أخبار العالمأصدقاء جريدة القربالأخبارالرأيمجتمع

الباحث إدريس الصغيوار: عبادة الاستئذان المنسية – الحلقة الأولى –

 

استهل بطرح الإشكال كسبب وجيه لكتابة هذا المقال ، وهو سؤال كالتالي:
من منا لا يغضب إذا طرق باب بيت أحدهم فجاة ، فأجابه صاحب البيت بأن له عذرا في استقباله وقال له زرنا فيما بعد يكون الحال أنسب ؟!!
ومن منا لا يغضب ويظن ظن السوء اذا تجاهل احد اتصاله او رسائله لظرف هو لا يعلمه ؟!!
طبعا نستثني من هذا الزائر او المتصل الذي يطرق لسبب اضطراري ملح أو زائر من مدينة بعيدة او نحو ذلك فهذا وضع استثنائي نادر له حكم النادر.
فبلا شك أن كل من يطرق باب بيت قريبه او صاحبه – لزيارة عادية في وقت مناسب – ينتظر الدخول فورا ( بلا تردد) ويرى من المهانة والاحتقار في حقه ان يقال له ارجع.
مع ان الله جل وعلا أعطى لصاحب البيت حق الإرجاع والاعتذار وحث الزائر بالامتثال لذلك نقاء وتزكية لنفسه فجعل فعله هذا عبادة . قال تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم ) فمجرد الرجوع بطيب نفس عبادة هي ما سميناها هنا ( عبادة الاستئذان )
ولذلك قال ابن كثير في تفسيرها أي : إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ( فارجعوا هو أزكى لكم ) أي : رجوعكم أزكى لكم وأطهر ( والله بما تعملون عليم ) .

الصغيوار
وتأمل في بعض الصحابة كيف فهم هذه العبادة فظل عمره ينتظر أحدا يرده من الباب فيمتثل عبادة لله : قال قتادة : قال بعض المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني ، فيقول لي : ” ارجع ” ، فأرجع وأنا مغتبط ، لقوله: ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) .
وقال سعيد بن جبير : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) أي : لا تقفوا على أبواب الناس.
بل ورد الاستىذان حتى على بيوت الأمهات : قال ابن مسعود يقول : عليكم الإذن على أمهاتكم .
ولا يزال أدب كهذا معمولا به عند كثير من الأسر كأصل جاري به العمل فتجد الابن اذا أراد زيارة والدته يتصل عليها ويخبرها بمجيئه وذلك بأن يسألها عن حاجات يقضيها لها قبل المجيء فتعلم بمجيئه وتخبره بحاجاتها فيكون ذلك بمثابة إذن بالمجيء والدخول عليها.
بل بشمل أدب الاستئذان استئذان الزوج على زوجة استحبابا قبل الدخول لتعطى فرصة تهيئة الحال والمقام كما تحبه لنزعتها الفطرية في ذلك ، وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال : لا .
قال ابن كثير تعليقا عليه : وهذا محمول على عدم الوجوب ، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به ، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها .
ولا يزال اهل المدينة في فاس يعملون بهذا الأصل إذا دخلوا بيوتهم ( رفعوا اصواتهم : الطريق .. الطريق.. وكأنهم داخلوا بيت غريب وما ذلك الا من قبيل الاستىذان ادبا وتعبدا وهو اصل له اهله من الصحابة والتابعين فعن أبي هبيرة قال : كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس – تكلم ورفع صوته .


وعن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، أنه قال : إذا دخل الرجل بيته ، استحب له أن يتنحنح ، أو يحرك نعليه .
والنهي معلوم عن طرق الرجل اهل بيته ليلا وهذا كله داخل في معنى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) . تستانسوا أي تستأذنوا .
وكما يكون الاستىذان عند باب البيت يكون بأصوله وادبه فلا يقف الزائر مقابل الباب وانما بجانبها ايمنها او ايسرها غاضا بصره حتى لا يرى ما بداخله قبل ان يؤذن له ، ولا يرى محارمه اذا كان اجنبيا ، ويكون لفظ الاستئذان بالسلام وقول ( هل أدخل ) او ما يقوم مقام ذلك من العبارات عرفا ؛ فإذا سئل عن هويته اجاب أنا فلان يعرف بذلك بنفسه ، لا ان يقول ( قريب ) كما هو شائع ، فالقرابة لا تنحصر . وقد ورد في كل هذه الامور نصوص صحيحة معروفة .

كما ان اوقات الزيارة لها اعتبارها حتى قبل الاستىذان ، منعا للحرج ، وهي تتغاير تغاير ظروف الناس فهناك اوقات معلومة بالضرورة بالحرج كوقت النوم والقيلولة وجوف الليل وبعد الفجر ، وحسب حال اهل البيت ان كانوا ممن يعملون ليلا وينامون نهارا لطبيعة عملهم الى ما هنالك من الاحوال التي تقدر حسب ظروف اهل البيت.
وعبادة الاستئذان لا تنحصر في باب البيت بل تشمل في زماننا هذا الهاتف ، فليس كل متصل يتوجب الرد عليه في الحين ، فالمتصل طارق مستأذن فان رد عليه صاحب الهاتف فبها ونعمت وان لم يرد فله عذره ، وهو داخل في قوله تعالى ( وان قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) ، لا سيما مع وجود بدائل الرسائل الصوتية والكتابية على مواقع التواصل فهي تتيح التواصل بأريحية تعطي لعبادة الاستىذان مساحة كافية ، اللهم الا اذا كان الاتصال ملحا لسبب ضروري مستعجل فهذا من الخاص الذي له حكمه ويعذر صاحبه. وقد ألف العلامة بكر أبوزيد رحمه الله كتابا نفيسا صغير الحجم سماه : (ادب الهاتف) جمع فيه أدابا نفسية . . وهو متاح للتحميل على النت.


وتأمل مثلا صبيحة عيد الأضحى كيف تتحول شعيرة صلة الرحم والتواصل إلى ازمة حقيقة مع من يصر على التواصل المباشر بالهاتف كدليل على التقدير والمحبة وهي خصلة محمودة من حيث النية والدافع لكنها قد لا تكون حكيمة في كل وقت، فلو فرضنا ان عدد المحبين مائة نفر من الاقارب والارحام و ومثلهم من الاصدقاء فهذه قبيلة بعددها !! فكم يحتاج المرء من الوقت والجهد والطاقة ليرد عليهم فردا فردا فلو أعطي لكل فرد دقيقتان فقط فسيكون المجموع ست ساعات على أقل تقدير ..فمتى سيجلس مع أهله ومتى سيذبح الأضحية ومتى سيلبس و يستريح من عناء صبيحة العيد . مع ان التواصل برسائل صوتية على الواتساب تتيح للمرء فرصة الرد باريحية ولا تنقص من الود ولا من المحبة شيئا وعيد الأضحى ثلاث أيام بلياليها .

إن عبادة الاستئذان من العبادات المنسية بحسن النية ، عند معظم المتزاورين ، اذ تغطي الرغبة في الزيارة والتواصل هذا الأدب النفيس أدب الاستئذان ، وإذا كان التزاور وصلة الرحم عبادات عظيمة لها فضلها واثرها ، ولا يقوم بها الا من احبه الله ووصله فان هذه العبادات تؤدى على ما اراده الله ورضيه لا بالهوى والرغبات خلاف الأصول الشرعية والأعراف المرعية ، وكما قال ابن مسعود : رب مريد للخير لم يبلغه .
رام نفعا فضر من غير قصد – ومن البر ما يكون عقوقا
وتبقى عبادة الاستئذان بين الزوجين واحدة من أهم القيم التي تحصن بها الاسر من التفكك وتدوم بها الالفة والمودة ويستقيم بها صرح القوامة والحال وهي مادة الجزء الثاني من هذا المقال ان شاء الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى