تنازع المصالح وزواج السلطة بالمال، … هل أخنوش متورط باستغلال منصبه؟

دافع رئيس الحكومة عزيز أخنوش بشكل مثير عن فوز إحدى شركاته بصفقة إنشاء وإدارة محطة لتحلية مياه البحر في جهة الدار البيضاء، وذلك في إطار جهود المملكة لمواجهة آثار الجفاف. هذا الأمر أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، حيث تم اتهام أخنوش بتعارض المصالح.
وفي محاولة لتبرير موقفه، أشار أخنوش، الذي تقدر ثروته بحوالي 1.7 مليار دولار وفقاً لأحدث الأرقام من “فوربس”، خلال جلسة برلمانية إلى أن شركته قدمت أفضل عرض، مما مكنها من الفوز بالصفقة، وأن السعر الذي قدمته هو الأكثر تنافسية.
التبريرات التي قدمها عزيز أخنوش أدت إلى سجالات حادة داخل البرلمان المغربي، حيث لم تتردد المعارضة في الاحتجاج على سياسة تتسم بتزايد تضارب المصالح والتشريع والدعم لصالح رجال الأعمال، في ظل الحكومة الحالية التي يرأسها أحد أبرز رجال الأعمال في المغرب.
لعاب المستثمرين يسيل أمام هذه المحطة
تعتبر هذه المحطة للمياه، التي حصلت عليها شركة تابعة لرئيس الحكومة، الأكبر في إفريقيا، وقد انطلقت الأشغال بها في يونيو الماضي بجماعة المهارزة الساحل قرب الجديدة، بتكلفة استثمارية تصل إلى 6.5 مليار درهم، تم تأمينها في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص.
جاء هذا المشروع ضمن استراتيجية حكومية تهدف إلى مواجهة مشكلة العطش والحفاظ على الموارد المائية، ويتعلق الأمر بالبرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي للفترة 2020-2027، الذي أقرته الحكومة السابقة وخصصت له ميزانية قدرها 143 مليار درهم.
وفي هذا السياق، أعلن المكتب الوطني للكهرباء والماء-قطاع الماء في مارس 2022 عن بدء مسطرة التأهيل المسبق لاختيار قائمة محدودة من المترشحين (شركات أو مجموعات شركات) القادرين تقنياً ومالياً على تنفيذ مشروع تحلية مياه البحر لجهة الدار البيضاء.
اشترط القائمون على مشروع محطة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء أن يتم تزويد المحطة بالطاقة المتجددة، وذلك بهدف رئيسي يتمثل في إنتاج وتوفير الكمية المطلوبة من الماء الصالح للشرب وماء الري، مع الالتزام بمعايير الجودة الوطنية. وقد شهد المشروع إقبالاً كبيراً من المستثمرين المحليين والأجانب، وسارع أخنوش بدوره للمشاركة في هذا التنافس من خلال مجموعته العائلية وشركة جديدة تتكون من تحالف ثلاث شركات. وفي النهاية، تم منح الصفقة للعرض الذي قدمه رئيس الحكومة وشركاؤه.
لا يوجد تساوي بين المتنافسين
يستند منتقدو رئيس الحكومة إلى أن مشروع محطة تحلية المياه في جهة الدار البيضاء يخضع للقانون رقم 12-86 المتعلق بعقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، مما يجعل عملية الانتقاء تتم من خلال ما يُعرف بـ”الحوار التنافسي” الذي تديره لجنة وطنية يرأسها ويعينها رئيس الحكومة، وفقاً للمرسوم 703-20-2.
يقول محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام: “إن هذه الممارسة لا تتعلق بالمساواة بين المتنافسين في الوصول إلى الصفقات العمومية. إنها تجسيد واضح لزواج السلطة بالمال واستغلال فاضح لمواقع الامتياز والسلطة”.
وأضاف الغلوسي في تصريح لمصادرنا: “إن مقتضيات الفصل 36 من الدستور تشير إلى الفصل 245 من القانون الجنائي، الذي يرتبط بحالة صفقة تحلية مياه البحر”.
وأوضح الغلوسي أن الفصل “ينص على أن أي موظف عمومي يتلقى أو يحصل على أي فائدة في عقد أو دلالة أو مؤسسة أو استغلال مباشر يتولى إدارته أو الإشراف عليه، كلياً أو جزئياً، أثناء ارتكابه الفعل، سواء كان ذلك صراحة أو بشكل صوري أو بواسطة غيره، يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات وبغرامة تتراوح بين 5 آلاف درهم و100 ألف درهم”.
كما يوضح المحامي والناشط في حماية المال العام أن “المقصود هنا بالموظف العمومي ليس بالمعنى الإداري، بل بالمعنى الجنائي، كما يوضح الفصل 224 من القانون الجنائي المغربي”.
مؤشرات على تورط عزيز أخنوش
لإظهار المزيد من المؤشرات الواضحة على تضارب المصالح التي تورط فيها عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، ومالك أكبر شركة محروقات في البلاد، عقد إدريس الأزمي، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المعارض، مؤتمراً صحفياً في العاصمة المغربية الرباط، خصصه للتفصيل في صفقة محطة تحلية مياه البحر في جهة الدار البيضاء.
وكشف إدريس الأزمي، أمام الصحافيين، أن دفتر التحملات يستبعد، من الأساس، من الترشح للصفقة من لديه وضعية تمنحه امتيازاً غير مستحق مقارنة بباقي المرشحين، وأن رئيس الحكومة على علم بتفاصيل الصفقة، وإن لم يكن كذلك، فهناك شبهة قائمة لا يمكن إنكارها.
وربط الوزير الأسبق المكلف بالميزانية فوز الشركة المعنية بالصفقة بتعديل تم إدراجه في إطار مشروع قانون المالية لعام 2023 بخصوص الضريبة على الشركات، الذي ينص على تطبيق ضريبة بنسبة 20 في المائة فقط بدلاً من 35 في المائة على كل الشركات التي تستثمر مبلغاً لا يقل عن 1.5 مليار درهم مع الدولة، بشرط أن تكون الشركة قد أُنشئت اعتباراً من يناير 2023.
واعتبر إدريس الأزمي خلال المؤتمر الصحفي أن جميع هذه الشروط تتوافق مع الشركة التي فازت بالمشروع “البيضاء لتحلية المياه”، والتي أُسست في 15 يناير 2024.
الافتقار إلى قوانين واضحة
يتفق الجميع، عند الحديث عن تنازع المصالح، على أن تعريفه موجود في الفصل 36 من دستور المملكة المغربية، الذي يعتبره مخالفة تستدعي وجود جزاء. وأوضح أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، عبد الحفيظ اليونسي، أن “الوضع في المغرب يشير إلى أننا نفتقر إلى قانون ينظم ظاهرة تنازع المصالح. صحيح أن هناك قوانين تشير إلى حالات التنافي، لكنها لا تتماشى مع التوصيف الدستوري لتنازع المصالح كمخالفة”.
في هذا السياق، طالبت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة الحكومة بضرورة الإسراع في إصدار قانون يتعلق بتضارب المصالح، يكون كفيلاً بتطبيق أحكام الدستور التي تعتبر التجاوزات المرتبطة بتضارب المصالح أفعالاً يعاقب عليها القانون. وأضاف اليونسي”، أنه “في ظل الفراغ القانوني في المغرب، وصعود القطاع الخاص لأداء وظائف الدولة، أصبح المال متغولاً في مقابل آليات كبحه”.
واعتبر أستاذ القانون الدستوري أن “معضلة تضارب المصالح استفادت من سيطرة الأعيان على المؤسسات المنتخبة، بالإضافة إلى بداية تغلغل الرأسمال في الجهاز الإداري؛ مما أدى إلى إعفاءات ضريبية تُمنح سنوياً، تعدها مديرية تقنية بوزارة المالية، وهدفها الأساسي هو خدمة لوبيات تعمل في قطاعات متنوعة، وهنا يكمن الخطر”.
اتهامات جديدة بـ”تضارب المصالح”
بعد أن هدأت عاصفة استفادة عزيز أخنوش من منصبه للفوز بصفقة مشروع تحلية مياه البحر، يواجه رئيس الحكومة المغربية اتهامات جديدة بـ”تضارب المصالح”، بعد أن تمكنت شركة “أفريقيا” المملوكة له من الحصول على صفقة لتوريد “الفيول” لصالح المكتب الوطني للكهرباء والماء، بقيمة 2.44 مليار درهم (حوالي 240 مليون دولار أمريكي).
تشمل الصفقة التي فازت بها شركة أخنوش، وفق ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية، تزويد محطتي المحمدية وطانطان بحصص تبلغ 350 ألف طن و90 ألف طن على التوالي. وفي تعليقه على ذلك، جدد القيادي في حزب العدالة والتنمية المعارض، عبد العزيز أفتاتي، تأكيده على أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش يستغل سلطته لتركيز وافتراس المال واستثمار الأعمال “لتأبيد السلطة في متوالية لا تنتهي وهكذا دواليك”.
وقال أفتاتي، للموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية، إن هذه الصفقة كانت ضمن البرنامج التوقعي للسداسي الثاني لعام 2024 للمكتب الوطني للكهرباء، معتبراً إياها “شفطة أخرى تنضاف إلى شفطات سابقة كبيرة ومروعة ستتلوها أخرى على نفس المنوال”. وحسب أفتاتي، فإن “ما لا يُتحدث عنه هو أن هذه برمجة منسقة لتحالف الرأسمال الكبير الريعي في بلادنا، بهدف مزيد من تركيز الثروة وافتراس الأعمال، والصفقات البعيدة المدى وما فوق مربحة، وذلك كله بدعاوى مزيفة، لتشكيل مجموعات وطنية تنافس الرأسمال الأجنبي”.













