أصدقاء جريدة القربالأخبارالرأيمجتمع

الدكتور إدريس أوهنا يكتب: على هامش حراك جيل Z

عندما تختزل “السياسة” في “الانتخابات” ونظامها وقاسمها الانتخابي، وما إلى ذلك، على أهميته، في غفلة عن الأهم والأعمق وهو التأطير الفكري والقيمي للمجتمع ولشبيبته على وجه الخصوص؛ فإن “السياسة” حينئذ تصير كمن يمشي على رأسه عوض أن يمشي على قدميه. وعوض أن تسهم “السياسة” في خلق الظاهرة الاجتماعية؛ ببث الوعي وترسيخ الأفكار الحية والمفاهيم الصحيحة والقيم الإيجابية في العقول والقلوب؛ لتحول بذلك المواطن إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، فإنها تخفي قبح الصورة بمساحيق انتخابية تجميلية، يتكشف عوارها وتنكشف حقيقتها أمام أبسط الإغراءات وأدنى العقبات والتحديات؛ فنكون كمن يبني بوضع حبات رمل على صخور صماء في مجرى السيل!!
على “الأحزاب السياسية” المفروض فيها إيقاظ العقول تأطيرا وتأثيرا، أن تستيقظ هي أولا من سباتها الدغمائي العميق، وتعقد صلحا مع وظيفتها العظيمة المتمثلة في تأطير الناشئة والشباب، فقد عادت هذه الوظيفة منذ زمن بعيد، وهجرتها ونأت بعيدا عنها في اتجاهات خاطئة وكارثية، نحو “رجال المال والأعمال” و”الأعيان”، واحتطاب الأصوات بأي وسيلة كانت، حتى ولو كانت لا أخلاقية وغير قانونية!! قال المفكر مالك بن نبي: “إن الكلمة لمن روح القدس، وإنها تسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة” [كتاب “شروط النهضة”، ص24].
إن التغيير السياسي لا بد أن يكون مسبوقا، أو بالموازاة معه على الأقل، بتعبير اجتماعي، يحدث تحولا عميقا في اهتمامات الناس وأفكارهم بل حتى في أذواقهم، في عملية انتقالية من “التفاهة” و”السطحية” و”الظاهرة الصوتية الانفعالية” إلى التفكير السديد والتحرك الرشيد والاختيارات الراقية غير المنحطة، فيما يشاهد وفيما يسمع وفيما يكتب وفيما يقال ويذاع.
إن شبابنا اليوم يتوق إلى أوضاع جديدة تحفظ حقوقه الأساسية التي بحفظها تحفظ كرامته الإنسانية، وهذا شيء جميل، لكنه إذا كان مجرد تعبير انفعالي كرد فعل على وضع بئيس؛ فإنه سرعان ما سينطفئ، أو يحرف عن مساره، ليصب في نهاية المطاف في مستنقع الفساد الذي سعى في انطلاقته الأولى لإصلاحه وتنظيفه، “وإذن -كما يقول مالك بن نبي- فلا يجوز لنا أن نغفل الحقائق، فالحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، فإذا كان الوسط نظيفا حرا فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، وإذا كان الوسط متسما بالقابلية للاستعمار فلا بد من أن تكون حكومته استعمارية” [شروط النهضة، ص33].
ولذلك فإن من يقول: (إننا نريد حقوقنا ولو مع جهلنا وفساد أخلاقنا وتفريطنا في واجباتنا) لا يمكن أن ينجح في مطالبته بالحقوق، وكل ما في الأمر أن أوضاعا بئيسة صدمته صدمة عنيفة أيقظته من نومه، وبمجرد زوال أثر الصدمة أو خفتها سيعود إلى نومه وأحلامه وإدمانه وتفاهاته، أو يوظف في منظومة الفساد المستنكر والظلم المستقبح.
إن جوهر المسألة هو مشكلة الفكر والعلم والثقافة والوعي والتربية على القيم الراقية؛ ولمعالجة هذه المشكلة لا بد من تكاثف جهود الدولة والأحزاب و الأسر ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والهيئات العلمائية والمؤثرين من النخب على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم، والطريق الذي طوله ميل يبدأ بالخطوة الواحدة، شريطة أن تكون في الاتجاه الصحيح.

شارك هذا المحتوى:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى