العالم من حولناإفريقياالاتحاد الأوروبي

هل حان الوقت لتحقيق مشروع النفق البحري الذي سيربط بين المغرب وإسبانيا؟

53 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بعد سنوات من العوائق والتحديات، يشهد مشروع الربط الثابت بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق جبل طارق تحولات غير مسبوقة نتيجة للطفرة النوعية في العلاقات السياسية والاقتصادية بين المغرب وإسبانيا، وهو ما يظهر من خلال انتظام عمل اللجان المعنية بالمشروع والتقدم الواضح في الدراسات الفنية والاقتصادية. وقد زاد الاهتمام الأوروبي بالمنافع الإستراتيجية والمالية لهذا الربط بين القارتين الأوروبية والأفريقية في ظل تباين التحالفات الدولية وتزايد أهمية مضيق جبل طارق ضمن المشاريع الجيوسياسية العابرة للقارات، بوصفه بوابة لأوروبا وأنبوب لنقل الغاز النيجيري إلى الدول الأوروبية عبر الأراضي المغربية.

تسعى ورقة تحليلية صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، بعنوان ” ديناميكيات مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا: الحوافز والكوابح” للباحث عبد الرفيع زعنون، إلى استكشاف السياقات والخلفيات المحيطة بمشروع بناء نفق تحت البحر للربط بين المغرب وإسبانيا، مع تسليط الضوء على تداخل المصالح والتحديات المحلية والقارية، بالإضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لتشغيل المشروع والمخاطر التي قد تعيق تقدمه أو حتى تؤدي إلى إلغائه قبل البدء.

حلم جيوسياسي مؤجل

تعود فكرة الربط بين أوروبا وأفريقيا عبر مضيق جبل طارق إلى عام 1869 مع افتتاح قناة السويس، وقد تم تبني المشروع بشكل رسمي في سنة 1979 بموجب اتفاق بين الملك الحسن الثاني والملك الإسباني خوان كارلوس. منذ ذلك الحين، تم تكليف شركتين حكوميتين؛ الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق في المغرب، والشركة الإسبانية للدراسات بهدف الربط الثابت عبر المضيق، لإجراء دراسات الجدوى والتخطيط الفني.

بعد التراجع عن فكرة الجسر بسبب تأثيراته السلبية البحرية والأمنية، تم حسم الخيار لصالح نفق بحري مخصص للسكك الحديدية، يمتد لحوالي 42 كيلومتراً، منها 28 كيلومتراً تحت قاع البحر. وقد تم اختيار المسار المعروف بـ “عتبة المضيق” بين طريفة وطنجة، إلا أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 أدت إلى تجميد التمويل، مما تسبب في توقف المشروع لعدة سنوات نتيجة للتوترات السياسية بين مدريد والرباط، خاصة خلال الفترة من 2010 إلى 2021.

عاد الزخم لمشروع الحكم الذاتي للصحراء بعد اعتراف إسبانيا به في مارس 2022، مما ساهم في استئناف الاجتماعات المشتركة بين البلدين، وتوقيع اتفاقيات تقنية ومؤسساتية في عامي 2023 و2024. كما حصل المشروع على دعم مع قبول الملف المغربي – الإسباني – البرتغالي المشترك لاستضافة كأس العالم 2030. خصصت الحكومتان أكثر من 100 مليون يورو لدراسات الجدوى، وكلفتا شركة “إينيكو” الإسبانية بتطوير التصميم الهندسي. كما التزمت مدريد بتقديم نصف مليار دولار لتجهيزات رصد الزلازل في قاع البحر، وتم توقيع شراكات علمية مع مراكز بحث مغربية وإسبانية لتعزيز الفهم الجيولوجي والهندسي للممر.

تحولت فكرة المشروع من مجرد رابط ثنائي إلى مشروع إقليمي يربط بين أوروبا وأفريقيا، ولا سيما بعد دمجه في شبكة النقل الأوروبية، حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي هذا المشروع رهانًا لتعزيز البنية التحتية في منطقة الأورو-متوسط. وقد أبدت بريطانيا رغبة في تمويل هذا المشروع بعد تخليها عن فكرة الربط القاري بين جبل طارق ومدينة طنجة لأسباب سياسية وتقنية، وأصبحت أكثر حماسًا لدعمه عقب خروجها من الاتحاد الأوروبي، في إطار سعيها لتعزيز شراكتها مع الدول الأفريقية. وسيتم ربط النفق بخطوط قطارات سريعة من الجانبين: من إسبانيا نحو مدريد وبرشلونة، ومن المغرب نحو الدار البيضاء وأغادير، مما سيقلص زمن السفر بين طنجة ومدريد إلى 6 ساعات، وبين طنجة وباريس إلى 10 ساعات. وتفيد التقديرات بأن المشروع سيسمح بعبور حوالي 13 مليون طن من البضائع و12.8 مليون مسافر سنويًا. ويعكس الاهتمام الأوروبي الفعلي ذلك من خلال مساهمة برنامج “الجيل الأوروبي المقبل” بمبلغ 1.6 مليون دولار لدراسات الجدوى، مع انخراط صناديق أوروبية في تقييم السيناريوهات المتعلقة بالعائد الاقتصادي للمشروع. وفي سياق آخر، يعزز هذا المشروع المبادرات المغربية في منطقة جنوب الصحراء، مثل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي ومبادرة الوصول إلى المحيط الأطلسي، مما يحول المغرب إلى مركز لوجستي يربط القارة الأفريقية بأوروبا.

تحديات وحساسيات

مالياً، وبالرغم من هذا الزخم، تبقى التحديات الكبرى هي الكلفة المالية غير المحددة؛ حيث تقدّر الحكومات أن المشروع قد يكلف 15 مليار دولار، بينما تشير التقديرات الفنية الأولية إلى إمكانية تضاعف هذا الرقم إلى أكثر من 30 مليار دولار، وذلك بسبب التحديات الجيولوجية في المضيق مثل الصخور القاسية، والعمق البحري الذي يصل إلى 900 متر، والنشاط الزلزالي، فضلاً عن التيارات البحرية القوية.
من الناحية الهندسية، يُعتبر المشروع تحدياً كبيراً ويتطلب تقنيات معقدة لتدعيم البنية التحتية في منطقة تتمتع بظروف طبيعية متقلبة.
أما على الصعيد السياسي، يواجه المشروع عدة عوائق، منها تردد بعض المؤسسات الإسبانية، ورفض وكالة السكك الحديدية الإسبانية للمشروع بسبب ضعف البنية القائمة. كذلك، فإن مخاوف الاتحاد الأوروبي من أن يتحول النفق إلى بوابة للهجرة غير الشرعية تدفعه إلى التردد، خصوصاً مع صعود اليمين المتطرف في أوروبا.
أما العلاقات المغربية الإسبانية، فهي توصف بأنها “علاقات بأسنان المنشار”، مما يجعل المشروع عرضة للتجميد عند كل أزمة دبلوماسية، خاصة مع احتمالية فوز قوى يمينية أو يسارية متطرفة في الانتخابات الإسبانية، وهي قوى لا تظهر حماسة للعلاقات الاستراتيجية مع المغرب.

يُعتبر الموقع الجيوسياسي للمضيق، بالإضافة إلى مرور حوالي 20% من التجارة العالمية عبره، عاملًا يجذب أنظار القوى الكبرى التي قد لا تُوافق بسهولة على مشروع يُمكن أن يؤثر على تدفق السلع والطاقة والأسلحة.

بين السيناريو المتفائل والواقعي

يوجد سيناريوهان محتملان لمستقبل المشروع:
السيناريو المتفائل: يقترح بدء الأعمال الإنشائية في عام 2026 والانتهاء منها في 2030، تزامنًا مع استضافة مونديال 2030 كتعبير عن التكامل الإقليمي بين أوروبا وأفريقيا. ومع ذلك، يُعتبر هذا السيناريو صعب التحقيق حاليًا بسبب تعقيدات التمويل والهندسة، فضلاً عن عدم اكتمال الدراسات بعد.
السيناريو الواقعي/الاستراتيجي: يُشير إلى إمكانية بدء الأعمال بشكل فعلي في 2030 مع الانتهاء بحلول عام 2040، بعد استكمال الدراسات بحلول 2028. ويعتبر هذا السيناريو الأكثر احتمالاً نظرًا لتشابه مدته مع تجارب أنفاق مشابهة حول العالم.

خلاصة

يمثل مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا حلمًا جيوسياسيًا طموحًا يتجاوز المنافع الثنائية، ليعزز الربط بين قارتي أفريقيا وأوروبا. وفي ظل الديناميكيات الدبلوماسية الحالية والجهود التقنية المتلاحقة، يبدو أن المشروع أقرب للتحقق أكثر من أي وقت مضى.
ومع ذلك، يبقى مصيره مرهونًا بعدة محددات، منها مدى الجاهزية التقنية، وقدرة المغرب وإسبانيا على تجاوز التقلبات السياسية، وجاهزية التمويل الأوروبي والدولي، بالإضافة إلى العامل الزمني الحاسم المرتبط بمونديال 2030. فإذا لم يحدث تقدم ملموس قبل هذا التاريخ، فقد يعود المشروع إلى حالة الجمود، ويظل الحلم معلقًا وسط الرياح المتقلبة.

شارك هذا المحتوى:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى