في كل سنة، ومع ظهور نتائج البكالوريا، تتكرر نفس المشاهد: دموع فرح، ودموع قهر، وقلوب آباء على الأعصاب. لكن وراء كل نقطة قصة، ووراء كل توتر جرح. في هذه الإطلالة، سنتحدث في كلمات معدودات، ليس عن النجاح والرسوب، بل عن إنقاذ أبنائنا من فخ الربط بين الرقم والكرامة.

أولا- البكالوريا، أكثر من ورقة امتحان:
تظهر النقاط في الشاشة، فيظهر معها خوفٌ مكبوت لسنة كاملة، وضغطٌ مؤجل، وتوقعات ثقيلة في صدور التلاميذ وآبائهم. فالبكالوريا في جوهرها ليست اختبار معرفة فقط، بل اختبار قيمة ذاتية تحوّلت إلى سؤال قاسٍ: “هل أنا كافٍ..؟”

أسئلة تتردد بصمت: هل أستحق الفخر..؟ هل سأخذل والديّ..؟ هل أرضي الأستاذ، العائلة، الجيران، وزملاء العمل..؟ فيصبح المعدل رقماً يحمل وزن هوية كاملة.

ثانيا- جروح الآباء، على ظهر الأبناء:
كثير من الأسر تنقل دون قصد جراحها القديمة إلى أبنائها:
– فهذا أب لم يكمل دراسته، يريد أن يحقق حلمه عبر ابنه.
– وهذه أم ربطت الأمان، بالتفوق لتهرب من خوف الفقر.
– أو أسرة ترى في نقطة الإبن، شهادة على قيمتها أمام المجتمع.

فتتحول الأحلام المؤجلة والمخاوف القديمة إلى حملٍ نفسي ينهك التلميذ، حيث يجد نفسه مطالباً بالنجاح لنفسه وللعائلة كلها، فيبدأ الإختناق والتوتر وباقي الإرتدادات النفسية.

ثالثا- لحظة النتائج، فاصلٌ مصيري وهمي:
يوم ظهور النتائج يتحول إلى محكمة: الناجح يشعر أنه “يستحق الحياة”، والمتعثر يظن أنه “لا يساوي شيئاً”.
والحقيقة أن النقطة مقياس دراسي، لا تقييم لشخصية إنسان. فالنقطة لا تقيس ذكاءً عاطفياً، ولا إبداعاً، ولا مرونة، ولا حكمة، ولا قدرة على السعادة.

لكن المجتمع ما زال يسأل: “شحال جبت..؟” “ولد فلان جاب أكثر منك..؟” فتتحول الأسئلة إلى طعنات في التقدير والكرامة، ومن هنا يرتفع القلق، والعار وفقدان الثقة..

رابعا- سباق المكانة لا سباق الشغف:
هوس الطب والهندسة ليس دائماً حباً في المهنة، بل بحثاً عن اعتراف اجتماعي وأمان نفسي.
نركض وراء التصفيق، لا وراء الذات. فيدخل الشباب لتخصصات لا تشبههم، ويدفعون الثمن لاحقاً: احتراق نفسي، قلق مزمن، وفقدان المعنى.

خامسا- وعي جديد نحتاجه اليوم:
أبناؤنا ليسوا مشاريع استثمار، ولا امتداداً لأحلامنا، ولا بطاقات تعريف أمام الناس.
إنهم بشر، لكل منهم إيقاعه وطريقه وقدرته الخاصة. و”النجاح الحقيقي” ليس أن يسلك الجميع نفس المسار، بل أن يجد كل شاب المكان الذي ينمو فيه، ويبدع ويعيش متوازناً نفسياً وعقليا واجتماعيا..

سادسا- ماذا نحتاج بعد النتائج..؟
بعد ظهور النتائج، أبناؤنا لا يحتاجون ميزاناً يقيسهم، بل حضناً يضمّهم. ولا يحتاجون مقارنة توجع قلوبهم، بل أماناً يطمئن أرواحهم. فيكفي أن نقول لهم بصدق: نحبك لذاتك، لا لرقمٍ سطّره قلم في ورقة.

فشهادة البكالوريا بداية طريق لا نهايته، وكل ميسّر لما خُلق له. وحين نفصل القيمة الإنسانية عن الرقم، نحمي جيلاً كاملاً من هشاشة لا تظهر في كشف النقط، لكنها تمكث سنين.

فلنفرح بمجهود أبنائنا، و لنقدّر سنتين من التعب، ولنقل لهم: أنتم كفاية.

الله يوفق كل وليداتنا ويجبر قلوبهم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *