في خضم الأحداث المتسارعة في غزة، برزت قضية الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية كرمز لما يعتبره كثيرون فشلاً جماعياً في حماية الكوادر الطبية. الدكتور حسام أبو صفية، طبيب أطفال ومدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، محتجز لدى السلطات الإسرائيلية منذ 27 دجنبر 2024 دون توجيه تهم رسمية أو محاكمة علنية. وفي شتنبر 2026، أصدر 69 عضواً في الكونغرس الأمريكي رسالة يطالبون فيها وزير الخارجية بالعمل مع الحكومة الإسرائيلية لتأمين إطلاق سراحه، في وقت يصف فيه ناشطون ومنصات إخبارية إسلامية موقف قادة العالم الإسلامي بـ«الصمت».
من هو الدكتور حسام أبو صفية؟
حسام إدريس أبو صفية طبيب أطفال وحديثي الولادة، تولى إدارة مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا خلال فترات الحصار والقصف المتكرر. أصبح المستشفى، الذي كان من آخر المنشآت الطبية العاملة نسبياً في شمال غزة، رمزاً للصمود الطبي وسط الدمار. اعتُقل أبو صفية خلال عملية إسرائيلية في 27 دجنبر 2024 أدت إلى إخلاء المستشفى من المرضى والطواقم. وثقت منظمات حقوقية ومنظمات طبية، من بينها أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل وأمنستي إنترناشونال، احتجازه بموجب تصنيف «مقاتل غير شرعي»، وهو تصنيف يسمح بالاحتجاز الإداري الممدد دون محاكمة. وفقاً لتقارير محاميه ومنظمات حقوق الإنسان، تدهورت حالته الصحية بشكل ملحوظ. تحدثت تقارير عن إصابات ناتجة عن ضرب، ووضعه في الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وحرمانه من الرعاية الطبية الكافية. وفي يونيو 2026، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية استئنافاً ضد استمرار احتجازه، مما مدد فترة الاعتقال حتى أكتوبر على الأقل.
الموقف الإسرائيلي
تقول السلطات الإسرائيلية إن أبو صفية اعتُقل بشبهة تورطه في أنشطة مرتبطة بحماس، وإنه كان يحمل رتبة في جهاز طبي مرتبط بوزارة الداخلية التي تديرها الحركة في غزة. تنفي إسرائيل اتهامات التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد، وتؤكد أن الاحتجاز يتم وفق الإجراءات الأمنية. حتى الآن، لم تُقدم أدلة علنية مفصلة تدعم هذه الاتهامات في محكمة علنية.
صوت من واشنطن
في شتنبر 2026، وقع نحو 69 نائباً وعضواً في الكونغرس (معظمهم من الديمقراطيين والمستقلين) رسالة موجهة إلى وزير الخارجية الأمريكي، يطالبون فيها بالضغط على إسرائيل لتسهيل إطلاق سراح أبو صفية، خاصة في ظل التقارير عن تدهور صحته. قاد هذه المبادرة نواب مثل ماكسين دكستر وراؤول رويز.
تأتي هذه الخطوة بعد أشهر من حملات ضغط من منظمات حقوقية وأطباء ومنظمات إسلامية أمريكية تطالب بالإفراج عنه لأسباب إنسانية وطبية.
هذه الدعوة الأمريكية تبرز تناقضاً يلفت الانتباه: بينما يتحرك جزء من المؤسسة السياسية الأمريكية للمطالبة بالإفراج عن طبيب فلسطيني، يغيب التحرك الدبلوماسي الجماعي والفعال من جانب معظم الحكومات العربية والإسلامية، أو يبقى محدوداً في بيانات عامة دون ضغط ملموس.
صمت الحكام؟ انتشرت على منصات التواصل منشورات تنتقد «صمت حكام العالم الإسلامي» أمام قضية أبو صفية وقضايا مشابهة تتعلق باحتجاز كوادر طبية. يرى منتقدون أن هذا الصمت يعكس أولويات سياسية واقتصادية وأمنية تتقدم على التضامن الإنساني، أو عجزاً عن التأثير الفعلي في مسار الصراع. في المقابل، يشير مراقبون إلى أن بعض الدول العربية تفضل القنوات الدبلوماسية الهادئة أو الوساطة غير المعلنة، وأن الضغط العلني قد لا يكون دائماً الأكثر فعالية.
قضية أبو صفية ليست معزولة. وثقت منظمات دولية احتجاز عشرات من العاملين الصحيين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، وأبرزت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التداعيات الكارثية لاستهداف المنظومة الصحية في غزة.
سواء اعتُبر الاحتجاز إجراءً أمنياً مشروعاً أو انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني الذي يحمي الطواقم الطبية، فإن استمرار احتجاز طبيب بارز دون محاكمة واضحة يثير أسئلة جوهرية حول المساءلة والمعايير المزدوجة.
تظل قضية الدكتور حسام أبو صفية اختباراً لمبادئ القانون الإنساني الدولي ولقدرة المجتمع الدولي، بما فيه الدول الإسلامية، على الدفاع عن الكوادر الطبية في مناطق النزاع. الرسالة الصادرة عن عشرات أعضاء الكونغرس تذكّر بأن الضغط السياسي ممكن، حتى لو جاء من مصادر غير متوقعة. أما الصمت أو التحرك الخجول من جانب بعض الحكومات، فيبقى موضع جدل مفتوح حول طبيعة التضامن الحقيقي في زمن الأزمات.
الإفراج عن أبو صفية، أو على الأقل ضمان محاكمة عادلة ورعاية طبية لائقة، سيكون خطوة ضرورية نحو احترام الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن الانتماءات السياسية.
Total Views:
0
