أصدرت المحكمة الدستورية قراراً بالمصادقة على معظم التعديلات التي أقرها مجلس النواب حول نظامه الداخلي، وهي تعديلات أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية والحقوقية نظراً لما تحتويه من قواعد صارمة لتنظيم أشكال التعبير داخل المؤسسة التشريعية. وحدث ذلك في إطار الإحالة الوجوبية المنصوص عليها في الفصلين 69 و132 من الدستور، والتي تلزم بعرض أي تعديل للنظام الداخلي على رقابة المحكمة قبل أن يدخل حيز التنفيذ.
تتضمن التعديلات أن إبداء الرأي من قبل النواب يتم حصراً من خلال التدخلات الشفوية أو المكتوبة، مع منع أشكال التعبير الأخرى مثل رفع اللافتات أو تنظيم الاعتصامات داخل قاعة الجلسات أو مقرات اللجان. كما تلزم النواب بالحضور الفعلي والمشاركة النشطة في أعمال المجلس، وتمنح رئيس الجلسة أو اللجنة صلاحيات تأديبية بموجب المادة 396 من النظام الداخلي في حال حدوث مخالفة لهذه الضوابط.
اعتبرت المحكمة الدستورية أن هذه الأحكام لا تشكل تقييداً غير مشروع لحرية التعبير، بل هي تنظيم لضمان حسن سير الجلسات والحفاظ على النظام والانضباط داخل البرلمان. وقد أشارت المحكمة إلى أن رفع اللافتات أو تنظيم الاعتصامات قد يعرقل النقاشات ويؤثر سلباً على فعالية العمل البرلماني، مؤكدة على أن دور النواب يكمن في المشاركة الفعلية في الأعمال التشريعية والرقابية وفقاً للضوابط المحددة.
ومن جهة أخرى، رأت المحكمة أن بعض المقتضيات في المادتين 254 و298 من النظام الداخلي لا تتماشى مع أحكام الدستور، وأمرت بحذف الفقرة الأخيرة من المادة 254 والمقطع الأخير من المادة 298 قبل أن تدخل التعديلات حيز التنفيذ. ويعكس هذا الموقف مبدأ الرقابة على التوازن بين قدرة البرلمان في تنظيم عمله واحترام المبادئ الدستورية.
يأتي هذا القرار في سياق سياسي شهد ازدياداً في أشكال الاحتجاج داخل البرلمان خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر رفع اللافتات أو تنظيم وقفات واعتصامات تتعلق بملفات سياسية واجتماعية هامة. بينما ترى بعض الأطراف داخل المجلس أن هذه الممارسات تُلحق الضرر بسمعة المؤسسة وتعيق أدائها، تعتبرها أطراف أخرى وسيلة مشروعة للتعبير السياسي.
يؤسس القرار لمرحلة جديدة في إدارة النقاشات البرلمانية، تتسم بضوابط أكثر صرامة في أشكال التعبير، وتمكين رئاسة الجلسات واللجان من صلاحيات أوضح لضبط النظام الداخلي. ومع ذلك، سيظل الجدل قائماً حول تحديد الفاصل بين التنظيم المشروع لحرية التعبير والتقييد المبالغ فيه لها، خاصة وأن بعض أشكال الاحتجاج كانت وسيلة فعالة لنقل رسائل سياسية قوية خارج الإطار الرسمي للمداخلات.
إتبعنا












