(إياك وما يعتذر منه ) ! حديث فيه نهي عن ارتكاب ما يوجب الاعتذار منه ، من انواع الظلم للعباد سواء في أنفسهم او مالهم او عرضهم ! فدل بمفهومه أن الاعتذار في حق من أخطانا واجب لا تكتمل اركان التوبة الا به ؛ اذا كان الخطأ متعلقا بحق مخلوق !
وقد أجمع العلماء ان رد الحق إليه- مع الاستطاعة- شرط للتوبة ! ولا تصح توبة بأخذ حق في مال او عرض أو نفس أو غيره ! إلا برده والاعتذار !
فالاعتذار على هذا عبادة متأصلة في علم السلوك !! وبه ترتبط واحدة من أعظم العبادات التي أمر الله بها انبياءه والمؤمنين من عباده وعلق الفلاح عليها: ( وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون ) .
وعبادة الاعتذار هذه فيها شعور راىع بإنسانية الإنسان .. وشعور برد الحق إلى اهله ومعه تستريح النفس السوية ويطمئن القلب بالكلية .. وتقر العين في نومها هنية ..بل وتسافر معها الروح الى عوالم السعادة والطمانينة والراحة !
وتعلمك أيضا ان خطأك الذي ترجو تغافل الناس عنه ، هو نفسه ما يقع فيه الناس ! ويرجون منك التغافل عنه !
كما تعلمك عبادة الاعتذار .وانت تعذر من قبل الآخرين .أن العفو عن اخطاء الخلق الانية .. والصفح عن الماضية .. والمغفرة مطلقا .. هو خلق نبيل يدخل السرور على المسلم .. فتتعلمه وتبادر اليه لتكون عاذرا لمن يعتذر !!
الاعتذار فيه ايضا أخذ ومكسب ..وربح لا يخطر على بال ..لذلك من تاجر فيه غنم وسلم ! فالمعتذر حين يظفر بتجاوز من اعتذر منه فهو يظفر أيضا بشعور رائع بالنجاة من تبعات الخطأ نفسيا وروحيا ..وينزاح عنه ثقل الحساب يوم المعاد !! وفوق ذلك يشعر بصفاء يخيم على أجواء التسامح ورد الامور إلى نصابها ! هذا اذا كان له من الايمان والحس ما يشعر به !!
هذا الشعور وحده يخبرك عن شيء من الحكمة الإلهية في خلق الخطأ نفسه !! إنه ليس شرا محضا إذا استغفرنا للخالق بنية وعزم واعتذرنا للمخلوق بصدق ورددنا الحق لأهله ما لزم ذلك !! فبهذا يصبح الخطأ ان وقع باب عبادة جديدة هي عبادة الاعتذار للخالق والمخلوق ! ولذلك جاء في الحديث: (اني لا اخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم التعمد )!! فالمخطىء يعذر ..أما المترصد المتربص المصر فهو متعمد متهيء لتكرار الخطأ فكيف سيتوب ويعتذر !!

لذلك يمكن ان تقول : ان عبادة الاعتذار لا يتذوقها أهل الكبر والاصرار.ولا يعتذر من يعتريه نقص في عقله ! فإنه لا يقوى عقله على فهم ما للاعتذار من الحسنات والمعاني الراقية ! … وعلى عكس ذلك يفهم ان الاعتذار يحط من شأنه ويضعه بين الناس ! لذلك يحاول تصوير حاله بالمعصوم والمترفع عن الخطأ والزلل وحتى لو أخطأ يتكبر خشية ان يشار إليه بالنقص ..فيعمد إلى طمس الادلة التي تدينه ! ونكران الحقائق .وتزييف الوقائع .ولو بالكذب والافتراء والقسم!! .. وكبره وترفعه هذا هو عين النقص والضعف !! في عقله ونفسه وشخصه وخلقه .
وأخطر ما في المتكبر عن الاعتذار هو لباسه رداء الكبر وهو مانع من موانع دخول الجنة وموجب لدخول النار ففي الحديث : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) .
فلكنا أخطانا ونخطىء وسنخطىء .. وكلنا متعبدون بالاعتذار للخلق والخالق ! وليس في البشر معصوم !
في الحديث : والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنون فيستغفرون فيغفر الله لهم )
وفي الحديث أيضا ( كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطائين التوابون ) . والتوبة اعتذار للخالق وحده ان كان الذنب لازما يخص المذنب وحده ..واعتذار للخالق والمخلوق ان كان الذنب متعلقا بحقوق العبادة في مال أو عرض او غيره!
من ذا الذي ما ساء قط ــ ومن له الحسنى فقط
وكما ان الاعتذار للخلْق عبادة ..فإن إعذارهم والتجاوز عنهم عبادة بل من أجلها وارفعها.. فالعاذر يكون حين يعذر الخلق في عبادة .يستشعر قيمتها وعظمتها حين يستشعر أن الله عن العافين يعفو ..وللغافرين يغفر .. وعن المتجاوزين يتجاوز .. ( والعافين عن الناس ) ( فليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم ) وفي الحديث ( اغفر يغفر لك )
( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ) .
تامل في شخصين جالسين في مكان واحد ..احدهما يستغفر الله !! والثاني لا يستغفر لكن جاءه مخطىء في حقه فطلب عفوه ومسامحته فعفا هذا الرجل الثاني وتجاوز عنه !!
النتيحة هي أن : الرجل الأول (المستغفر ) يكون قد عبد الله بذكر الاستغفار فغفر الله له !
والرجل الثاني الذي عفا عمن أخطأ في حقه ايضا عبد الله بالعفو عن الناس فعفا الله عنه وغفر له! فاستوت عبادة العفو بعبادة الاستغفار مجملا ! أما مفصلا فإن النوافل المتعدية اي التي تنفع الخلق افضل من النوافل اللازمة اي التي تخص المتنفل وحده لا تتعداه .
وفي التوراة كان وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يبعث: ( ولكن يعفو ويصفح )! وفي القرآن ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفا رحماء بينهم ) ومن مقتصيات الرحمة الإعذار والعفو !
والذين يعذرون قسمان : فقسم يقبل المعاذير ويصفح ، غهذا يعفو الله عنه جزاء لعفوه !! وقسم ثان يكظم الغيظ ويتغافل فلا يحوجك حتى إلى ان تعتذر بل يسبقك فيعذرك ! وهذا فيه من معالي الأخلاق ما يملأ الله به قلبه رجاء يوم القيامة فيكون له ما يرجو ويامل كرامة له على رفعة خلقه، ومن هؤلاء عيسى عليه السلام رأى سارقا يسرق فقال له أتسرق فأقسم السارق أنه لم يفعل ! فقال عيسى آمنت بالله ! … والحديث في البخاري .
فإنه اتهم نظره تعظيما لله و حتى لا يحوج هذا السارق إلى الاعتذار ..وتركه يذهب من غير سرقة !!
ولله در من قال :
واذا مرضنا اتيناكم نعودكم — وتذنبون فناتيكم ونعتذر
