تحت عنوان: “لم تعد تونس في مرحلة انتقال ديمقراطي متعثر، بل دخلت في مرحلة انتقال سلطوي غير مكتمل”، نشر كمال الجندوبي، الناشط الديمقراطي التونسي، والوزير السابق المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان (2015-2016)، مقال رأي في صحيفة “لوموند” الفرنسية، قال فيه إنه بعد خمس سنوات من وصول الرئيس قيس سعيد إلى السلطة، أصبح وضع الدولة التونسية هشا نتيجة تفكيك النظام الذي أفرزته ثورة 2011، إلى جانب غياب نموذج بديل مستدام.
وأوضح الجندوبي أن اليوم، 25 يوليوز، يصادف مرور خمس سنوات على إرساء الحكم الشخصي الذي أسسه قيس سعيد، وهي فترة كافية لإجراء تقييم سياسي أولي. فمنذ ثورة 2011، لم يسبق لرئيس تونسي أن جمع هذا القدر من السلطات في يده، ومع ذلك لم تعان الدولة من هذا القدر من الضعف كما هو الحال اليوم. فخلف صورة السلطة المطلقة تختبئ حقيقة أخرى: لم تعد تونس في مرحلة انتقال ديمقراطي متعثر، بل دخلت في مرحلة انتقال سلطوي غير مكتمل.
خلف صورة السلطة المطلقة تختبئ حقيقة أخرى: لم تعد تونس في مرحلة انتقال ديمقراطي متعثر، بل دخلت في مرحلة انتقال سلطوي غير مكتمل
وخلال خمس سنوات، يتابع الكاتب، عمل قيس سعيد بشكل منهجي على تفكيك المؤسسات التي نشأت بعد الثورة. فقد تم تحييد البرلمان، وتهميش الأحزاب، وإفراغ الجماعات المحلية من مضمونها، ووضعت العدالة تحت الوصاية، وكتمت أصوات وسائل الإعلام المستقلة والعمومية، وأضعفت الجمعيات، وتعرضت النقابات لضغوط مستمرة. وتمركزت السلطة حول قصر قرطاج دون وساطة أو توازن قوى.
غير أن هذا التفكيك لم يتبعه بناء بديل، وهنا يكمن فشل النظام. فمعظم التحليلات تصف النظام الحالي بأنه تركيز سلطوي للسلطة، وهو توصيف صحيح، لكنه غير كامل، لأنه ينظر إلى القمة دون التعمق في جهاز الدولة.
وعلى خلاف نظام زين العابدين بن علي (1987-2011)، الذي كان يجمع بين القمع الأمني والإدارة البيروقراطية وآليات الوساطة الاجتماعية، فإن السلطة الحالية لا تستند إلى حزب أو ائتلاف أو منظمات قادرة على تنظيم الصراعات. ففي عهد بن علي، كانت الهيئات الوسيطة خاضعة للسيطرة، لكنها كانت تؤدي دورا تنظيميا. أما اليوم، فقد تم نزع الشرعية عنها أو تحييدها دون تعويضها بهيكل بديل.
ويرتكز المشروع السياسي لقيس سعيد على فكرة بسيطة: إقامة علاقة مباشرة بين الشعب والرئيس. وهذه الرؤية لها انسجامها الأيديولوجي، لكنها تصطدم بصعوبة كبيرة. فعندما تتوقف الهيئات الوسيطة عن أداء دورها، تنتقل التوترات الاجتماعية مباشرة إلى الدولة، التي تجد نفسها وحيدة أمام مطالب لا تستجيب لها. وهكذا يبدو النظام الحالي، في آن واحد، أكثر سلطوية وأكثر هشاشة.
وتتركز القرارات في الرئاسة، لكن سلسلة القيادة تصبح مجزأة. وتستعيد وزارة الداخلية مكانة مركزية، ولكن دون الانسجام الهرمي الذي كانت تعرفه سابقا. أما الجيش، فيظل فاعلا خاصا؛ فهو لا يمارس السلطة اليومية، لكنه ينظر إليه كضامن أساسي لاستمرارية الدولة في حال وقوع أزمة كبرى، أي بمثابة “تأمين مؤسساتي”.
أما القضاء، الذي أصبح يستخدم في معالجة القضايا السياسية، فقد تحول إلى أداة أساسية في يد السلطة الرئاسية. وبالنسبة للإدارة، فهي مشلولة بسبب الخوف من اتخاذ القرار، وهو ما يعرف بـ”الخوف الإداري”، الذي يعرقل الاستثمارات، ويجمد الإصلاحات، ويغذي الجمود الاقتصادي.
القضاء، الذي أصبح يستخدم في معالجة القضايا السياسية، تحول إلى أداة أساسية في يد السلطة الرئاسية. وبالنسبة للإدارة، فهي مشلولة بسبب الخوف من اتخاذ القرار
ومضى كمال الجندوبي قائلا إنه بعد خمس سنوات من 25 يوليوز 2021، تبدو الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية ضعيفة. فالنمو لا يزال منخفضا، والمالية العامة تحت ضغط، والدين يتفاقم، رغم الخطاب السيادي الذي يدعي القطيعة مع التبعية المالية. كما يتراجع الاستثمار الخاص، ويواصل الشباب الهجرة، ويتردد المستثمرون في العمل ضمن بيئة تتسم بعدم اليقين القانوني، وتسييس القضاء، وشلل الإدارة. وأصبح القمع سياسة عامة، لا استراتيجية تنموية.
وتظهر هذه الهشاشة أيضا في السياسة الخارجية. فخلف خطاب سيادي صاخب، تعتمد تونس أكثر من أي وقت مضى على الدعم الخارجي. فتقاربها مع الجزائر تحكمه اعتبارات البقاء السياسي والطاقوي، وشراكتها مع الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة تجعلها بمثابة حارس متقدم للحدود الأوروبية.
وتكمن نقطة الضعف الأساسية للنظام في مرحلة ما بعد قيس سعيد. فكل الأنظمة التي تقوم على شخصنة قوية للسلطة تواجه، عاجلا أم آجلا، التحدي نفسه: تبدو صلبة طالما أن القائد غير محل نزاع، لكنها تصبح هشة عندما يطرح سؤال الخلافة.
وتتفاقم هذه الهشاشة في تونس لأن الآليات المؤسسية المفترض أن تضمن استمرارية الدولة لا تزال غير مكتملة. فدستور 2022 يمنح دورا حاسما لمحكمة دستورية لم تنشأ حتى الآن، رغم مرور أربع سنوات على إقراره. وفي المقابل، لم يتم إلغاء المرسوم عدد 117 الصادر في 22 شتنبر 2021 بوضوح، وهو ينص على أنه في حال شغور منصب الرئاسة، يتولى رئيس الحكومة مهام الرئاسة مؤقتا، وإن تعذر ذلك يتولاها وزير العدل.
وهذا التعايش بين مرجعيتين قانونيتين يفتح منطقة رمادية قد تؤدي إلى تفسيرات متضاربة في حال حدوث أزمة. وبشكل أوسع، لم يعد السؤال من سيخلف قيس سعيد فقط، بل من هو الفاعل أو الجهاز القادر على فرض تفسيره لاستمرارية الدولة عند حدوث فراغ في السلطة.
وبعد خمس سنوات من 25 يوليوز 2021، يواصل الكاتب، يبدو التقييم أكثر تعقيدا من مجرد انحراف سلطوي. فالفجوة بين تفكيك النظام الذي نشأ بعد ثورة 2011 وغياب نموذج بديل مستدام هي مكمن الضعف الأساسي للدولة التونسية. وتجد تونس نفسها اليوم منخرطة في مرحلة انتقال سلطوي لا يمكن التنبؤ بمآلها.
