الباحث إدريس الصغيوار يكتب: من أسرار الاستشفاء والرقية بآيات القرآن

من المجمع عليه بين العلماء ان الاستشفاء بالقرآن مباح بل مستحب حتى ان من العلماء من جعل الاعراض عن الاستشفاء به من انواع هجر القرآن المنهي عنه في قوله تعالى : ( وقال الرسول يارب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) فلا يقتصر الهجر على هجر تلاوته والعمل به والتحاكم اليه بل يشمل ايضا هجر الاستشفاء به لتوهم بغضهم جهلا ـ انه لا يشفِي من الامراض العضوية.
فالاستشفاء بالقرآن والرقية به من كل الامراض عصيها وسهلها ثابت بنص القرآن نفسه والسنة ايضا فمن القرآن قوله تعالى : (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) . ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن ).
هذا متفق عليه ، وتعضده السنة العملية حيث كان رسول الله يرقي بالمعوذات ويقر الرقية بالفاتحة كما في قصة الملذوغ في صحيح البخاري. قال الطبري في تفسيره : (وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن). ولك ان تتأمل كيف شفي الملذوغ بالفاتحة ومرضه سم قاتل !! وكيف ازالت الفاتحة سمه !!
لكن السؤال المطروح دائما هو : اي ايات او سور القرآن هي شفاء ، وكيف نستعملها للرقية والتداوي ؟!
والجواب :
اولا : ان القرآن في اياته شفاء . لقوله تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) يدل على ان بعض القرآن شفاء فحرف ( من) في الاية للتبعيض . كأنه قال : وننزل ما فيه شفاء من القرآن . قاله الطبري. اي بعضه شفاء من الامراض ، وكله شفاء من الجهل والغي والضلال.
وقال اخرون بل كله شفاء .
وعلى هذا يمكن ان تكون ايات القرآن كلها شفاء لمن علم مناسبتها للمرض. فحتى ايات الاحكام مثل ( أقيموا الصلاة ) هي شفاء لمن أوتي من العلم لمعرفة طريقة الاستشفاء بها . واما من لا يعلم فلا يرى من ايات الشفاء الا ما كان مناسبا واضحا.
ثانيا : ان ايات الشفاء في القرآن على ثلاثة أنواع :
النوع الاول : اية او سورة للشفاء عامة وذلك مثل سورة الفاتحة ، والمعوذات وايات الشفاء ، واية الكرسي ونحو ذلك . فهذه الايات والسور يستشفى بها من كل مرض عامة . ولا سيما فاتحة الكتاب نصا وتجرية. ويعلمها اغلب الناس. ومنها ما هو مجرب .
النوع الثاني : ايات مخصوصة لها مناسبة واضحة للعلة والمرض كمثل ايات السكينة في ست مواضع في القرآن تقرأ للفزع في البيت او على مفزوع فيزول همه. فالسكينة هنا يدل مدلوها اللغوي على مناسبتها لعلاج الفزع والخوف والفتنة ونحو ذلك . وهذا يعلم من يعلم اللغة .
النوع الثالث : هو نوع لا يظهر له مناسبة من المدلول اللغوي لكن سياقه العام يصلح لتنزيله على المرض ايا كان واستصحاب معنى الشفاء به . كأن تكون الاية في سياق تقرير امر معين ، فتقرأها بنية أمر اخر يتناسب فيه السياق مع المرض . ومثال ذلك قوله تعالى : وفي عاد اذ ارسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء إلا اتت عليه كالرميم )
فهنا الاية تحكي قصة هلاك قوم عاد بريح عاتية ! فهذا سياقها ، لكن عند الاستشفاء بهذه الاية من مرض السرطان مثلا تستحضر في ذهنك ان الريح هي نور القرآن وانت تتلوه فهو كلام الله جل جلاله ، وان هذا النور ترسله انت بتلاوته على الورم اينما كان وكيفما كان وفي اي درجة كان وتضع يدك على مكان وجود الورم وتتلو الاية مستحضرا ان نور القرآن لا يترك شيئا من الورم الا جعله رميما مفتتا محطما لا يبقى منه شيء ، وتستحضر ان نور القرآن يخرج من يدك وانت تتلو بيقين وعزم ، كشعاع موجه باتجاه الورم لايخطئه ، ولا يذر منه شيء، وتكرر ذلك ثلاثا او سبعا او اكثر . وتداوم على ذلك جلسات ما دام المرض موجودا حتى يزول تماما بإذن الله.
فاذن سر العلاج بالقرآن والاستشفاء به هو في استحضار المعاني واستنباطها من الايات ولو تغير معناها الحقيقي ليتوافق مع حالة المرض. هذه الطريقة توظف وتستعمل في كل أنواع الايات حتى الفاتحة تستحضر عند قوله تعالى ( اياك نعبد واياك نستعين ) انك تعبد الله بالاستشفاء بالفاتحة و تستعين به في علاج المرض ! وهكذا قس على ذلك في كل الايات ولكل اية مناسبتها لمن وفقه الله الى فقهها واستحضارها وحسن توظيفها على المرض فهذا من اعظم معاني ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ومن انفس الاسرار ليس للرقية والاستشفاء فقط بل ايضا للوقاية من الامراض ، بل ايضا للقوة وبسطة الرزق والصحة والعلم وكل خير تريده ، وهذا الذي عليه علماء الأمة في القديم والحديث لا يختلفون على ذلك.
فهذا القرآن جاء بكل خير يخطر لك على بال وكل شرف يرفع به قدرك ويعلو به شأنك ( لقد انزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ) قال ابن عباس : ذكركم اي شرفكم.
وتختلف طرق العلاج بهذه المعاني فليست محصورة في التلاوة فقط بل تشمل غيرها ، وسنتطرق الى تلك الطرق في حلقة قادمة بإذن الله .











