يرى الدكتور عبد العزيز الإدريسي في الحلقة الثانية من سلسلة “القول الآمن” التي عنونها ب”الدّلالات الرِّسالية للجلسَة الافتتاحيَّة” أن الجلسة الافتتاحية للجمع العام الوطني الثامن لـحركة التوحيد والإصلاح حملت دلالات رسالية عميقة تتجاوز البعد التنظيمي، من خلال التأكيد على مركزية الإصلاح والوسطية والاستقامة في مشروع الحركة، وتجديد الالتزام بخدمة الوطن والأمة، والدفاع عن الثوابت الوطنية وفي مقدمتها الوحدة الترابية للمغرب، إلى جانب مواصلة دعم القضية الفلسطينية. كما أبرزت الجلسة أهمية المراجعة الفكرية والتجديد، وتمكين الشباب، وتعزيز دور المرأة والأسرة، وترسيخ قيم الشورى والتعاون والمسؤولية، بما يجعل الاستقامة والإصلاح مشروعاً مجتمعياً متكاملاً يهم الفرد والأسرة والمؤسسات والوطن.

وجاء في هذه الحلقة كما وردت على جريدة القرب:

بسم الله الرّحمن الرحَيم والصَّلاة والسَّلام على مـحمـد نبي المرحمة

وآله الغـر الكرام البررة وصـحبه المنتخبين الخـيرة.

 

القَولُ الآمِن

 حَولَ فعاليَات الجمعِ العَام الوَطني الثَّامن

الحَلقة الثّانية: الدّلالات الرِّسالية للجلسَة الافتتاحيَّة

د. عبد العزيز الإدريسي

لاشكَّ أن نجاح الجلسَة الافتتاحية العامَّة مؤشرٌ دالٌّ ومعبر على نجاح أيّ مؤتمر أو جمع عام، وهذا النَّجاح هوَ ثمرة لتَضافر قُصود وجُهود؛ و الجلسَة الافتتاحية هي خاتمة مرحلةٍ وفاتحةُ أخرى، وقد تجلى ذلك في جلسة هذا الجمع الوطني الثّامن؛ فالنجاح الذي عرفته الجلسة الافتتاحية لم يكون وليد الصدفة، بل كان عائدَ أشهر وحصيلة أسابيع من الإعداد من طرف اللجنة التحضيرية بأجنحتها وألويتها من لجنة التنظيم ولجنة الإعلام ولجنة الاستقبال و…وهو نجاح دالٌّ على علو كعب الحركة في الإنجاز و التنفيذ والأداء و الانضبَاط، و الإبداع والتفاني في الاتقان والإحسان، وهو تجلٍّ من تجليات وفائها لمنهجها الإصلاحي ولكَسبها الفِكري و التّنظيمي ولخاصيتها الرسالية ؛ وهو ما راكمته في الجموع السّابقة ومختلف المناشط الدعوية والتربوية والتكوينية، مستحضرين في ذلك قول الشّاعر المتنبي:

وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ عيبًا —كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التّمامِ

والجلسةُ الافتتاحية للجمع العام الثامن اكتنزتْ بمعان إيمانية ودلالات رساليّة، سنحاول توثيقَ بعضهَا في هذا المكتُوب، ومنْ حضر الجلسة الافتتاحية أو تابع النقل المباشر لها على منصات الحركة تنسّم هذه المعاني وتذوق هذه الدّلالات؛ وقبل ذلك نؤكد بأن مفهوم الرّسالية من المفاهيم المركزية في المنظومة الفكرية والمنهجية والقِيمية والإصلاحية للحركة، ذلك أنها جعلتها ثاني خصائصها المنهجية السبعة: ( أولا: الوَسطية/ ثانيا: الرِّسالية/ ثالثا: التجْديد/ رابعا: المشَاركة الإيجابية/ خامسا: التَّعاون على الخير مع الغَير/ سادسا: الأصَالة المغربية/ سابعا: السُّننية) ،انظر “الميثاق طبعة 2019م”.

فالرسالية نسبة إلى رسالَة حركة التّوحيد والإصلاح التي اتّخذتها مَنهجا يدور العملُ معها حيث دارت، ويسير حيث سارت. والتي تتلخص في: ”الإسهام في إقامة الدين وتجديد فهمه وترشيد العمل به والتعاون على ترسيخ قيم الإصلاح وعلى تحقيق نهضة الوطن والأمة والإنسانية، من خلال هيئة مغربية دعوية تربوية إصلاحية، تعتمد الدعوة إلى الله تعالى وتأهيل الإنسان ليكون صالحا مصلحا، وتلتزم منهج الشورى والوسطية والمشاركة الإيجابية والتعاون على الخير مع الغير“؛ وبالتالي فالرسالية عندك الحركة تعني استِصْحابَ البُعْدِ الرِّسالي في جميع مناشطها وشؤونها؛ وهي ذلك المجهود المبذول فكريا وعمليا من أجل تمليك الفكرة للمجتمع؛ وهو ما يقتضي المناقَضَة المبدئيَّةَ والمنهجية لكلِّ مَنْزَعٍ طائِفِيٍّ قريبٍ أو بعيد، أو تقوقع على الذات، أو تمركز حولها.

ومن معاني “الرسالية” أن مفردات المشروع الإصلاحي تنظيميا وإداريا، بل وحتى على مستوى الأفكار والرؤى، تتحوَل كلُّها إلى أدَواتٍ وظيفية ووسائل للتعاون على الدعوة والإصلاح، من أجل حسن الإسهام في “إقامة الدين“؛ وهو المقصد الأساسي المتسامي على غيره من مقاصد عمل الحركة، ولكن قبل ذلك “ابتغاء وجه الله والدار الآخرة”؛ وهو المبدأ المتسامي على غيره من المبادئ. فالحركة الرسالية هي التي تتكيّف إداريا وتنظيميا لتكون قادرة على تمثُّل هذا المفهوم، ولا تكون عائقا دون تنَزُّلِه في الواقع؛ وفيما يلي أهم الدلالات الرسالية للجلسة الافتتاحية، والترتيب ليس ترتيبا في الأولوية أو الأفضلية:

  • الدّلالة الأولى: الإتقانُ في التَّنظيم والإحْسان في التَّقديم

إن ما شهده الضّيوف و تابَعهُ المؤتمرون من إتقان في التنظيم وإحسان في التقديم لم يكن مجرد ترتيبات شكلية فقط، بل كان رسالة تربوية ودعوية متكاملة الأبعاد تعكس جوهر مشروع الحركة ورسالتها في الإصلاح، وقد تجلى ذلك الإتقان في الالتزام بالموعد التنظيمي المحدد (أكتوبر2022-أكتوبر2026)، وحسن استقبال الضيوف من داخل المغرب وخارجه، وانضباط فقرات البرنامج، وجمالية الفضاء، وتكامل الأدوار بين الأخ سالم عند الله الأنصاري والأخت شيماء جروندي مُسيرَي الجلسة، وعمل جنود الخفاء الذين خدموا بصمت وإخلاص، مما قدم صورة حية عن حركة تستحضرُ قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” و “إن الله كتب الإحسان على كل شيء..”.

كما تجلى الإحسان في حُسن تقديم فقرات الجلسة الافتتاحيّة ( وإن طالت قليلا)، فمن الافتتاح بآيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ المقرئ الشيخ الحافظ أحمد الخالدي والأداء الجماعي للنشيد الوطني إلى الختم بالدعاء الصالح من طرف الشيخ العالم العامل محمد الحسن ولد الددو، مرورا بكملة الدكتور أوس رمّال رئيس الحركة ، و كلمة الدكتور حنان الإدريسي نائب الرئيس، ثم كلمة الأستاذ عبد اللطيف تِغْزوان مسؤول القسم المركزي لقسم الطفولة والشباب ، ومتابعة جينيرك المؤتمر الذي أعدَّه قسم الإعلام والتحول الرقمي، فكلمة الدكتور عصام البشير من دولة السودان ، ثم كلمة الأستاذ تالا أمبينغ من دولة السينغال، فكلمة الأستاذ منير سعيد من دولة فلسطين، وكلمة الأستاذ آصف لقمان قاضي من باكستان، ثم توقف الجمع مع لحظة تكريم ووفاء للعالم الجليل الدكتور أحمد الريسوني أول رئيس للحركة، ثم كلمة الداعية المغربي ياسين العمري، فكلمة الأستاذ عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ثم فقرة إنشادية في مدح خير البرية عليه السَّلامان، ثم كلمة الأستاذ عبد الحفيط السريتي عن مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، وكلمة الأستاذ محمد الزويتن الأمين العام للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، ثم قصيدة شعرية من إلقاء الأديب الأريب فيصل الأمين البقالي، هذه الكلمات والفقرات رسمت لوحة رسالية عنوانها الوفاء والعطاء والإتقان والإحسان والتوحيد والإصلاح.

الدّلالة الثانية: الولاءُ للوطن والوَفاء للأمَّة

تجسدتْ في الجلسة الافتتاحية للجمع العام الوطني دلالة رسالية ثانية جامعة، وهي الولاء للوطن والوفاء للأمة، الصحراء المغربية وفلسطين، حيث أكدت الحركة من جديد أن حب الوطن والاعتزاز بوحدته الترابية ليس شعارا موسميا، بل هو عقيدة راسخة ووفاء دائم وهو ترجمة واعية للإيمان والالتزام بالثوابت 🙁 الإسلام- الوحدة الترابية- الملكية- الاختيار الديمقراطي).

وأن نُصرة فلسطين خصوصا وقضايا الأمة عموما ليست خيارا عابرا، بل هي التزام إيماني ووطني وأخلاقي وإنساني لا يقبل المساومة أو التراجع. فقد حضرت الصحراء المغربية بقوة في الخطاب والشعارات، تأكيدا على أن المغرب واحد موحد من طنجة إلى الكويرة، وأن الوحدة الترابية خط أحمر لا يقبل التجزئة أو الابتزاز، وأن الدفاع عنها واجب على كل مغربي حر.

كما حضرت فلسطين بأفئدة الحاضرين قبل ألسنتهم، في الشعارات والمواقف، تأكيدا على أن القُدس والأقصى وغزة ليست قضية هامشية، بل هي قضية كل مسلم وكل حر، وأن التطبيع خيانة لا يمثل إرادة الشعب المغربي الأصيل. وهكذا قدمت الجلسة الافتتاحية درسا بليغا في أن الوَلاء للوطن لا يناقض الوفاء للأمة، بل يكمِّله ويقويه، وتعانقت راية المغرب وراية فلسطين في سماء الجمع العام.

الدّلالة الثالثة: تجديدُ العَهد مع الله تعالى وتعزيزُ الانتماء للمَشروع الإصلاحي

لم تكن الجلسَة الافتتاحية مجردَ محطة تنظيمية ضِمن فقرات أيام الجمع العام، بل كانت قبل كل شيء لحظة إيمانية وتربوية لتَجديد العهد مع الله تعالى، واستحضَار النية الخالِصة، فقد أبرزت الجلسة الافتتاحية أن الانتماء للمشرُوع الإصلاحي ليس انتماء شكليا ولا ارتباطا تنظيميا عابرا وبادرا، بل هو انتماء إيماني وعقدي، يَقوم على الإخلاص والوَعي والصّدق والثبات، وعلى حمل هم الأمة وخدمة الدين والوطن. إن تجديدَ العهد يعني العَودة إلى أصل الرسالة: أن نكون دعاة إلى الله بالحكمة والموعظَة الحسنة، وخُدَّاما للمجتمع بالعلم والعمل صَلاحا وإصلاحا.

إنها إشارةٌ بليغة إلى تعزيز الانتماء إلى المشروع الإصلاحي بتحمل المسؤولية الجماعية، والالتزام بالحريّة والشورى ،والتعاون على الخير مع الغير، ومواصلة البناء بعد ثلاثين عاما من عطاء التوحيد والإصلاح؛ فالحركة لا تعيش على أمجاد الماضي، بل تتجدد بتَجديد النوايا والعزائم، وتتقوى بتقوية الصلة بالله، وتستمر بوفاء أبنائها وبناتها لعهد حملوه في قلوبهم، عهد على الاستقامة والمقاومة، حتى ينهض الوطن بالاستقامة وتعز الأمة بالمقاومة، ويبقى المشروع الإصلاحي نورا هاديا للأجيال القَادمة، ومصدرا للأمل والعطاء والبِناء في كل مجال وميدان، وشاهدا على صدق الانتماء وعمق الوفاء لله تعالى أولا وأخيرا بكل إخلاص وثبات وتضحية ووفاء صادق.

الدّلالة الرَّابعة: وُضوح الرُّؤية في الجمع بين الاستِقامة والمقاوَمة

برزتْ في هذه الجلسة دلالة رساليّة رابعة بالغة الأهمية، وهي وضوح الرؤية في الجمع بين الاستِقامة والمقاومة، والجمع أولى من الترجيح كما في القاعدة المنهاجية، فالكلمات والشعارات المرفوعة والمكتوبة تعبر عن هوية الحركة ومشروعها الإصلاحي المتكامِل. فقد أكدت الجلسة أن الاستقامة ليست انكفَاء على الذَّات أو عزلة عن الواقع، بل هِي ثبات على القيَم والمبادئ في القول والعمل، وأن المقاومة ليست شعارات فارغة أو ردود فعل انفعالية، بل هي موقف مبدئي ثابت في نصرة الحق والدّفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ومواجهة التّطبيع والفساد والانحراف بالوسائل المشروعة، فبالاستقامة ينهض الوطن، وبالمقاومة تعز الأمة.

 

الدّلالة الخامسة : لا نهضَة بلا مُراجعة فكرية، ولا إصلاح بلا تجديد ولا استقامة بلا مقاومة.

ركزتْ كلمة الدكتور عصام البشير الأمين العام لمنتدى النّهضة والتواصل الحضاري على محورية الإصلاح الفكري في مَسيرة الأمة ونهضتها، لأن عالم الأفكار اليوم تتجاذبه تيارات متصارعة تهدد وحدتها ووعيها ورسالتها ومستقبلها، هناك التّيار الانتِحاري الذي بدأ بالتكفير وانتهى بالتفجير، والتّيار الانبهاري الذي بدأ بالتخذير وانتهى بالتدمير، والتيار الاجتراري الذي يَعيش على الماضي بقضاياه وفرقه وصراعاته، والتيار الاستجاري الذي يعظم المختلف عليه ويضخمه ويحوله إلى سبب للفرقة والتنازع، إن تَشخيص هذه التيارات يمثل مَدخلا ضروريا لفهم أزمة الفكر المعاصر، وللتمييز بين الإصلاح الحقيقي والانحراف، وبين الاجتِهاد الراشد والتَّقليد الأعمى، وبين الانفتاح الواعي والذَّوبان المدمر، وبين الحوار البَناء والصراع العقيم، حتى تستعيد الأمة بوصلتها وتوجه طاقاتها نحو البناء والوحدة والكرامة والعدل والحرية.

والحركة الإسلامية المعاصرة  اليوم تحتاج بعد قَرن كامل من الزَّمان، إلى إحياء فِقه المراجعة الشاملة الصادقة والشَّجاعة في الأفكار والبرامج والمشاريع والخطط والوسائل والأدوات والتداول في القيادات، لأن مُراجعة الحق خير من التَّمادي في الباطل، والحق قديم لا يبطله شيء، والتجديد المطلوب يجب أن يَكون في النيات والمقاصد والهِمم والعزائم والأفكار والبَرامج والمشاريع والوسائل، وفي القيادات والتّداول الحقيقي، فلا يصح أن نُطالب غيرنا بالتداول ولا نجسده في واقعنا وسلوكنا اليَومي وممارساتنا التّنظيمية، والتجديد باب من أبواب النهضة، بالإيمان المقترن بالعمل، والأسرة التي تَصون الفرد، والقُوة المقترنة بالحق، والآداب التي تجمل الإنسان، حتى ينهض الوَطن بالاستقامة وتعز الأمة بالمقاومة والبناء والعطاء المستمر.

 

الدّلالة السادسة: الطُّفولة والشَّباب طَاقة يجب تمكينها لأنها حَاضر الأمَّة ومُستقبلها

تمحورت كلمة الأستاذ عبد اللطيف تغزوان المسؤول المركزي لقسم الطفولة والشباب، حول الحاضر والمستقبل، والحاضر والمستقبل هم شباب الأمة وناشئتها، وهي القوة الحقيقية لاستمرار الأمة وتجدد عطائها، فالشباب ليسوا مشكلة ينبغي تدبيرها، بل طاقة يجب التمكين لها، وشريك ينبغي الإنصات إليه، وفتح المجال أمامه للمشاركة الفاعلة في صناعة الحاضر واستشراف المستقبل. ورغم التحديات الجسيمة التي تواجه الشباب المغربي في التعليم والتشغيل وضعف المشاركة في الحياة العامة، ومشاعر الإحباط، وتحديات التحول الرقمي ومخاطره على الأطفال، فإن المسؤولية تقتضي من الجميع، وفي مقدمتهم الفاعلون الرسميون، تلبية التطلعات المشروعة في الحرية والكرامة والعيش الكريم، وتوفير التعليم المنصف وفرص الشغل اللائق وفضاءات التكوين والإبداع والابتكار والمشاركة الفاعلة والمسؤولة والبناءة.

وقيمة الاستقامة التي اتخذها الجمع العام مدخلا للنهوض بالوطن لا تقتصر على السلوك الفردي، بل تمثل أساسا لترسيخ سلامة الاعتقاد وحسن العبادة وصلاح السلوك، وبناء شخصية واعية ومستقيمة قادرة على تحمل المسؤولية، لذلك حرصت وتحرص الحركة عمليا على إشراك الشباب في هيئاتها القيادية، وإشراكهم في إعداد البرامج والمبادرات التكوينية والمخيمات الصيفية والنوادي التربوية والتطوعية، لتقديم نموذج يزاوج بين أصالة الهوية الإسلامية والمغربية والانفتاح الواعي على معارف العصر ومستجداته. كما أن نصرة فلسطين ومساندة غزة والقدس ليست موقفا عابرا أو انفعالا مؤقتا، بل وعي متجذر وتربية تراكمية، تتجلى في أكاديمية باب المغاربة والمهرجان الشبابي والفعاليات التضامنية مع أطفال فلسطين وشبابها الصامد الثابت المقاوم.

الدلالة السابعة: المرأةُ شريكةٌ في الإصلاح والأسرَةُ نواة المجتمَع

كلمة ُالدكتورة حنان الإدريسي النائب الأول لرئيس الحركة أكدتْ على أن المرأة شريكة أساسية في عملية الإصلاح، لا تابع ولا هامش، بل فاعلةٌ في الدعوة والتربية والتكوين والتخطيط والتأطير، وفي ترسيخ قيم الاستقامة في المجتمع، هذه الشراكة ظهرت في انخراط النساء في فضاءات متعددة، وفي تحملهن مسؤولية بناء الأسرة وتربية الأجيال وخدمة الوطن والأمة، لذلك يجب صيانة التعاون بين الرجل والمرأة، والحذر من الفردانية التي تُفتِّت الأسرة، ومن إذكاء الصراع بين الرجل والمرأة الذي يهدم التكامل ويضعف البناء المشترك. فالإصلاح الحقيقي يقوم على التكامل لا التنازع، وعلى المودة والرحمة والعدل، وعلى توحيد الجهود في صون كرامة المرأة ومساندة الأسرة وحماية قيمها وثوابتها وهويتها ورسالتها الحضارية ومكانتها في المجتمع والوطن والأمة والإنسانية جمعاء اليوم.

ودعت بالمناسبة إلى إحداث إصلاح شامل في واقع المرأة المغربية التي ما تزال تعاني من أشكال التمييز والأمية والهشاشة والحرمان، خاصة في المناطق النائية والقرى والبوادي، إن الإنصاف الحقيقي يقتضي تمكين المرأة من التعليم والتكوين والعمل والمشاركة، وحمايتها من كل أشكال العنف والتهميش، وضمان حقها في الكرامة والعيش الكريم. كما يقتضي من جميع المؤسسات والهيئات توحيد الجهود لصون كرامة المرأة ومساندة الأسرة، لأن صلاح الأسرة هو أساس صلاح المجتمع، ولأن نهضة الوطن لا تتحقق إلا بمشاركة فاعلة ومتكاملة للرجل والمرأة معا في البناء والإصلاح.

وقضية المرأة قضية إنسانية واحدة، وكرامتها لا تتجزأ، فمن الواجب نصرة المرأة في فلسطين التي تعرض لإبادة جماعية في غزة، والذي يستدعي تحركا عاجلا للمنظمات والهيئات الدولية لضمان حقوقها وحمايته وإنقاذها.

وألمعت الدكتورة حنان إلى جاهزية الحركة لحماية الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع ونواته، حيث نبهت إلى التحديات والامتحانات المعاصرة التي تستهدف البنية الأخلاقية والمنظومة القيمية، مؤكدة أن الحركة تضع كل تخصصاتها التربوية والدعوية والثقافية في خط الدفاع الأول عن تماسك الأسرة واستقرارها.

الدّلالة الثامنة: الاستقامة مشروع إصلاحي شامل

جاءت كلمة الدكتور أوس رمَّال رئيس الحركة قوية جامعة مانعة في بداية الجلسة الافتتاحية لتقدم دلالة رسالية فاتحة موجهة، وهي أن الاستقامة مشروع إصلاحي شامل، لا يقف عند حدود الفرد، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع والدولة والأمة.

فقد شرح باستفاضة شعار الجمع العام بالاستقامة ينهض الوطن وبالمقاومة تعز الأمة، مبينا أن الاستقامة تتجاوز صلاح الفرد إلى النزاهة في تدبير الشأن العام، والعدل في الحكم، وصيانة المال العام، وحماية الحريات والحقوق، وأن المقاومة هي رفض الظلم والاحتلال والعدوان، والصمود في وجه الإخضاع، ومقاومة اليأس والتخلف والتبعية والفساد.

كما ترحم على المؤسسين بمناسبة مرور ثلاثين سنة على التأسيس، وأكد رسوخ قيم الشورى والديمقراطية الداخلية والعمل المؤسساتي، داعيا إلى حماية الهوية الإسلامية وترشيد التدين ومراجعة تسديد التبليغ وتوحيد خطب الجمعة، وحماية الأسرة وإصلاح التعليم ورفض فرنسة التدريس، ومواجهة المخاطر الرقمية التي تستهدف الناشئة والشباب، ورفض التطبيع ومقاومة الاختراق الصهيوني، والدفاع عن مغربية الصحراء، والمطالبة بانفراج حقوقي وسياسي وإطلاق سراح المعتقلين. وهكذا كانت كلمته خارطة طريق لمرحلة جديدة، تجمع بين الوفاء للماضي والاستشراف للمستقبَل.

وختامًا، إن هذه الدلالات الرسالية التي انبجست من الجلسة الافتتاحية، سواء عبر كلمات قيادات الحركة أو الشّهادات الوازنة للضيوف، كانت بمثابة الشحنة الروحية و الدفعة المعنوية التي انسابت في شرايين المؤتمرين والمؤتمرات؛ لقد صاغت هذه الجلسة بوعي وإتقان الميزان والمعيار الذي سيدخل به أعضاء الجمع العام إلى فقرات التداول والمصادقة، ومحطات التشاور، وصناديق التصويت لانتخاب القيادة الجديدة.

وفي الحلقة الثالثة القادمة بإذن الله تعالى وحوله، سنقف مع :”دروس من شورى التوحيد الإصلاح”.

والحمد لله رب العالمين

About The Author