د. أوس رمّال: إنّ من جميل الأقدار أن تتزامن هذه الأيام المباركة من “شهر الرحمة، شهر مولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم”، مع ذكرى رحيل أحباب عاشوا حياتهم يبشّرون بسنته، ويدعون إلى اتباعه والاقتداء به، ويصحبون كتاب الله قراءة وحفظًا وتعليمًا، ويبذلون للدعوة والتربية من أوقاتهم وأعمارهم ما استطاعوا.
وفي مثل هذه الأيام من شهر غشت، تعود بي الذاكرة إلى أخ عزيز، ورفيق درب امتدّت صحبته في الحركة والدّعوة والتّربية أعوامًا طويلة: الأستاذ عبد الجليل الجاسني رحمه الله تعالى.
وقد كتبت عنه في ذكريات سابقة، واستعدت بعض ما عرفته فيه من خصال ومواقف. لكنني أجدني هذه السنة لا أريد أن أكتب عن تفاصيل الذكريات بقدر ما أريد أن أتوقف عند “معنى الوفاء”.
فنحن، في زحمة الحياة وتَسارع أحداثها، معرّضون لأن نمضي سريعًا إلى الأمام، وأن تشغلنا الوجوه الجديدة والمسؤوليات الجديدة والتحديات الجديدة عمن كانوا معنا بالأمس، ثم سبقونا إلى الدار الآخرة.
ولكن أهل الفضل لا ينبغي أن يتحولوا بعد رحيلهم إلى أسماء في أرشيف الذاكرة، ولا إلى صور نستعيدها في مناسبات متباعدة.
الأستاذ عبد الجليل الجاسني 
“إن الوفاء للسابقين خُلُق، وحفظُ أثرهم تربية، وذكرُ محاسنهم تعليم للأجيال التي لم تعرفهم”.
لقد عرفت أخي عبد الجليل واحدًا من أولئك الرجال الذين قد لا يكثرون الحديث عن أنفسهم، ولكن أعمالهم تتحدث عنهم. عاش مع القرآن يقرأه ويحفظه ويعلّمه، وعاش للدعوة والتربية، وبذل لهما من وقته وجهده وعمره، وجمعنا الله به أعوامًا طويلة -في الحركة– على الخير والذكر والتعاون على البرّ.
وحين يرحل أمثال هؤلاء، ندرك أن قيمة الإنسان ليست في مقدار ما أخذ من الدنيا، وإنما في مقدار ما “ترك فيها من خير”. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمْۚ﴾[يس:12].
وما أبلغها من كلمة: “﴿وَءَاثَٰرَهُمْ﴾”؛ فقد ينقضي العمر ويبقى الأثر، ويرحل المعلّم وتبقى آيات القرآن تتردّد على ألسنة من علّمهم، ويرحل المربّي وتبقى خصلة خير غرسها في نفس شاب، ويرحل الداعية وتبقى كلمة هدى قالها في ساعة صدق ففتح الله بها قلبًا أو أصلح بها حالًا أو دلّ بها إنسانًا على طريق الخير.
ولعل هذا من أجمل ما يمكن أن نهديه لمن سبقونا: “ألا نكتفي بالحزن عليهم، بل نحفظ ما زرعوه ونواصل ما بدأوه“.
إن المؤسسات والجماعات والدعوات لا يصنعها جيل واحد. إنها أشبه بنهر تتعاقب عليه الأجيال؛ يأخذ اللاحق من السابق، ثم يؤدي الأمانة إلى من بعده. ولذلك فإن من الوفاء ألا يظن جيل أنه بدأ كل شيء، وألا تنسى الأجيال الجديدة أن الطريق الذي تمشي عليه اليوم مهّدته أقدام كثيرة، وأن الثمار التي تقطفها غَرست أشجارَها أيدٍ قد لا يكون كثير من أصحابها بيننا اليوم.

وفي شهر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحضر هذا المعنى بقوة أكبر. فقد علّمنا عليه الصلاة والسلام الوفاء لمن سبق، وحفظ الجميل لأهله، والدعاء لهم، وذكر فضلهم بعد رحيلهم. وما أحوجنا ونحن نتحدث عن الاقتداء به إلى أن يكون “الوفاء خلقًا نعيشه، لا ذكرى نتحدث عنها فقط“.
رحم الله أخي الكريم “الأستاذ عبد الجليل الجاسني” رحمة واسعة، وجزاه عن القرآن والدعوة والتربية وعن إخوانه وأحبابه خير الجزاء.
اللهم اجعل ما قرأ من كتابك، وما حفظ وعلّم، وما بذل في سبيل الدعوة والتربية، وما غرس في النفوس من خير، نورًا له في قبره، وثقلاً في ميزان حسناته، وصدقة جارية لا ينقطع أجرها.
اللهم بارك في عقبه وأحبابه، واجعل فيهم امتدادًا للخير الذي عاش من أجله.
وأسأل الله تعالى أن يعيد جمعنا به، وبمن سبقنا من إخواننا وأحبابنا، في مستقر رحمته، ﴿إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾، كما جمعنا في هذه الدنيا أعوامًا طويلة على الذكر والخير والتعاون على البرّ. فاللهم ارزقنا الوفاء لمن سبقونا، وحسن الاقتداء بصالح آثارهم، ثم ارزقنا نحن أيضًا أن نرحل يوم نرحل وقد تركنا وراءنا أثرًا يستحق أن يبقى.
كتبه: أوس رمّال
الرّباط: الإثنين 11 ربيع الأوّل 1448ه / 24 غشت 2026م

