من “العمل القذر” في مصر، مروراً بـ”روابط القرى” والكتائب في لبنان، وصولاً إلى الدروز في سوريا والعصابات المتعاونة في غزة؛ تعود دولة الاحتلال الإسرائيلي مرة تلو الأخرى إلى فكرة استخدام الميليشيات المسلحة المتعاونة ضد المقاومة الفلسطينية، وفي كل مرة تجد نفسها في طريق مسدود وتتوج الخطوة المتكررة بالفشل.
بهذا الصدد، قال الكاتب الإسرائيلي ران أدليست في مقاله بصحيفة “معاريف” العبرية: “بثبات يثير الدهشة، وكأنها مجرم عائد إلى الجريمة، تعود إسرائيل إلى محاولات الانتصار في الحروب بمساعدة متعاونين وعصابات مسلحة، يُفترض بهم أن يزعزعوا حكم الدولة التي تخوض تل أبيب حرباً ضدها، وهذا ما يحدث حالياً في غزة”.
الكاتب إيديليست، أكد أن الحرب التي شنتها إسرائيل أسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني في غزة، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، وتحولت غزة إلى بحرٍ من الخراب المروع، وإسرائيل تتخبط في ركامها، متجاوزةً غريزة الثأر الدموي بعد هجوم السابع من أكتوبر، والنتيجة هي حرب استنزاف، وتعاون ظاهري مع عصابات إجرامية محلية، تُحوّل غزة إلى حرب أهلية، ستضرّ بشكل رئيسي بهذا القطاع من المدنيين، أطفالًا وبناتًا، وهم الضحايا الأكثر ضررًا في هذه الحروب غير الضرورية”.
مأزق آخر
ولفت أدليست إلى أن “إسرائيل وهي في طريقها لتحقيق النصر المطلق، وعلى الرغم من تفوقها العسكري، لا تتمكن من الانتصار في الحرب ضد الكلاشينكوفات والشباشب (في إشارة إلى بساطة إعداد المقاومين في غزة الذين يرتدون الشباشب في أقدامهم بدلاً من الأحذية العسكرية المخصصة للجنود في الحرب)”، منوهاً بأنها “تتعاون مع عصابات إجرامية محلية، بما يدفع غزة نحو حرب أهلية”.
الكتائبيون ومجازر صبرا وشاتيلا
وأوضح الكاتب أن “الأمر لم ينجح حتى عندما جندت إسرائيل متعاونين في داخلها، مما جعلها أمام طريق مسدود آخر، وحصدت جذور الكارثة مثل جميع كوارث النشوة وجنون العظمة، خاصة بعد حرب 1967، فقد كان أريئيل شارون مهووساً بجنون العظمة، ونبياً للمسيحانية العلمانية، وأعلن أن إسرائيل قوة عسكرية إقليمية، ويفترض أن تُملي تحركات استراتيجية واسعة النطاق، وتُشكّل الواقع الجيو-سياسي في الشرق الأوسط”.
وأوضح أنه “عام 1982، حين تولى شارون منصب وزير الأمن، وغزا لبنان للقضاء على منظمة التحرير، مستنداً للكتائب المسيحية المتعاونين الذين درّبهم الموساد للسيطرة على لبنان، ونُفذت خطة الحرب بتكلفة عملياتية زادت عن 600 جندي، و18 ألف لبناني، ووضع أبرشا تامر، رجل عمليات شارون، خطة مبنية على الأكاذيب والأحلام الزائفة المهووسة بالعظمة، وعلى جمهور أعمى عن الحقيقة، وعلى وسائل إعلام قومية، وانهارت هذه الحزمة المسمومة برمتها في مجزرة الكتائبيين في صبرا وشاتيلا، وهم المتعاونون معنا”.
روابط القرى في الضفة الغربية
وأضاف أنه “في المرحلة الأولى، شهدت إسرائيل عشر سنوات من المحاولات العبثية للسيطرة على الضفة الغربية المضطربة بعد حرب حزيران، حيث عاد الجيش والمخابرات إلى فكرة المتعاونين، ففي عام 1977 أُنشئت جمعيات روابط القرى في الضفة الغربية، وهي أطر مستقلة تُعزز التعايش مع الإسرائيليين، وتُحارب منظمة التحرير الفلسطينية، وقد رأيت بأم عيني مصطفى دودين يسير في شوارع نابلس أو رام الله حاملاً بندقية عوزي على كتفه، ويحيط به مجموعة من المسلحين”.
وأكد أنه “في ذلك الوقت، تحدثت الاستخبارات الإسرائيلية عن عشرات آلاف النشطاء، الذين أسسوا حزباً يرفض حق العودة، لكن هذه الخطوة انتهت بسلسلة عمليات استهدفتهم من قبل منظمة التحرير الفلسطينية”.
وأكد أدليست أن “الجيش الإسرائيلي لم يفلح قط في الانتصار في أي حرب أو في أي ساحة استخدم فيها متعاونين محليين ضد السلطة المحلية”، موضحاً أنه “في بداية خمسينيات القرن الماضي، أُنشئت في مصر حركة سرية من شبان يهود صهاينة بهدف زعزعة حكم جمال عبد الناصر”.
“العمل القذر”
و”عُرِفت القضية حيناً باسم “العمل القذر”، وقد أُديرت الحركة السرية مباشرةً من قبل رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية دون موافقة أو إبلاغ المستوى السياسي، وأُلقي القبض على المجموعة الهاوية؛ انتحر اثنان منها، وأُعدم اثنان، وسُجن نحو عشرة لسنوات طويلة، وتسبب الحدث في عواصف سياسية داخلية هزت مؤسسات الدولة”.
وأضاف أدليست: “منذ ذلك الحين، وبإصرار ثور هائج وعنيد وغبي، تحولت فكرة استخدام المتعاونين لإحداث تغيير في النظام إلى نمط ثابت في كل “انتصارات” إسرائيل، ولحسن حظنا، لم ينجح ذلك أيضاً عندما جندت الحكومة الحالية (بزعامة نتنياهو) متعاونين إسرائيليين داخل إسرائيل نفسها بغرض إحداث تغيير في النظام”.
وتابع أدليست: “10 سنوات من المحاولات العبثية للسيطرة على الضفة الغربية المضطربة بعد حرب 1967 أعادت الجيش الإسرائيلي ومنظومة الاستخبارات إلى فكرة استخدام المتعاونين، ففي 1977، عام الانتخابات وصعود ائتلاف اليمين بقيادة بيغن، أُنشئت في الضفة الغربية “روابط القرى”، وهي أطر كان يُفترض بها تعزيز التعايش (مع الاحتلال) ومحاربة منظمة التحرير الفلسطينية”.
تصفية ممنهجة
ولفت أدليست إلى أنه شاهد بأم عينيه مصطفى دودين، مؤسس “روابط القرى” المتعاونة مع الاحتلال، وهو يتجول في شوارع نابلس أو رام الله وبندقية “عوزي” معلقة على كتفه وحوله مجموعة من المسلحين المتعاونين مع الاحتلال.
وأوضح أدليست أن “هذه الخطوة انتهت بعملية تصفية ممنهجة للمتعاونين، بينما أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية التهديد الأكبر لحلم ضم الضفة الغربية والقدس”.
وأشار الكاتب إلى أنه “في 1982 أصبح شارون وزيرا للأمن وغزا لبنان بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، واستندت الخطة إلى “الكتائب المسيحية”، أي المتعاونين الذين أعدّهم “الموساد” تمهيدا للسيطرة على لبنان، ونُفذت خطة الحرب بـ”ثمن العملية” الذي تجاوز 600 جندي و18 ألف لبناني”.
ولفت أدليست إلى أن “أبراشا تامير، وهو أحد رجال عمليات شارون، رسم خطة قائمة على الأكاذيب والأحلام الوهمية ذات الطابع المهووس بالعظمة، وكان من المفترض أن تؤدي المرحلة التالية إلى إسقاط الملك حسين، ونقل الأسرة الهاشمية إلى سويسرا أو لندن وترحيل مخيمات اللاجئين في لبنان وغزة من أجل إقامة دولة فلسطينية في الأردن”.
وأفاد أن “مسؤولية ملف الكتائب والفشل في لبنان ألقيت على “نحِك نَفوت”، رئيس قسم “تيفيل” في “الموساد” آنذاك، الذي قاد مسار الثقة بالكتائب التي كان من الممكن أن تشتم رائحتها الكريهة من المطاعم في جونية وصولا إلى مجزرة صبرا وشاتيلا”.
وألمح أدليست إلى أن “إسرائيل لم تتعلم”، ففي سوريا الحالية، وجدنا “دروزا صهاينة”، تم “تزويدهم بالسلاح والمال”، مضيفا: “هكذا تستمر العلاقات مع “المتمردين” الدروز في سوريا، وكذلك إقامة مواقع عسكرية في الأراضي السورية انتظاراً لـ”لا” أمريكية”.
وتساءل الكاتب: “هل علقنا في مأزق في إيران؟ في مكان ما في العراق، جنّد “الموساد” متعاونين أكراداً لمهاجمة الحرس الثوري، وكالعادة انتهى هذا الأمر أيضاً بشكل مخزٍ، إنها استخبارات مصابة بالخرف – كل من الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية – من دون ذاكرة مؤسسية، ومن دون استخلاص للدروس، وهي خليط من استخبارات متحمسة (أكشن) وسياسيين يتشبثون بكل قشة، بينما يظل الجيش عالقاً في لبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة”.
والسؤال بحسب الكاتب: “لماذا لا نتوقف عن إطلاق النار وعن تشغيل المتعاونين، بدلاً من التوجه إلى تسوية تمثل موازين القوى الحقيقية؟ الجواب هو: هكذا تُدار حملة انتخابية بالنار، وإذا نظرتم لشريحة اللحم التي تنقلب على النار، فستكتشفون أنها أنتم، أي نحن”.
