تداعيات الفكر الخرافي ومزاعم الاستئثار بالسر النبوي.

رشيد ياسين
4 دقيقة للقراءة

لم يعد النقاش والتحليل حول رسائل بعض الطرق الصوفية المثيرة للجدل، مثل الطريقة الكبيطية، مجرد خلاف حول بعض الممارسات أو الاجتهادات الفكرية. بل تجاوز ذلك إلى قضايا تمس أصول الاعتقاد ومنهج التلقي في الإسلام. مع تكرار الحديث عن “النور النبوي” الذي ينتقل عبر سلسلة من الأولياء، وادعاء وجود “سر نبوي” محفوظ عند أشخاص معينين، يبرز سؤال جوهري: هل مصدر الهداية في الإسلام هو الوحي الذي اكتمل بوفاة النبي ﷺ، أم الأسرار الباطنية التي يزعم بعض الناس أنها تستمر في الانتقال عبر المشايخ؟

khorafa

لقد تصدى عدد من العلماء والباحثين لهذه الدعاوى، من بينهم د. رشيد بنكيران، د. حميد العقرة، د. الحسن بن علي الكتاني، د. مصطفى العلوي، وذ. عادل خزرون، وغيرهم من المختصين في العلوم الشرعية. وقد أكدوا أن القضية ليست شخصية، بل هي دفاع عن أصول الدين ورد على ما وصفوه بالانحراف في مصادر التلقي وإحياء الفكر الباطني والخرافي.

images 22

وأشار الدكتور مصطفى العلوي إلى أن الردود العلمية التي كتبت في نقد أفكار مؤسس الطريقة الكبيطية كانت مبنية على الأدلة الشرعية والمنهج العلمي، لكنها قوبلت بالصمت، ثم بخطابات عاطفية لم تتناول جوهر الاعتراضات، بل لجأت إلى التقليل من شأن المنتقدين والطعن فيهم، دون الإجابة عن الأسئلة العقدية المطروحة.

images 15

وأخطر ما في هذه الدعاوى هو الإيحاء بوجود معرفة دينية خاصة تتجاوز مدارك عامة المسلمين، وأن هناك أسرارًا لا يدركها إلا الخاصة من أهل الطريقة. وهذه الفكرة ليست جديدة، بل هي من أبرز سمات الفكر الباطني الذي يجعل الحقيقة الدينية حكراً على طبقة معينة. وقد قرر القرآن الكريم أن الدين قد اكتمل، فقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فبعد اكتمال الوحي، لا يبقى مجال للحديث عن أسرار تشريعية أو معارف دينية ملزمة لم تبلغها الأمة.

images 23

من أبرز ما تناوله الأستاذ عادل خزرون بالنقد هو دعوى الكبيطي أن “التصوف واحد ونوره النبوي يجري عبر الأولياء الأحياء إلى أن تقوم الساعة”، معتبراً أن هذه الدعوى تؤسس لمصدر جديد للتلقي قائم على الكشف والذوق، وليس على الكتاب والسنة. وقد بيّن أن منهج أهل السنة يجعل الوحي المنقول هو المصدر الوحيد المعصوم، بينما الإلهامات والكشوف لا تكون حجة على أحد، فضلاً عن أن تُنشأ عليها عقائد أو تُمنح بها سلطة دينية خاصة.

images 24

كما انتقد ذ. خزرون الانتقال غير المنهجي من الوصف التاريخي إلى الحكم الشرعي؛ فكون بعض المنتسبين إلى التصوف شاركوا في نشر الإسلام لا يعني أن التصوف الطرقي هو الممثل الوحيد للإسلام، ولا أن جميع ممارساته صحيحة. فالتاريخ يصف الوقائع، بينما الشرع هو الذي يحكم عليها، والاحتكام عند النزاع يكون إلى الكتاب والسنة، لا إلى الشهرة التاريخية أو كثرة الأتباع.

images 18

ومن القضايا المثيرة للقلق أيضاً تكرار الحديث عن الأولياء بعبارات توحي بإثبات خصائص غيبية لهم، أو منحهم منزلة فوق النقد والمراجعة، مما يفتح الباب أمام الغلو الذي حذرت منه النصوص الشرعية. فالولاية في القرآن هي وصف شرعي قائم على الإيمان والتقوى، وليست رتبة سرية أو مقاماً يمنح لصاحب طريقة معينة، قال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾.

Total Views: 0
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *