عبدالهادي باباخويا يكتب: ذكرى المولد النبوي وسؤال النهضة من القابلية للإستعمار إلى الجاهزية للتغيير

رشيد ياسين
13 دقيقة للقراءة
الاعلام

 

في كل عام، يعود إلينا المولد النبوي الشريف محمّلاً بالذكرى، وتعود معه سيرته صلى الله عليه وسلم إلى مجالسنا وقلوبنا وذاكرتنا الجماعية. نكثر من الصلاة والسلام عليه، ونستعيد مشاهد من حياته، ونتحدث عن أخلاقه ورحمته وجهاده وصبره، ونستحضر مكة والمدينة، والهجرة والفتح، وبناء الدولة والمجتمع.. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل أكثر إلحاحًا من كل ذلك هو: ماذا فعل المولد النبوي فينا..؟

بمعنى: هل غيّر شيئًا في علاقتنا بالدين..؟ هل أعاد ترتيب أولوياتنا..؟ هل حرّك فينا إرادة الإصلاح..؟ هل جعلنا أكثر قدرة على مواجهة التخلف والفساد والاستبداد والجهل..؟ وهل انتقلنا من محبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بمنهجه في صناعة الإنسان والمجتمع والحضارة..؟

إن خطورة المناسبات الدينية ليست في أن تتحول إلى مجرد طقوس تتكرر، وإنما في أن تفقد قدرتها على إعادة بناء الوعي. ولعل ذكرى المولد النبوي من أكثر المناسبات قدرة على أن يفتح أمامنا هذا السؤال الكبير: كيف استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن ينقل أمة من حال إلى حال، وأن يصنع من جماعة مستضعفة في الصحراء أمة حملت رسالة غيرت وجه التاريخ..؟

images 58

أولا- من سؤال الإحتفال إلى سؤال النهضة:

كان مالك بن نبي من أكثر المفكرين المسلمين إلحاحًا على سؤال النهضة: لماذا تخلف المسلمون بعد أن كانوا في قلب التاريخ..؟

ولم يكن يرى المشكلة في نقص الموارد وحدها، ولا في غياب الإمكانات المادية، ولا في قوة الآخر فحسب، بل كان يعود إلى الإنسان نفسه، وإلى البنية النفسية والثقافية والاجتماعية، التي تجعل مجتمعًا ما قادرًا على النهوض أو عاجزًا عنه.

ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة عن “القابلية للاستعمار”، وليس المقصود بها مجرد وجود مستعمر خارجي، وإنما وجود حالة داخلية تجعل المجتمع قابلًا لأن يُستعمر ويُستغل ويُقاد من الخارج. وهنا تكمن المفارقة العميقة، فالاستعمار قد يدخل الأرض بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يستقر في الإنسان إلا إذا وجد في داخله شيئًا يسمح له بالاستقرار، وهذا المعنى يمكن أن نقرأه من خلال السيرة النبوية قراءة مختلفة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ مشروعه بتغيير الجغرافيا، ولا بتغيير النظام السياسي، ولا بتوزيع الثروات، وإنما بدأ من الإنسان، لقد كان مشروعه في جوهره مشروع تحرير للإنسان من كل عبودية تناقض عبوديته لله.

ثانيا- النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بصناعة الإنسان:

حين نقرأ المرحلة المكية بعيدًا عن الاختزال، نكتشف أن السنوات الأولى من الدعوة كانت مدرسة عميقة في إعادة بناء الإنسان. فلم يكن القرآن المكي يقدم للمسلمين مجرد أحكام تفصيلية، بل كان يعيد تشكيل تصورهم عن الله، وعن الإنسان والحياة والموت والآخرة، وعن الحرية والمسؤولية والعدل والكرامة..

لقد كان السؤال الأول في هذه المرحلة: من أنت..؟ ولمن تنتمي..؟ وما الذي يحكم حياتك..؟ وهذا هو جوهر التغيير الحضاري.

فالإنسان الذي تحرر من الخوف من غير الله، وتحرر من عبودية المال، وتحرر من العصبية، وتحرر من عبادة الأشخاص والأصنام، يصبح قادرًا على أن يتحول من كائن يعيش داخل التاريخ إلى فاعل في التاريخ. وهنا يمكن أن نفهم لماذا كان التوحيد في المشروع النبوي، أكثر من قضية عقدية بالمعنى الضيق. لقد كان التوحيد ثورة في الوعي، فحين يقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنه لا يقدم معلومة ذهنية مجردة، وإنما يعيد ترتيب مركز الوجود في حياة الإنسان.

وحين يقول عزوجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فإنه يضع قاعدة حضارية بالغة العمق، فالتغيير الخارجي لا يستقيم من دون تغيير داخلي، وهنا يبدو أن الرؤية القرآنية ساهمت في تشكيل التفكير النهضوي عند مالك بن نبي.

images 59

ثالثا- من القابلية للاستعمار إلى القابلية للتغيير:

إذا كانت إحدى مشكلات المجتمعات المتخلفة هي ما سماه مالك بن نبي “القابلية للاستعمار”، فإن السؤال الذي تطرحه ذكرى المولد النبوي علينا اليوم، ينبغي أن يكون:

كيف ننتقل من القابلية للاستعمار إلى القابلية للنهضة..؟

فالاستعمار ليس دائمًا دبابة تدخل الحدود، قد يكون فكرة تستعمر العقل، أو نمطًا استهلاكيًا يستعمر الإرادة. وقد يكون تبعية ثقافية تجعل الإنسان يحتقر ذاته، ويعظم الآخر لمجرد أنه الآخر، وقد يكون فسادًا يستقر في النفوس حتى يصبح أمرًا عاديًا، وقد يكون استبدادًا يقتل في الإنسان روح المبادرة، وقد يكون جهلًا يجعل الإنسان عاجزًا عن فهم واقعه، وقد يكون تدينًا شكليًا يفصل العبادة عن العمران، والأخلاق عن المعاملة، والمسجد عن الحياة.

وهنا نحتاج إلى إعادة قراءة مفهوم القابلية للاستعمار في سياقنا المعاصر، فقد لا يكون أخطر ما نعانيه أن الآخرين يفرضون علينا نماذجهم، وإنما في كوننا فقدنا القدرة على إنتاج البدائل.

رابعا- النبي صلى الله عليه وسلم لم يربِّ أتباعًا ينتظرون التغيير:  

من أعظم ما يلفت النظر في التجربة النبوية، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصنع جماعة تنتظر أن تتغير الظروف حتى تتحرك، بل صنع إنسانًا قادرًا على الحركة رغم صعوبة الظروف. ففي مكة كان المسلمون قلة، وكانوا مستضعفين، وكانت موازين القوة مختلة تمامًا. ومع ذلك لم يكن الخطاب النبوي خطاب استسلام للواقع، ولا خطاب شكوى دائمة من المؤامرات، ولا انتظارًا لمعجزة خارج قوانين الحياة.

لقد كان بناءً تدريجيًا للإنسان، علمًا وإيمانًا وصبرًا، وأخلاقًا وتضحية وتنظيمًا وثقة بالله. ثم جاءت الهجرة، التي لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل انتقال من حالة إلى حالة، من الاستضعاف إلى الفعل، ومن الجماعة الصغيرة إلى المجتمع، ومن مرحلة التكوين إلى مرحلة البناء، ومن الإنسان المسلم إلى الإنسان الذي يساهم في صناعة المجتمع. ولهذا لم تكن المدينة مشروعًا سياسيًا فقط، وإنما كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا.

خامسا- شروط النهضة النبوية:

إذا أردنا أن نقرأ التجربة النبوية بمنظار مالك بن نبي، فيمكننا أن نستخرج منها مجموعة من الشروط التي جعلت التغيير ممكنًا.

أول هذه الشروط هو الإنسان، فالنهضة لا تبدأ من الحجر، وإنما من البشر. والمجتمع الذي يمتلك الأموال والمؤسسات والتقنيات، لكنه يفتقد الإنسان المسؤول، قد يملك أدوات القوة دون أن يمتلك القدرة على توجيهها.

وثانيها الفكرة، فلا يمكن لأمة أن تنهض وهي لا تعرف لماذا تريد أن تنهض، لقد منح الإسلام الجيل الأول معنى ورسالة وغاية، ولم يكن الصحابي يسأل فقط: ماذا سأحصل..؟ بل كان يسأل: ماذا سأقدم..؟ وهذا التحول من منطق الاستهلاك إلى منطق الرسالة، هو أحد أسرار القوة الحضارية.

وثالثها الأخلاق، فالنهضة التي لا تنتج أمانة وعدلًا ورحمة ومسؤولية، تتحول إلى تقدم مادي بلا روح. ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالأخلاق، وجعل الصدق والأمانة والرحمة والعدل عناصر في بناء الإنسان المسلم.

ورابعها العمل، فالإيمان في المدرسة النبوية ليس شعورًا داخليًا فقط، وإنما طاقة تدفع إلى الفعل. لذلك لم يكن الإسلام مشروع عزلة عن الحياة، وإنما مشروع إصلاح لها.

وخامسها الوقت والتدرج، فلم يبن النبي صلى الله عليه وسلم أمته في يوم واحد،  بل كان هناك تكوين وتربية، وصبر وهجرة، وبناء وتراكم.. وهذه سنة حضارية ينبغي أن نستعيدها في زمن يريد فيه الإنسان نتائج فورية، ويريد أن ينتقل من التخلف إلى النهضة بضغطة زر.

سادسا- المشكلة ليست في الدين، بل في علاقتنا به:

ربما كان من أكثر الأسئلة إزعاجًا في واقعنا المعاصر: هل نحن متدينون فعلًا..؟

قد يكون الجواب نعم من حيث المظاهر والانتساب والطقوس، لكن السؤال الأعمق: ما أثر الدين في حياتنا..؟ هل جعلنا أكثر صدقًا..؟ أكثر عدلًا..؟ أكثر إتقانًا..؟ أكثر احترامًا للإنسان..؟ أكثر قدرة على الإنتاج..؟ أكثر انضباطًا في الوقت..؟ أكثر رحمة بالضعفاء..؟ أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية..؟ أكثر شجاعة في مواجهة الفساد..؟

إذا كان الدين لا يغير شيئًا من ذلك، فإن المشكلة لا تكون بالضرورة في الدين، وإنما في العلاقة التي بنيناها نحن مع الدين. لقد تحول الدين عند بعضنا من قوة محركة إلى هوية ساكنة، ومن مشروع حياة إلى مجموعة طقوس، ومن رسالة تحرير للإنسان إلى مجرد انتماء ثقافي..

وهنا تصبح ذكرى المولد النبوي، فرصة لمراجعة هذه العلاقة، حيث تتحول “محبة النبي” إلى اقتداء به. فكلنا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المحبة النبوية الحقيقية لا تقاس بكثرة الكلام عنها فقط، بل تقاس بمدى حضورها في السلوك. إذ ينبغي أن نتعلم منه الصدق والرحمة، وأن نتعلم منه تحمل المسؤولية وبناء الإنسان واحترام العقل، وأن نتعلم منه الصبر على التغيير، كما نتعلم منه أن الرسالة لا تُحمل بالكلمات وحدها، وإنما بالإنسان الذي يجسدها في الواقع. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم شاهد على نجاح التربية النبوية، إذ لم يكونوا مجرد مستمعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل تحولوا إلى رجال ونساء يصنعون التاريخ.

images 60

سابعا- من القابلية للاستعمار إلى القابلية للحضارة:

إننا اليوم بحاجة إلى قلب السؤال الذي طرحه مالك بن نبي، فلا يكفي أن نسأل: لماذا أصبحنا قابلين للاستعمار..؟ بل ينبغي أن نسأل: كيف نصبح قابلين للحضارة..؟

أي كيف نصنع إنسانًا يحب العلم كما يحب العبادة..؟ وكيف نعيد الاعتبار للعمل والإتقان..؟ وكيف نربي أبناءنا على المبادرة بدل الاتكالية..؟

كيف ننتقل من الاستهلاك إلى الإنتاج..؟ وكيف نجعل المسجد مدرسة للأخلاق والعمران، لا فضاءً منفصلًا عن الحياة..؟

كيف نعيد للدين قدرته على تحرير الإنسان، بدل أن يتحول إلى مجرد غطاء اجتماعي..؟ وننتقل من سؤال: “ماذا أعطاني المجتمع..؟” إلى سؤال: “ماذا أستطيع أن أقدم للمجتمع..؟”

هذه الأسئلة ليست بعيدة عن روح السيرة، بل ربما كانت هي جوهرها الحضاري.

ثامنا- المولد النبوي مناسبة لاستئناف الرسالة:

إن أجمل احتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس أن نذكر مولده فقط، وإنما أن نعيد اكتشاف المشروع الذي جاء به. فقد جاء ليحرر الإنسان وليخرجه من الظلمات إلى النور، وليقيم ميزان العدل وليصنع أمة شاهدة، وليحول الإيمان إلى عمران، وليمنح الإنسان معنى يتجاوز حدود اللحظة والمصلحة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي في ذكرى مولده ليس: ماذا نقول عن محمد صلى الله عليه وسلم..؟ بل: ماذا بقي من محمد صلى الله عليه وسلم فينا..؟

أي ماذا بقي من صدقه في معاملاتنا..؟ ومن رحمته في أسرنا..؟ ومن عدله في مجتمعاتنا..؟ ومن شجاعته في مواقفنا..؟ ومن حكمته في خلافاتنا..؟ ومن رؤيته الحضارية في مشاريعنا الإصلاحية..؟ومن قدرته على بناء الإنسان في تربيتنا لأبنائنا وشبابنا..؟

إننا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما نحتاج إلى تجديد علاقتنا بالمشروع النبوي. بمعنى أن نقرأ السيرة لا باعتبارها ماضيًا مقدسًا فقط، وإنما باعتبارها منهجًا في التغيير. وأن نقرأ المولد لا بوصفه ذكرى زمنية، وإنما بوصفه سؤالًا حضاريًا يتجدد كل عام: هل نحن مستعدون لأن نتغير..؟

فالأمم لا تنهض لأنها تملك تاريخًا عظيمًا، وإنما لأنها تستطيع أن تحول تاريخها إلى طاقة للمستقبل، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك لنا مجرد ذكرى جميلة نحتفل بها، بل ترك لنا منهجًا لصناعة الإنسان، وبناء المجتمع وتحريك التاريخ. ومن هنا، فإن أعظم ما يمكن أن نهديه في ذكرى مولده ليس كثرة الحديث عنه، وإنما أن نأخذ من سيرته ما يعيد بناء الإنسان. إنسان لا يستسلم للتخلف، ولا يرضى بالفساد، ولا يعيش أسيرًا للاستهلاك، ولا يحتقر ذاته، ولا ينتظر الآخرين ليغيروا واقعه، إنسان يؤمن ويفكر ويعمل وينتج ويبادر ويصلح.. هذا هو الإنسان الذي يحتاجه مشروع النهضة، وأن المعركة الحضارية الكبرى تبدأ من الداخل، وأن الأمة التي تستعيد إنسانها، تستعيد قدرتها على صناعة تاريخها.

Total Views: 0
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *