عن السياسة أتحدث .. فهي في المحصلة : “فن الممكن “.. هذا هو التوصيف الجامع لعملياتها كفعل وممارسة ، ولها تعريفات اصطلاحية تُفصل حيثيات هذا التوصيف الجامع لا أكثر !
والممكن هنا مصطلح مطاطي يتسع لكل ما هو متاح تطاله القدرة ، فهو إذن مجال للخير والشر ، للممارسات النظيفة والقذرة أيضا ، للنظام والفوضى ، للأخلاق ونقيضها .. وهلم جرا في كل شيء ونقيضه… على هذا فما يندرج تحت هذا الفن (فن الممكن) من القواعد يفوق الخيال ليس على مستوى العدد فقط بل على مستوى نوع القواعد وغرابتها أيضا .. يكفي ان نمثل هنا بقاعدة (لا اصدقاء دائمون إنما هي مصالح دائمة ) وقاعدة (الغاية تبرر الوسيلة ) لتعلم إلى اي حد يمكن لهذا الفن ان يتنكر للقيم الانسانية ولكل ما هو شرعي ومتعارف عليه كمعروف متوارث! والى اي حد يعكس البراغماتية كصنم يعبد عند ارباب السياسة ممن يرونها فن الممكن بروحه المتنكرة لكل شيء إلا المصلحة.
وقد تفتق من خراب السياسة وأطرها وتشكيلاتها الحزبية والجمعوية وتنظيماتها ، اتجاهات تركن إلى قواعد القيم بعمقها الديني وموروثها الاجتماعي القيمي! هذه الاتجاهات تتفق مع التعريف أعلاه (فن الممكن) في شطره الاول (فن) وتختلف في أبعاد وحدود الشطر الثاني : (الممكن) .
فالقيم عندها حاكمة على الممكن! محددة لماهيته، ومتى يصلح ومتى لا يصلح ! وهذا التوجه هو جزء لا يتجزء من مشروع إصلاح تحكمه القيم حتى في نظرته للأصلح …والممكن!
هذا الركون الى القيم هو ما ميز تلك الاتجاهات ليس في برامجها السياسية والنقابية ونشاطاتها الموازية بشكل عام ، بل في ممارستها السياسية ذاتها ، في المواقف من القضايا المحلية والاقليمية والدولية ، في وفائها وولائها للوطن و للنظم والسلط بمقتضى ما يمليه الدستور ..في معاييرها للانتماء وفي مواصفاتها لانتقاء الأطر والنخب .. وبالجملة في كل نشاط ممكن !
ومقارنة باي اتجاه آخر ، تعتبر الاتجاهات السياسية ذات الركن الشديد من القيم (الدين ) والموروث الصالح (المستخلص من أصول الدين العامة ) ، هي الفاعلة في المجتمع فعلا ، مهما كانت قاعدتها الجماهيرية ، وهي المرشحة للاستمرارية على المدى الأبعد في الإصلاح.. وان رويدا ! لان أسسها الصلبة تعطيها امتياز إطالة البناء دون خوف من انهياره في المستقبل . فالأسس سليمة عميقة متجذرة ومادة البناء صلبة !!
ففن الممكن عندها قائم على اصول ثابتة ، فمهما كانت مساحته ومرونته فهو يتكيف مع فقه الأصلح شرعا وعقلا لا مع مقولة ( الغاية تبرر الوسيلة ) مثلا. هذا التكيف يجعل مساحة (الممكن) محددة ..لكنها مساحة خصبة الزرع تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .
الاتجاه الإسلامي بشقيه الحركي والسياسي نموذج حي لتلك الاتجاهات لذلك ففن الممكن في هذا الاتجاه هو ممارسة للسياسة ممارسة نظيفة نظافة اصول الاسلام وقواعده في السياسة الشرعية .
فن الممكن اذن مؤطر في الاتجاه الاسلامي بشرعية الممكن لا بمجرد المصلحة من ورائه ..وهذا بالتحديد هو الفارق الذي يميز هذا الاتجاه عن غيره، وشرعية الممكن ثقافة من رحم السياسة الشرعية لفقه أحوال الراعي والرعية : السلطة والنظم والمجتمع والعلاقة بينها! لذلك فالممارسة السياسة الإسلامية هي تفعيل لتلك الثقافة والتزام بمقتضياتها وليس لهثا عابثا وراء المصالح الفردية والحزبية دون ضابط من قيم أو أخلاق ! فان كان كذلك فدعوى أسلمة الاتجاه تفتقر إلى المصداقية !
هذا يفرض على الأطر (الإسلامية ) اكتساب ثقافة في مجال السياسة الشرعية ، قبل فقه العمل السياسي والنقابي والدبلوماسي بنظمه وتشريعاته واستثناءاته ولوائحه التنظيمة ، هذه الثقافة وفقه تنزيلها هي صمام الأمان لقوة القيادة ونجاحها ، فليست السياسة مقصودة لذاتها .. إنما لمنفعتها وثمرتها : الإصلاح .
ولهذا الالتزام أثره البالغ على سلوك الممارس (لفن الممكن) فلا تجده على الأغلب محكوما بمصالحه الذاتية على حساب مصالح الناس ، كما لا تجده مقدما لمصالح الحزب على حساب المصلحة العامة للوطن ! فالقيم التي تمنعه من هذا تمنعه من ذاك على السواء .. إذ ليس كل ممكن يعد من القيم ..!!فضلا عن ان يعد شطارة او ذكاء في القيادة .
ومن ابلغ آثاره التزام الجماعة الحزبية ، بإطارها الشرعي في النوازل الكبرى ، فليس كل فرد مؤهل لتسجيل موقف ! فقد يكون الحدث وحيثياته اكبر من الفرد وثقافته الشرعية والسياسية على السواء (كموقف الحزب من العلاقات الدولية مثلا)، فدور الفرد وهو على هذا الحال هو (سؤال أهل الذكر) والالتزام بقراره ! لا تسجيل موقفه الشخصي .. واهل الذكر هنا هم الاطر التي لها أهلية النظر واتخاذ القرار الأصلح في الحوادث والنوازل ! فما يراه الفرد لقصوره العلمي ممكنا قد تراه الأطر مستحيلا بميزان المبادىء والمصالح معا.
وهذا يحفظ بيضة الجماعة ولحمة الحزب من التمزق والفرقة وان حسيا !
هنا تكمن أهمية الثقافة المركبة : ثقافة العمل السياسي ، وثقافةالسياسة الشرعية ، كرصيد يحكم المواقف ..ويؤطر فن الممكن.











