أصدقاء جريدة القربالأخبارالرأيمجتمع

الباحث إدريس الصغيوار: شعيرة معظمة وسنة مؤكدة ..ولا تجب على القادر ولا غير القادر .

كان ابن عباس يضحي بقليل من اللحم يشتري

من مسائل الفقه التي يتكرر عليها الجدل كل سنة ، مسألة أضحية العيد أهي واجبة ام سنة .؟!! وهل على من لم يضح إثم اذا كان مستطيعا او غير مستطيع؟!!
وهذا النقاش ما كان ليتجدد لولا بعد الناس عن الفقه ومسائله، اذ المسألة ليست من النوازل التي تتجدد وقد حررها العلماء تحريرا كافيا واضخا شافيا.
فأضحية العيد سنة مؤكدة عند جماهير الفقهاء ومنه مذهب مالك.
فمن المقرر في الفقه الإسلامي ان شعيرة ذبح الأضحية في عيد الأضحى هي سنة مؤكدة والسنة المؤكدة هي السنة التي واظب الرسول ﷺ على أدائها، ولم يتركها إلا نادراً، إشعاراً بعدم فرضيتها.
وهذا القول المقرر هو قول جماهير أهل العلم من الفقهاء . وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن المنذر.

وبعبارة أبسط حينما نقول ان حكم الاضحية سنة مؤكدة في المذهب المالكي وعند جمهور العلماء فذلك يعني عدم العقاب على تركها، فليس على من تركها ولم يأت بها اي إثم أوعقوبة مقررة شرعا بإجماع الفقهاء
فالسنة المؤكدة والسنة المندوبة المطلقة اي غير المؤكدة كلاهما لا تدخل في داىرة الواجب الذي يترتب العقاب والاثم على تركه شرعا ، وان كانت السنة المؤكدة الى الواجب أقرب لكنها ليست منه قطعا.
وعليه فإنه لا يترتب على من ترك سنة الأضحية يوم العيد إثم في المذهب المالكي وهو مذهب جمهور الفقهاء من شافعية وحنابلة ! فهي سنة مؤكدة لمن تيسر عليه وليست واجبة .

إذا تقرر هذا فيبقى السؤال إذا لم يلحق الإثم من ترك سنة الاضحية يوم العيد فلم كل هذا التضخيم والتعظيم لهذا الأمر أكثر من غيره من السنن المؤكدة الأخرى كسنة الوتر والرواتب وسنة الفجر والصلاة في جماعة على قول الجمهور الى غير ذلك من السنن ؟!
والجواب ان السنن المؤكدة منها الظاهرة المميزة لشعائر الاسلام وفيها حكم ظاهرة زائدة ، ومنها ما هو غير ظاهر يخص المسلم في خاصة عباداته ولا يتعدى اثره ، فالحكمة من السنن عموما أنها عبادة في ذاتها لأجل متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) ولذلك فمجرد المتابعة هي عبادة سواء كانت السنة مؤكدة أو غير مؤكدة ، وهي بهذا تسد النقص في العبادات والتقصير في الشعائر ، فالرواتب مثلا لها أجرها ( بيت في الجنة) وفي الوقت نفسه تسد خلل الصلوات وما قد يطرأ عليه من نقص ولذلك تجد في الصلاة نفسها سنن مؤكدة تسد نقصها وهذا هو الغرض منها كالقراءة على ما زاد على الفاتحة مثلا .
اذن فالسنن المؤكدة لها حكمتها العامة ، وسنة الاضحية حكمتها الظاهرة هي إظهار شعائر الله بالفرح يوم العيد وتقديمها قربانا لله ، ووحدة المسلمين على هذا الفعل ، لكن هذا كله لا يجعل منها واجبة وإنما يفوت من تركها أجر عظيم ولا يلام شرعا على الترك .
وعلى هذا فإن تأكيد سنة الأضحية عند المالكية والجمهور لا يعني وجوبها فمن تركها ولو كان قادرا عليها لا إثم عليه . إنما الاثم يلحق من تركها رغبة عنها ! اي تهوينا لها كأنه لا يراها تستحق الفعل او التعظيم . ففرق بين من تركها متهاونا فيها مختارا مع قدرته وهو يعلم شانها كما عظمه الله ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) وبين من يتركها رغبة واستغناء فهذا الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) اي يلحقه الإثم بذلك . ليس في شأن الأضحية فقط وإنما في السنة عموما مندوبها ومؤكدها .
اذا علمت هذا فاعلم ان سنة الاضحية تكون سنة مؤكدة في حق المستطيع القادر على شرائها بالاتفاق فهذا الذي يفوته أجر العمل بهذه السنة المعظمة ، أما الذي لا يستطيع لها سبيلا وعليه الحرج في اقتنائها ، فلا لوم عليه في ترك هذه السنة واجره ثابت عند الله بنيته لا بفعله.
فالقدرة على الأضحية شرط عند الفقهاء فمن لم يقدر عليها لا شيء عليه سواء عند من اوجبوا الاضحية او ممن قرروا سنيتها وهم الجمهور.

واستدل المالكية والجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: ” إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظافره” رواه مسلم.
وبأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن أمته، وبقوله ” ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى” أخرجه الحاكم .
وردوا على أدلة من أوجب الأضحية بضعف حديث اذ لا يثبت مرفوعا كما حعلوا في دليل اخر ما يبطل حجيته من نصه ، فلا فائدة من بسط ذلك.
وعلى تقدير التسليم ان قوله صلى الله عليه وسلم: ” من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا” رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم، يفيد وجوب الاضحية على من وجد سعة وهو القادر عليه ، مع ان الحديث مختلف في وقفه ورفعه .
فالاجماع منعقد على عدم الوجوب على غير القادر عليها ، ولا ان تكون سنة مؤكدة في حقه بل قد يكون اقتراضه لأجل هذا الأمر فيه من الحرج عليه وعلى أهله ما يفضي إلى مفاسد كالمطل وعدم القدرة على السداد او الوقوع في الربا ونحو ذلك .
ولذلك صح عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يظن أن الأضحية واجبة.
وروي عن ابن عباس انه كان يشتري لحما لهذا الغرض:
قال عكرمة: كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما ويقول من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس.

فإذا كان الصحابة بعض لا يضحون مع القدرة فما بال غير المقتدر ؟!!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى