بداية لا ينبغي أن يُختزل النقاش حول المشاركة أو المقاطعة الانتخابية في سؤال: من يمتلك الموقف الأكثر مبدئية..؟ وإنما ينبغي أن يُطرح السؤال بصورة أعمق: أيّ الخيارات أكثر اتساقاً مع مقاصد الإصلاح، وأقدر على إنتاج المصلحة ودفع المفسدة، وبناء القدرة على التأثير في الحاضر والمستقبل..؟
ذلك أن الفعل السياسي – في منظور الفكر الإسلامي- ليس مجالاً للأحكام المجردة عن الواقع والمآلات، بل هو من أكثر المجالات احتياجاً إلى فقه المصالح والمفاسد، وفقه المآلات، وفقه الأولويات، والنظر في القدرة والاستطاعة والكلفة.
وقد أكدت أدبيات فكر الانتخابات المعاصرة، أن المشاركة السياسية من القضايا التي تُبنى على الموازنة بين المصالح والمفاسد، وأن الحكم فيها يتغير باختلاف الزمان والمكان والظروف والنتائج المتوقعة.
ومع كل استحقاق انتخابي في المغرب، تتجدد أسئلة المشاركة والمقاطعة، وتتجاوز في حقيقتها مجرد الموقف من الانتخابات، إلى سؤال أعمق يتعلق بفلسفة الإصلاح السياسي وآليات التغيير وحدود الممكن والمتاح. فبين من يرى في المقاطعة وسيلة للاحتجاج على اختلالات قائمة، ومن يرى في المشاركة والتدافع المؤسساتي مدخلاً للإصلاح التدريجي، يبرز السؤال الأهم: كيف نختار الوسيلة السياسية التي تحقق أكبر قدر من المصلحة، وتبني قدرة إصلاحية مستدامة، وتتعامل بواقعية مع موازين القوى ومآلات الأفعال..؟
من هنا تأتي هذه المحاولة لقراءة أطروحة المقاطعة ونقد أسسها، واستجلاء منطق المشاركة من منظور مقاصدي وفلسفي واستراتيجي، ليس دفاعاً عن مؤسسة انتخابية لذاتها، ولا اختزالاً للإصلاح في صندوق الاقتراع، وإنما بحثاً في “فقه الممكن، وفقه المآلات” وكيف يتحول الفعل السياسي من مجرد موقف إلى مسار إصلاحي متراكم.
أولا- المقاصد لا تقيس المواقف بشعاراتها وإنما بغاياتها ومآلاتها:
من أهم ما أضافه الفكر المقاصدي إلى النظر السياسي، أنه نقل مركز الاهتمام من صورة الفعل إلى حقيقته ونتيجته .فالإمام الشاطبي أسس للنظر في المصالح ضمن البناء الكلي للشريعة، بينما أعاد ابن عاشور بناء المقاصد باعتبارها أداة لفهم الواقع والاجتهاد فيه. ومن أبرز مقاصده العامة: حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه.
وبناء على هذا المنهج، لا يكفي أن نقول: «المقاطعة موقف احتجاجي»، أو «المشاركة اعتراف بالمؤسسات»، بل يجب أن نسأل: ماذا ينتج عن المقاطعة..؟ وماذا تنتج المشاركة..؟
هل تؤدي المقاطعة إلى إصلاح فعلي في قواعد اللعبة السياسية..؟
هل تخلق ضغطاً قادراً على تغيير موازين القوى..؟
هل توجد آليات بديلة لتحويل الامتناع عن التصويت إلى تأثير سياسي..؟
وبالمقابل: هل تتيح المشاركة فرصاً حقيقية للرقابة والتشريع والترافع وبناء الكفاءات..؟
وهل يمكن تحويلها إلى مدخل لإصلاح تدريجي..؟
هذه هي الأسئلة المقاصدية الأكثر دقة، والتي تؤسس لنظر مقاصدي لمسألة سؤال الإصلاح السياسي.
ثانيا- من «المصلحة المجردة» إلى فقه الموازنات
قد تكون في المشاركة مفسدة، وقد تكون في المقاطعة مصلحة، كما قد يحدث العكس. فالمشاركة قد تحمل خطر التطبيع مع اختلالات قائمة، أو الانشغال بالمنافسة الانتخابية على حساب المشروع الإصلاحي. والمقاطعة قد تحمل في المقابل، مصلحة الاحتجاج والتنبيه إلى الاختلالات، لكنها قد تحمل أيضاً مفسدة فقدان إحدى قنوات التأثير، وترك المجال المؤسسي للفاعلين الآخرين.
لذلك فإن بناء الحكم على مصلحة واحدة أو مفسدة واحدة يظل ناقصاً، والمطلوب هو الموازنة: بين المصلحة القريبة والمصلحة البعيدة، بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة، بين المكسب الرمزي والمكسب المؤسسي، بين المكسب الانتخابي والمكسب الاستراتيجي.. وهذا أقرب إلى روح النظر المقاصدي، من تحويل المسألة إلى حكم ثنائي ثابت.
ثالثا- فقه المآلات، أخطر سؤال في قضية المقاطعة:
من القواعد المهمة في التفكير المقاصدي: “أن الفعل لا يُنظر إليه فقط باعتبار بدايته، وإنما باعتبار ما يفضي إليه”. وهنا تظهر إشكالية مركزية في خيار المقاطعة:
إذا كانت المقاطعة احتجاجاً على ضعف المؤسسات، فما الآلية التي تجعل غياب الفاعل الإصلاحي عنها يؤدي إلى إصلاحها..؟
هذا السؤال لا ينفي مشروعية الاحتجاج، ولا ينكر وجود اختلالات، لكنه يطالب بتقديم السلسلة السببية التي تربط المقاطعة بالنتيجة المرجوة.
فإذا كانت الخطة هي:
مقاطعة = ارتفاع العزوف = اهتزاز الشرعية = استجابة سياسية = إصلاح مؤسساتي
فإن كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى إثبات، وليس مجرد افتراض.
وبالمقابل، يمكن صياغة سلسلة أخرى:
مشاركة = حضور مؤسساتي = تراكم الخبرة = بناء الكفاءات = التأثير التشريعي والرقابي = تراكم الإصلاح
وهذه السلسلة أيضاً ليست مضمونة، لكنها قابلة للاختبار والمراجعة.
وهنا يصبح الفرق بين الموقف السياسي والاستراتيجية السياسية واضحاً، فالموقف يعلن ما نرفضه، أما الاستراتيجية فتجيب عن سؤال: كيف نغيره..؟
رابعا- الاستطاعة، الإصلاح لا يُبنى على الممكن المتخيَّل:
من المفاهيم المهمة في التفكير الإسلامي مفهوم الاستطاعة، فالفاعل الإصلاحي لا يُكلَّف بتحقيق ما يتجاوز قدرته، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يحوّل محدودية قدرته، إلى ذريعة لترك الممكن والمتاح. وهنا يمكن صياغة قاعدة عملية: “ليس المطلوب أن تفعل ما لا تستطيع، ولكن المطلوب ألا تترك ما تستطيع فعله، بحجة أنك لا تستطيع فعل كل شيء.”
فإذا كانت المؤسسة لا تسمح بتحقيق جميع أهداف الإصلاح، فهذا لا يثبت أنها لا تسمح بتحقيق أي إصلاح. والتفكير الواقعي هنا أكثر اتزاناً من التفكير الثنائي: إما تغيير شامل، أو لا قيمة للفعل الجزئي. لذاك فالإصلاح التاريخي في المجتمعات، غالباً ما يتحقق عبر تراكم الجزئيات التي تغير بنية الواقع تدريجياً.
خامسا- السياسة في الفكر الإسلامي ليست بحثاً عن «النظام المثالي» وإنما عن “الأقرب إلى الصلاح”:
هذه النقطة تلتقي فيها المقاصد مع الفلسفة السياسية الإسلامية، فالسياسة الشرعية في تعريفها العام مرتبطة بتدبير ما يقرب الناس من الصلاح ويبعدهم عن الفساد، وفي القراءة المقاصدية المعاصرة، عُرّفت السياسة الشرعية باعتبارها تدبيراً للمصالح العامة بما يحقق مقاصد الشريعة ويتلاءم معها.
وهذا يحرر التفكير السياسي من سؤال مثالي من قبيل: هل هذه المؤسسات تحقق النموذج الكامل الذي نريده..؟
إلى سؤال أكثر واقعية: ما الذي يمكن فعله داخل الواقع القائم، لتقريب المجتمع من العدل والصلاح وتقليل الفساد..؟
إنه انتقال من منطق المثال المجرد إلى منطق الإصلاح الممكن، ولا يعني ذلك قبول الواقع كما هو، بل يعني التعامل معه باعتباره ميداناً للتغيير.
سادسا- المشاركة ليست بالضرورة تزكية، كما أن المقاطعة ليست بالضرورة تغييراً:
هنا ينبغي تحرير النقاش من التلازمات غير الضرورية، فالمشاركة لا تعني بالضرورة الرضا عن كل شيء، كما أن المقاطعة لا تعني بالضرورة القدرة على تغيير الشيء الذي نرفضه. حيث يمكن أن يدخل الفاعل مؤسسة سياسية وهو يحمل مشروعاً لإصلاحها، كما يمكن أن يقاطعها وهو يملك مشروعاً بديلاً للتغيير.
لذلك فإن معيار التقييم ينبغي أن يكون: ما الذي يستطيع كل خيار أن يحققه فعلياً..؟
وهذه النقطة مهمة خصوصاً في العمل الإسلامي الإصلاحي، لأن العمل السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إثبات للهوية أو إعلان للموقف، وإنما إلى اجتهاد في تحقيق المصلحة العامة ضمن حدود الواقع والاستطاعة.
سابعا- التدافع باعتباره مفهوماً استراتيجياً:
يقدم مفهوم التدافع القرآني أفقاً مهماً لفهم العمل السياسي، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾
فالتدافع هنا لا يعني الصراع من أجل الصراع، وإنما يفترض وجود قوى واتجاهات ومصالح ورؤى تتفاعل داخل المجتمع، ومن ثم فإن انسحاب فاعل إصلاحي من مجال من مجالات التدافع، لا يعني بالضرورة اختفاء التدافع، بل قد يعني ببساطة أن المجال سيُملأ بفاعلين آخرين. وهنا تظهر قيمة الحضور السياسي باعتباره حضوراً في صناعة المجال، لا مجرد حضور في مؤسسة.
فالفاعل الذي يريد إصلاح التشريع يحتاج إلى البرلمان، ومن يريد التأثير في السياسات العمومية يحتاج إلى المجالس والمؤسسات، ومن يريد بناء ثقافة سياسية يحتاج إلى المجتمع المدني والإعلام والتعليم والفضاء العام.. إنها شبكة متكاملة من ساحات التدافع.
ثامنا-من منظور استراتيجي، لا تسأل فقط «ماذا سأفعل اليوم..؟» بل “ماذا سيبني هذا بعد عشرين سنة..؟”
من أهم ما ينقص النقاش السياسي المغربي أحياناً هو البعد الاستراتيجي، فالانتخابات دورة قصيرة، بينما بناء المشروع الإصلاحي عملية طويلة، ومن ثم ينبغي أن تُقاس المشاركة أو المقاطعة ليس فقط بنتيجة الانتخابات الحالية، وإنما بما تتركه من: كوادر سياسية مؤهلة، خبرة مؤسساتية متراكمة، قدرة على إنتاج السياسات، حضور اجتماعي، شبكات علاقات، ثقة المواطنين، قدرة تفاوضية، رصيد معرفي وخبرة في تدبير الشأن العام.
وهذا يقود إلى مفهوم بالغ الأهمية: “تراكم القوة الإصلاحية”، فالحركة الإصلاحية التي تفكر استراتيجياً، لا تبحث في كل دورة عن انتصار نهائي، وإنما تسأل: ماذا أضافت هذه المرحلة إلى قدرتي على الإصلاح في المرحلة القادمة..؟
فقد تكون بعض المكاسب صغيرة في المدى القصير، لكنها تصبح ذات قيمة كبيرة عندما تتراكم.
تاسعا- المؤسسة، ليست غاية إنها إحدى ساحات بناء القوة:
من الخطأ اختزال العمل المؤسساتي في المقاعد، فالوجود داخل المؤسسة يمكن أن يكون مدرسة لتكوين الإنسان السياسي: يتعلم التشريع، والتفاوض، والرقابة، وإدارة الاختلاف، وفهم الاقتصاد، والتعامل مع الإدارة، واستيعاب تعقيدات الدولة والمجتمع. ومن هذه الزاوية يصبح العمل المؤسساتي جزءاً من بناء الإنسان المؤثر، لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وهذه الرؤية أكثر انسجاماً مع فلسفة الإصلاح التي تجعل الإنسان محور التغيير.
عاشرا- لكن المشاركة الإصلاحية تحتاج إلى شروط:
الدفاع عن المشاركة لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع غير مشروط عن كل أشكالها، بل ينبغي أن تكون المشاركة محكومة بمبادئ واضحة:
– المشاركة لا الاستسلام.
– التدافع لا الذوبان.
– التعاون لا التبعية.
– النقد لا القطيعة.
– المسؤولية لا الامتياز.
– المحاسبة لا الحصانة.
– المؤسسة وسيلة لا غاية.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نشارك..؟
بل: كيف نشارك..؟ ولماذا..؟ وبأي مشروع..؟ وبأي رجال ونساء..؟ وبأي أدوات للمحاسبة..؟ وما الذي نريد أن نغيره من داخل المؤسسة ومن خارجها..؟
حادي عشر- من «المقاطعة» إلى سؤال البديل:
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط المنهجية، فنقد المؤسسات مشروع، ونقد الاختلالات مشروع، والمقاطعة باعتبارها أداة احتجاج يمكن أن تكون موقفاً سياسياً مفهوماً. لكن كل مقاطعة استراتيجية تحتاج إلى الإجابة عن سؤال البديل:
ما الخطة السياسية التي تبدأ في اليوم التالي للمقاطعة..؟
إذا كان الهدف تغيير قواعد اللعبة، فما أدوات الضغط..؟
إذا كان الهدف إصلاح المؤسسات، فما آليات الإصلاح..؟
إذا كان الهدف بناء ديمقراطية أوسع، كيف يتم بناء القوة الاجتماعية القادرة على تحقيقها..؟
إذا كان الهدف تغيير الوعي العام، ما المشروع التربوي والثقافي والإعلامي الذي يحقق ذلك..؟
إن عدم الإجابة عن هذه الأسئلة يجعل المقاطعة، في بعض الحالات، أقرب إلى موقف احتجاجي منها إلى استراتيجية تغيير متكاملة.
خلاصة: من فقه الموقف إلى فقه المسار
إن الخلاف حول المشاركة والمقاطعة، لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين المبدئيين والواقعيين، ولا بين الرافضين والمشاركين. فالمسألة أعمق من ذلك، إنها خلاف حول نظرية التغيير نفسها: هل يتغير المجتمع عبر الضغط من خارج المؤسسات فقط..؟ أم عبر الجمع بين الضغط المجتمعي والعمل المؤسساتي..؟
هل الإصلاح يبدأ بعد اكتمال شروطه..؟ أم أن العمل من داخل الواقع جزء من صناعة شروط الإصلاح..؟
فالفقه المقاصدي يميل إلى أن الحكم على الوسائل لا ينفصل عن غاياتها ومآلاتها، وأن المصلحة لا تُختزل في مكسب آني، وأن السياسة مجال واسع للاجتهاد والموازنة والنظر في العواقب. وهذا ما يجعل المشاركة أو المقاطعة وسائل وليست مقاصد في ذاتها.
ومن هنا فإن السؤال الأهم للحركة الإصلاحية ليس: هل نشارك أم نقاطع..؟
بل: أي مسار يبني على المدى الطويل، أكبر قدرة ممكنة على تحقيق العدل والصلاح وتقليل الفساد، في حدود الاستطاعة، وبأقل كلفة ممكنة، مع الحفاظ على استقلال المشروع الإصلاحي ووضوح غاياته..؟
وهذا هو الانتقال الحقيقي من فقه الموقف إلى فقه المسار، ومن رد الفعل السياسي إلى التفكير الاستراتيجي، ومن انتظار اللحظة المثالية إلى صناعة الممكن الإصلاحي وتراكمه.
فالمشروع الإصلاحي الناضج لا يكتفي بأن يقول: ماذا نرفض..؟ بل ينبغي أن يمتلك إجابة دقيقة عن السؤال الأصعب: ماذا نريد أن نبني، وكيف سنبنيه، وما الذي نستطيع أن ننجزه اليوم ليصبح ممكناً غداً ما كان متعذراً بالأمس..؟
