في الخلاف تتميز العقول ..وتتمايز الأخلاق ..وتظهر من الحقاىق ما لا تظهر في غيره !
ولا شك ان الطبيعة البشرية تختلف من إنسان إلى آخر في مواطن الغضب ..فمنهم من يسبقه لسانه ومنهم من تسبقه يده ومنهم من يتجاسر على الأذى ..ومنهم من يسكت ويصبر ويحتسب فإذا رد رد بأدب وهدوء وإنصاف !
حتى الأنبياء في هذا يتفاوتون وتامل فيى قصة موسى عليه السلام مع أخيه هارون حين ألقى الألواح وأخذ بلحية اخيه يشده إليه قبل ان يتثبت من خبره !! والصحابة وقع منهم بسبب الغضب مشاداة وصراع وأمور تروى وأخرى تطوى ولا تروى !.. فمثل هذا يقع .. لكن اذا سكت الغضب عن الصلحاء اصلحوا ( ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح ..)
لذلك نقول إن الخلاف بين الإسلاميين واقع لا محالة اذ العمل الإسلامي والإصلاح مناخ وساحة لاجتهادات فقهية وعقلية في وسائله وادواته وأهدافه! وعليه فالخلاف فيها سائغ في حدوده ويلزم منه الأدب والتزام قواعد الخلاف واثاره كما هو الحال في خلاف المذاهب ! لا تخاصم ولا تضاد ولا لوم ولا عداوة او شحناء إنما هو الحوار والتناصح بالآداب الشرعية والقواعد المرعية !
ومن هذا المنطلق لا يقبل التعيير في التعبير عن الموقف بين الإصلاحيين لا من الإسلاميين ( اصحاب المرجعية الاسلامية في برنامج الإصلاح ) ولا حتى من غيرهم إذ الاخلاق والآداب مشترك إنساني جاء الإسلام لإكمال صرحه كما في الحديث ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
من المعيب حقا ..ان يتجاهل زعماء الإصلاح هذه المفاهيم البسيطة المعروفة ! من غير المقبول ان يكون السلوك في إدارة الخلاف على الإصلاح نفسه بعيدا عن أبسط مظاهر الصلاح وقيمه وصوره !
نقول هذا لأن اثنين من زعماء الدعوة والاصلاح والصبغة الإسلامية ..كلاهما يغطي خده الشريف شعر من لحية كإيحاء على السنة والتوجه ! قل اوكثر !!
كلاهما يعمل تحت مظلة الثوابت الوطنية الدينية المغربية .. وبمرجعية اسلامية واحدة ..وبانفتاح سياسي واجتماعي وحقوقي ومدني واحد تقريبا !
كلاهما يهدف الى اصلاح المجتمع ..
كلاهما ينشد الوحدة ..
اذن ما الذي يجعل الخلاف واقعا بينهما ؟
لا بل ما الذي يجعل اسلوب الخلاف وادارته يحصل بلغة لا يقبلها السمت الاسلامي ؟! ولا حتى العرف المغربي الاصيل!
دعك من الموضوع الذي اختلفا عليه ! دعك من التنافس على الصوت او الاتباع او البرنامج الإصلاحي عموما في السياسة والاجتماع فهذا كله موضوع خلاف سائغ لا يلزم منه الخروج على قواعد الشريعة والعرف والآداب والذوق العام !
فلغة إدارة الخلاف بينهما وحدها تنبي عن تجاوزات لا تقبل ! فالتعيير والتخوين والاقصاء والنبز والهمز ما كان يوما خلقا مقبولا بين المسلم واخيه ! فاذا وقع فليس بصاحب خلق من يصر عليه و يطبّعه ويزينه ويقرره كأسلوب للحوار والتدافع ! لا سيما اذا كان قدوة يشار اليه في زعامة الاصلاح بالبنان !فإن وقع فهي الجاهلية الأولى نفسها .. ! وهي مؤذننة بأن تصبح سلوكا عاما بين ابناء الجماعة الواحدة والحزب الواحد و( الفرقة ) الواحدة !! فلا ترى بينهم إلا لغة السب والتعيير !!
إذا رأيت رب البيت للطبل ضاربا – فشيمة أهل البيت كلهم الرقص .
في صحيح مسلم : عن أبي ذر رضي الله عنه قال : إنَّه كان بَيني وبينَ رَجُلٍ مِن إخواني كَلامٌ، وكانَت أُمُّه أعجَميَّةً، فعَيَّرتُه بأُمِّه، فشَكاني إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَقيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّةٌ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، مَن سَبَّ الرِّجالَ سَبُّوا أباه وأُمَّه، قال: يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّةٌ، هُم إخوانُكُم)
وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم : ( أنَّ أبا ذَرٍّ وبلالًا تَغَاضَبَا وتَسَابَّا وفي ثورةِ الغضبِ قال أبو ذَرٍّ لبلالٍ : يا ابنَ السَّوْدَاءِ فشكاه بلالٌ إلى النبيِّ فقال النبيُّ لأبي ذَرٍّ : أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ إنك امْرُؤٌ فيك جاهِلِيَّةٌ).
هكذا هي أخلاق الاسلام ..التي يستوي في العلم بها العالم والجاهل ..فأصغر تلميذ عند عالم وأقل كادر عند رئيس حزب يعلم الفروق بين النصيحة والتعيير .. فالنصيحة اصلاح والتعيير إفساد ..وشتان بين الأمرين !
كلنا نخطىء ونقع في فترات غضب او نوبات اسوأ ..لكن الوقوع في الخطا شيء و البقاء عليه وتقريره شيء اخر ! وما لم يتجاوز المصلح ذلك باعتذار وتجاوز فالتقرير حاصل لا محالة مع سبق الإصرار والترصد ( كل ابن ادم خطاء وخير الخطائين التوابون .. ).
زلة المصلحين من القادة تدق لها الطبول ..لا سيما اذا حسبها العوام من التابعين انها حذاقة سياسيةوقوة شخصية وبأس وقدرة على الدفع ! كما يروجه الغوغاء الآن من أتباع الطرفين وهم لا يشعرون !!!
هنا لا تدق الطبول فقط بل تنفخ لها المزامير ..وتدبج فيها المقالات وتصبح مادة دسمة لأعداء الطرفين لنسفهما اخلاقيا وأدبيا أولا ..وسياسيا في الساحة ثانيا !
اذن فأدب الاعتذار وتصحيح الموقف كفيل بأن يلغي تطبيع السفاهة في التعبير عن المواقف ..فالمعتذر أستاذ يعلم العالم درسا في فقه الاصلاح .. فيكون اعتذاره دليلا على حكمته وقوة عقله ! ويبقى قدوة حتى وان أخطأ ..كما قيل : ايها الخطا لست شرا فمنك اتعلم الصواب !
من ذا الذي ما ساء قط – ومن له الحسنى فقط .
تأمل في تعيير شخص بسبب هيئته وهي نفسها هيئة النبي صلى الله عليه وسلم في شكله ..كيف يمكن ان توحي بأنه يطال السنة نفسها !! ولاسيما وهو نفسه الوصف الذي يستعمله الجهلة اذا ارادوا تشويه الملتزمين المصلحين !! وهذا أمر خطير من الناحية العلمية السلوكية وتكون خطورته أشد على الأتباع ! فاللحية من شعائر الله المجمع عليها بين المذاهب بلا خلاف ! ومن يعظم شعاىر الله فإنها من تقوى القلوب .. فوصفها بوصف شائن لتشويه صاحبها يطال السنة والشعيرة نفسها بقصد او بغير قصد !
ومن جهة أخرى تأمل في رجل يزعم الإصلاح – سمع أن اخاه لا يرى الصلاة خلفه لاجتهاد يراه متعلق بالسلوك وتمام شروط الإمامة في نظره !! ..كيف يجرؤ الاخر بجهل على اتهام من لا يرى الصلاة خلفه! وتخوينه ونقل موضوع الخلاف نقلة بعيدة عن دائرته لتتسع الى تصفيات سياسية وتحريش واختلاق !! هذا مما لا يليق بخلق الدعاة!
فهذا سلوك لا يعكس شخصية عالم ولا مصلح ..فالمصلح لا يفسد ولا يحرش على أخيه المصلح بل يعذره ويتفانى في التجاوز ولا يحمل الكلام ما لا يحتمل ففي النهاية كلاهما على الهدف نفسه وعلى الطريق نفسه فزوال أحدهما او إقصاؤه يضر بالآخر بلا شك ! فمن يتأمل !؟!!
لا يضر القائد أن يخطىء فعلى كتفه من أعباء هم القيادة ما يجعله يغفو في الطريق هذا امر نتوقعه ! لكن لامجال لجعل الخطأ قدوة ! فالحق يعلو ولا يعلى عليه والمقصود من التدافع في الساحة نفعه لا ذاته باي وسيلة كانت ! لذا فتجاوز الموقف بتصحيح السلوك موقف شجاع ينبي عن حكمة القائد وبعد نظره كما ينبي عن خيريته صلاحه





