مجتمعأصدقاء جريدة القربالرأي

الاستاذ بابا خويا يكتب: قوة الجرأة في مواجهة آليات التسلط والإفساد نظرات في تحولات القوة الإعلامية بالمغرب

61 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

 

نظرات في تحولات القوة الإعلامية بالمغرب

         يشهد الفضاء العام  بالعالم العربي تحولات عميقة، في توزيع القوة خلال العقدين الأخيرين. فيلاحظ تراجع فعالية المؤسسات التقليدية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإنتاج المعرفة والخطاب، وظهور أنماط جديدة من الفاعلين -أفرادًا وصحفيين ومنصات صغيرة- يمتلكون قدرة غير مسبوقة على خلق روايات مضادة، وتفكيك أنساق الهيمنة  وكسر جدار الصمت.

         في هذا السياق برزت ظاهرة الجرأة باعتبارها “كفاءة اجتماعية”، تتجاوز معناها الأخلاقي الفردي لتصبح قوة تأثير قادرة على زعزعة مواقع النفوذ، حتى حين تصدر عن فاعلين محدودي الإمكانيات. وأصبح هذا النمط من الجرأة أحد معايير الصحافة الإستقصائية المعاصرة، والتي تقوم -وفق التعريف المتعارف عليه في أدبيات الصحافة-على “مساءلة السلطة وتتبع الخيوط المخفية وفضح الإنتهاكات، من أجل حماية المصلحة العامة.”

          انطلاقًا من هذه التحولات تبرز الإشكالية التالية:

          “إلى أي حد أصبحت الجرأة كقوة مؤثرة، عنصرًا حاسمًا في مواجهة مراكز النفوذ بالمغرب..؟ وكيف تجلت هذه الجرأة في ممارسة الصحافة الإستقصائية لدى صحفيين ومنصات معاصرة مثل حميد مهداوي، سليمان الريسوني، وجريدة صوت المغرب؟”

          وسنحاول النظر في هذه الإشكالية من خلال بيان:

         – المقصود بالجرأة في السياق الصحفي ومحدداتها المركزية

           – الإختلافات الجوهرية بين الجرأة المهنية وصحافة الإثارة

         – طبيعة العلاقة بين الجرأة وبين كشف الفساد وإرباك روايات السلطة

           – كيف يمكن تفسير تأثير فاعلين إعلاميين محدودي الموارد على مؤسسات قوية..؟

          – ما هي حدود الجرأة..؟ وماهي التحديات القانونية والتنظيمية التي تواجهها الصحافة الجريئة في المغرب..؟

         أولًا- الإطار النظري لمفهوم الجرأة كقوة رمزية:

          تستند الجرأة وفق منظور فلسفة الإعلام المعاصر إلى ثلاثة أبعاد أساسية:

           أ- الجرأة كفعل معرفي: أي الجرأة على طرح السؤال وعلى تفكيك الخطاب الرسمي، وعلى بناء رواية بديلة قائمة على الأدلة. وهذا يتوافق مع ما يسميه بيير بورديو “رأس المال الرمزي”، حيث تمنح المعرفة سلطة معنوية تتجاوز السلطة المادية.

          ب- الجرأة كقيمة أخلاقية: يرى منظّرو الصحافة أن “الصحفي الجريء” هو الذي يُعلي من قيمة الحقيقة، فوق حسابات الربح والخوف والعلاقات. وهو ما تؤكده عدة مواثيق أخلاقية مثل:

ميثاق الاتحاد الدولي للصحفيين         –

        – مدونة الأخلاقيات المهنية بالمجلس الوطني للصحافة المغربي

        والتي تشدد على استقلالية الصحفي، وعلى حماية حق المجتمع في المعرفة، وأيضا على مقاومة الضغوط السياسية والإقتصادية بمختلف الوسائل المشروعة.

          ج- الجرأة كقوة اجتماعية:

         في الأنظمة التي تعرف تحديات ديمقراطية أو ضعفًا في الشفافية كالأنظمة العربية، تتحول الجرأة إلى “قوة مضادة”، إذ تصبح الأداة الوحيدة القادرة على تفعيل مبدأ المساءلة..

          ثانيًا- الجرأة في السياق المغربي:     

          تطورت الصحافة الجريئة في المغرب ضمن بيئة تتسم بخصائص معقدة نذكر منها:

          – وجود إعلام رسمي مهيمن

          – حضور مؤسسات رقابية لكنها محدودة الأثر

          – حساسية الملفات الحقوقية والسياسية

          – تزايد دور شبكات التواصل في صناعة الرأي العام

         هذه العوامل تجعل الجرأة الصحفية ليست خيارًا مهنيًا فقط، بل رهانًا وجوديًا للمنابر الحرة، التي تبحث عن موقع مستقل داخل المشهد الإعلامي المغربي.

          ثالثًا- تحليل نماذج مغربية حولت الجرأة إلى قوة مواجهة 

            أ- الصحفي حميد مهداوي: فرد حول المواجهة إلى مدرسة 

          يمثل المهداوي نموذجًا لصحفي استطاع تحويل موقع إلكتروني صغير «بديل» إلى بؤرة سردية مضادة. ومن أبرز عناصر جرأته المهنية نجد:

          – فتح ملفات حساسة مرتبطة بالفساد الاقتصادي والحقوقي

          – مواجهة الروايات الرسمية بخطاب مباشر

          – استعمال لغة بسيطة موجهة للرأي العام الشعبي وليس للنخب وحدها

         هذه التجربة تبرهن أن الجرأة، كلما كانت مبنية على معلومات وتحقيقات، تتحول إلى قوة قادرة على مواجهة مؤسسة أكبر من حجم الصحفي بكثير. وتكرار استهدافه يؤكد “فاعلية جرأته” وليس العكس.

            ب- الصحفي سليمان الريسوني: جرأة فكرية

          يمثل الصحفي الريسوني نمطًا مختلفًا من الجرأة، فهو:

         – أقل مواجهة من المهداوي، ويعتمد أكثر على التفكيك والتحليل

         – يكتب بلسان حجاجي يجعل من مقالاته “وثائق فكرية”، تعرّي الخطاب السلطوي

بالمزج بين اللغة الأدبية والعمق الحقوقي، مما يعزز تأثيره في الجمهور.

          هذه التجربة تدل على أن الجرأة ليست صخبًا دائما، بل قد تكون تفكيكًا دقيقًا يُربك السلطة من داخل منطقها، ويجعل من تناقضاتها مادة إعلامية للتحليل والنقاش.

           ج- جريدة «صوت المغرب»: منبر رقمي يقتحم مناطق الخطر

          ظهرت جريدة “صوت المغرب” في بيئة تغيب فيها الموارد، فكانت مثالًا حيًا على إمكانية بناء صحافة استقصائية محلية دون دعم رسمي، بالإعتماد على مراسلين ميدانيين يكشفون اختلالات التدبير المحلي، مما جعل هذا النموذج من الصحافة قريبا من المواطنين، عبر نشر قصص فساد يومية تمسّ حياتهم. فكانت النتيجة هي أن جرأة هذه الجريدة لا تأتي دائما من قوة بنيتها التنظيمية، بل من انحيازها للمجتمع وحاجاته بدل السلطة ومغرياتها.

           رابعًا- لماذا ينتصر الصحفي الجريء أحيانًا على مراكز النفوذ؟ 

           يمكن تفسير هذه الحالة عبر خمس آليات أساسية:

              أ- السردية المضادة: حين يقدّم الصحفي رواية مختلفة جذريًا عن الرواية الرسمية، فإنه يتملك “سلطة التأثير على الوعي”.

             ب- تكسير احتكار المعلومات بفضل الفضاء الرقمي. 

             ج- تحويل القضايا الفردية إلى رأي عام، وهو ما يتجاوز قدرة المؤسسات على التحكم في تدفق المعلومات.

              د- تفعيل التضامن الاجتماعي، إذ تتحول قضية الصحفي الجريء إلى قضية مجتمع.

             ه- كشف تناقضات الخطاب الرسمي من خلال التحليل والمواجهة بالأدلة.

           هذه الآليات تبرهن أن الجِدة في عصرنا ليست فيمن يملك السلطة، بل من “يملك الجرأة” على قول الحقيقة.

          من خلال هذه النظرات السريعة، يظهر أن الجرأة أصبحت اليوم عنصرًا جوهريًا، في إعادة تشكيل موازين القوة داخل المشهد الإعلامي المغربي. فهي ليست فقط سلوكًا فرديًا، بل بنية معرفية وأخلاقية تسمح للصحفيين بكسر احتكار السلطة للمعلومة، وخلق خطابات مضادة قادرة على التأثير.

          وقد بينت النماذج المغربية التي ذكرنا “المهداوي، الريسوني، وصوت المغرب” أن الجرأة، حين تلتزم بالمنهج الإستقصائي وأخلاقيات المهنة، تتحول إلى قوة استراتيجية تمكّن المستضعفين من مواجهة الأقوياء. وتبقى النتيجة المركزية التي نود التأكيد عليها، هي أن بناء مجتمع ديمقراطي لا يمكن أن يتحقق بلا صحافة جريئة، قادرة على مساءلة السلطة وحماية الحق في المعرفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى