الباحثة مباشرة تعظم، نائبة مديرة مشروع “ذا بريدج إنيشيتيف” المعني بدراسة الإسلاموفوبيا في جامعة جورج تاون
قالت الباحثة الأمريكية “مباشرة تعظم” إن خطاب “القيم اليهودية-المسيحية” قد تحول في الغرب من كونه تعبيرًا عن إرث ديني وثقافي مشترك إلى أداة سياسية تهدف إلى إقصاء المسلمين، معتبرة إياهم “تهديدًا” للمجتمع ومبررًا لمواقف داعمة لإسرائيل.
في مقابلة مع وكالة الأناضول، أوضحت تعظم، نائبة مديرة مشروع “ذا بريدج إنيشيتيف” لدراسة الإسلاموفوبيا في جامعة جورج تاون، أن هذا الخطاب المتزايد حول “القيم اليهودية-المسيحية” أصبح وسيلة لتحديد من ينتمي للمجتمع ومن يتم استبعاده، مما يؤدي إلى تهميش المسلمين وتبرير الدعم غير المشروط لإسرائيل.
تناولت الباحثة أيضًا دور هذا الخطاب في تشكيل صورة المسلمين كـ”آخر حضاري” و”تهديد داخلي”، وتأثيره على النقاشات المتعلقة بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة. أكدت أن اللغة المستخدمة في الخطابات السياسية والإعلامية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل التصورات العامة عن الإسلام والمسلمين، مشيرة إلى أن تصوير المسلمين كمصدر للخطر والعنف يعزز الأحكام المسبقة التي تؤثر على الرأي العام.
![]()
وأشارت إلى أن مصطلح “القيم اليهودية-المسيحية” أصبح في السنوات الأخيرة وسيلة لإضفاء طابع عرقي على المسلمين وإقصائهم من الهوية الوطنية. واعتبرت أن هذا الاستخدام يستند إلى أطروحات “صدام الحضارات” المرتبطة بأسماء مثل صمويل هنتنغتون وبرنارد لويس، قبل أن ينتقل إلى الخطاب السياسي المعاصر.
وأضافت أن سياسيين مثل خيرت فيلدرز (هولندا) ونايجل فاراج (بريطانيا) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستغلون هذا المفهوم ليس للتعبير عن تقارب ديني، بل لرسم حدود فاصلة بين “نحن” و”هم”. وذكرت أن المناخ السياسي الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر 2001 عزز هذا الاتجاه، حيث لم يعد المسلم يُنظر إليه كأقلية أو مهاجر فحسب، بل أصبح يُصوَّر أيضًا كـ”آخر” ديني وعرقي وتهديد داخلي.
ترى الباحثة أن هذا الخطاب يعيد إنتاج منطق الحروب الصليبية، حيث يُعتبر من لا يعتنق “ديننا” تهديدًا للحضارة، مضيفة أن المسلمين يُقدَّمون اليوم كخطر وافد من الخارج. وأشارت إلى أن بعض الساسة يستخدمون تعبيرات مثل “الغزو الديموغرافي” و”الاستيلاء على البلاد”، مما يجعل القضية تتجاوز معاداة الهجرة إلى اعتبار المسلمين تهديدًا لنمط الحياة، وهو ما يُستخدم لتبرير تقييد حقوقهم وتشديد إجراءات دخولهم، بل وحتى الدعوة إلى ترحيلهم.

وفيما يتعلق بمحاباة إسرائيل، قالت تعظم إن مفهوم “القيم اليهودية-المسيحية” أصبح يُستخدم في الخطاب السياسي الغربي لتعريف تحالف سياسي أكثر من كونه تعبيرًا عن رابطة دينية، حيث تُصوَّر إسرائيل على أنها ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل امتداد للحضارة الغربية و”خطها الدفاعي الأمامي”. وأضافت أن هذا التصور يحول ما يحدث في غزة من قضية سياسية وإنسانية إلى صراع وجودي، بحيث يصبح الدعم غير المشروط لإسرائيل دعمًا لـ”معسكرنا”.
وفي الوقت نفسه، يُصوَّر منتقدو سياسات إسرائيل، سواء كانوا مسلمين أو يهودًا، على أنهم مصدر تهديد داخلي وليسوا أصحاب مواقف مشروعة. ورأت أن التشدد الذي تبديه بعض الدول الغربية تجاه الاحتجاجات الرافضة للإبادة الجماعية في غزة يرتبط بهذا الخطاب، حيث يُعاد تفسير حرية التعبير على أنها دعم للتطرف أو الإرهاب، بينما يجري دمج الفلسطينيين جميعًا، بمن فيهم المدنيون والأطفال، ضمن إطار أمني واحد.
كما أكدت أن هذا المفهوم لا يحمي اليهود أو الديانة اليهودية، بل يحمي سياسة دولة بعينها، مستخدمًا الهوية اليهودية غطاءً لذلك. وأشارت إلى أن استبعاد اليهود المنتقدين لإسرائيل من مظلة “القيم اليهودية-المسيحية” يبرهن على أن المفهوم سياسي أكثر منه ديني، موضحة أن الانضمام إلى هذه “المظلة” بات مشروطًا بتبني موقف جيوسياسي محدد من إسرائيل.
وأكدت أنه لو كان المفهوم ذا طبيعة لاهوتية فعلًا، لكان من المفترض أن يشمل المسيحيين الفلسطينيين واللبنانيين، وهم من أقدم الجماعات المسيحية في العالم، مذكّرة بأن إسرائيل استهدفت كنائس في غزة ولبنان. كما لفتت إلى أن بعض الباحثين اليهود يرون أن فكرة “التقليد اليهودي-المسيحي” ليست سوى أسطورة أيديولوجية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية للتغطية على تاريخ طويل من الاضطهاد والمذابح التي تعرض لها اليهود في أوروبا.
وقالت إن الانقسام الحقيقي اليوم لا يقوم بين اليهود والمسيحيين من جهة، والمسلمين من جهة أخرى، بل بين القوى التي تُعد حليفة مقبولة للنفوذ الغربي والإسرائيلي، وكل من يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لهذا النفوذ.
وفيما يتعلق بالتحولات الديموغرافية، أوضحت تعظم أن المسلمين لم يعودوا يُقدَّمون في الخطاب الغربي باعتبارهم مواطنين أو جيرانًا، بل أصبح يُنظر إلى الهجرة وارتفاع معدلات الولادة باعتبارهما “غزوًا” أو “اجتياحًا”، وهو خطاب انتقل من أطراف اليمين المتطرف إلى وسائل الإعلام والسياسة السائدة. واستشهدت باللغة التي استُخدمت خلال أزمة اللاجئين السوريين في عام 2015، حين وُصفت موجات اللجوء بأنها “غزو”، في حين لم تُستخدم اللغة نفسها مع اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب الروسية.
وأضافت أن تصريحات النائب البريطاني نيك تيموثي، التي وصف فيها الصلاة بأنها “عمل هيمنة”، تعكس انتقال هذا الخطاب إلى التيار السياسي الرئيسي. وقالت إن المسلمين يُصوَّرون باعتبارهم كتلة واحدة تعمل بصورة منسقة للسيطرة على المجتمع، بينما تُقدَّم التحولات السكانية الطبيعية بوصفها هجومًا، الأمر الذي يبرر، تحت شعار “الدفاع عن أنفسنا”، فرض قيود على الهجرة، وتشديد الرقابة على المجتمعات المسلمة، وسحب الجنسية، والطعن في انتمائهم الوطني.

وأشارت إلى أن دوائر اليمين المتطرف في أوروبا تناقش بصورة متزايدة مفهوم “إعادة الهجرة”، الذي يدعو إلى ترحيل المسلمين وغير البيض قسريًا، معتبرة أن تبني سياسيين منتخبين لهذه الطروحات، التي كانت تُعد سابقًا هامشية، أسهم في تحويل الأفكار العنصرية إلى خيارات سياسية مقبولة. وأضافت أن هذا المسار يؤدي إلى إضفاء الشرعية على السياسات التمييزية، وعلى الدعم غير المشروط للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، كما يصعّب التعرف على جرائم الكراهية والعنف والتمييز ضد المسلمين.
وأكدت، في ختام حوارها، أن دراسات حديثة في أوروبا أظهرت تعرض نحو نصف المسلمين لأشكال من التمييز، فيما تستهدف الجرائم المرتكبة بدافع الكراهية الدينية في بريطانيا المسلمين في نحو نصف الحالات. وشددت على أن الخطاب المعادي للمسلمين لم يعد حكراً على الجماعات المتطرفة، بل أصبح جزءًا من الخطاب السياسي السائد.

