه المذهب الشيعي مدعوما من دول محددة اولها (ايران ) من ممارسة لهذا الإغراق بتأسيس كم هائل من المواقع الإليكترونية والشبكات والبوابات والتطبيقات وصفحات مواقع التواصل وصفحات اليوتيوب بمحتوى فقهي وعقدي وفكري شيعي محض ، تزاحم به المحتوى السني بالكلمات الدلالية نفسها ، فيصبح على هذا الحال الفقه الشيعي مزاحما للفقه السني في شبكة الويب ومواقع التواصل وإذا لم يكن للمتلقي حصانة علمية يميز بها مصدر المعلومة فسيقع في فخ الإغراق ويأخذ المعلومة من الفقه الشيعي على أنها فتوى من المذهب السني وقس على ذلك. الأمر نفسه يحدث حينما يريد اتجاه ما ترويج أفكار دخيلة على ثوابت المجتمع الدينية مثلا ، اذ يعمد إلى إغراق مواقع التواصل بأفكاره بشكل ممنهج يعتمد على الكم الهائل للنشر بوتيرة ثابتة تضمن جعل أفكاره الأكثر تداولا مهما كانت بعيدة عن المجتمع وثوابته ، هذا الإغراق يتخذ أشكالا تبعا لطبيعة الفكرة المراد نشرها فتارة تتحد العصابة على نشر الموضوع نفسه بشكل مكثف في الوقت نفسه بالشكل نفسه، وتارة تتكامل الأدوار هذا يبث والثاني يحلل والثالث يؤيد وهكذا ، وتارة تختلف المواضيع في التفاصيل لكنها تكون تحت الموضوع العام نفسه ، وكمثال على ذلك .. الحملة على صحيح البخاري بل والبخاري نفسه ، فالإغراق هنا استهدف بشكل عام نسف مصدرية السنة للتشريع ، اي تهميشها من التشريع لفتح الباب أمام الافكار المستوىدة لتحل محلها . فهذا هو الموضوع العام ، ولكن الحملة على صحيح البخاري هي فقط محور من محاور الحملة على الحديث والسنة عموما ، والمحاور الأخرى تأتي تبعا وهي مثلا تضعيف الحديث بالعقل مطلقا وليس بالعقل المقطوع به، والتشكيك في قواعد تصحيح الحديث ، والتشكيك في امر تدوين الحديث اصلا ، والطعن في الصحابة ، وغير ذلك .. الحملة على صحيح البخاري إذن جزء من مشروع الحرب على الحديث ومكانته كمصدر للتشريع ، وإغراق المحتوى بفكرة التشكيك في مصداقية كتاب صحيح البخاري لا يتوقف عند حدود محلية بل يتجاوز ذلك إلى العالم الإسلامي ، ففي كل قرية من قراه يوجد أكابر مجرميها ليمكروا فيها وهم الذين تولوا مهمة التشكيك والهجوم الممنهج على صحيح البخاري ، بلغة واحدة ، في وقت واحدة ، بوسم عالمي واحد ! مايعني أنه إغراق عالمي يعكس فعليا مشروع حرب لأفكار .. أمام واقع كهذا يصبح من آكاد مسؤوليات المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية ، والعلماء والدعاة والناشطين ، ان يضطلعوا بأدوارهم ومسؤولياتهم لحماية الثوابت والخصوصيات الدينية المغربية من هذ الإغراق ، بالانخراط فعليا في صناعة المحتوى القيمي بشكل أنشط يتجاوز الإغراق المضاد ، ويجعل بضاعته كاسدة في المعترك الرقمي الفكري والديني والعقدي. هناك جهود جبارة تبذلها مؤسساتنا العلمية والفكرية من خلال بوابة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ،هناك محتوى غاية في الإبداع والتكامل والجمال، وهذه الجهود لمن تتبعها ووقف عليها حقيقة لا تكاد تجدها في معظم الدول الإسلامية اليوم ، وتتمثل في صناعة كم هائل من المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة في فروع كثيرة من العلوم الشرعية والفكر والثقافة الإسلامية ، ويقوم عليها علماء ومفكرون وباحثون على أعلى مستويات التخصص والتمكن العلمي تحت ظلال وزارة الاوقاف والرابطة المحمدية للعلماء والمجالس العلمية باستراتيجية علمية يؤطرها المذهب المالكي في كل حقل علمي، ناهيك عن جمعيات مؤسسات المجتمع المدني ، وكلها ترصد لها ميزانيات ضخمة ، بل والمحتوى العلمي للدروس الحسنية الموسمية أيضا يأتي في هذا السياق، فمثلا على مستوى الحديث هناك مركز بن القطان للحديث بالعرائش ، ومركز إحياء الثرات،بالرباط التابعان للرابطة المحمدية للعلماء ، ولهما جهود كبيرة في التعريف بالحديث والدفاع عنه من خلال موقعيهما واصداراتهما ومجلاتهما الحديثية ونشاطاتهما عموما ويقوم عليهما علماء وباحثون اكفاء من الطراز الاول أمثال الدكتور محمد السرار والدكتور عبداللطيف الجيلاني وغيرهم . وقس على ذلك عشرات المراكز التابعة للرابطة ، وايضا المحتوى الحديثي لموقع وزارة الاوقاف نفسه ، ومنصة محمد السادس للحديث بمتزاها العلمي الرائع، فاذا تتبعت مثلا اصدارات مجلة الحديث لمركز إحياء التراث فستجده نشر بحوثا نفيسة في الدفاع عن صحيح البخاري ، فهو اذن يواكب الاحداث ويتفاعل ويرد ويصحح الافكار …لكن اين الإغراق .. هذا ما ندندن حوله . ان تلك الجهود المبذولة يجب ان تصل الى هواتف المغاربة ، باشكال مختلفة تغرق هواتفهم ومواقعهم للتواصل كما اغرقتها منشورات التسعة رهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فالجهود التي تبذلها مؤسساتنا العلمية الرسمية فيها الخير والبركة لكنها تفتقر الى عنصر النشر على نطاق واسع فاذا وقع واغرقت المحتوى بمضمونها النوراني، فستجد بالتأكيد تفاعلا عظيما معها من قبل المتلقين، وسيبطل سحر التسعة رهط ويُغلبون، ومعهم سائر السحرة أيا كان مكانهم ممن يطعنون في ثوابتنا الدينية وخصوصياتنا الفقهية .