كيف أدت الحرب المدمرة في غزة إلى تحويل أصدقاء “إسرائيل” إلى أعداء لها؟
مع تفشي المجاعة القاسية في قطاع غزة، وتعرض مئات الفلسطينيين للقتل بالقنابل أو جراء الحصار الإسرائيلي، ومع تدفق المشاهد المروعة لجثث الشهداء المتراكمة وطوابير الأطفال الجوعى والنساء والشيوخ أمام مراكز توزيع الطعام، بدأ جدار الصمت الغربي تجاه حليفتها التاريخية “إسرائيل” يتصدع. ورغم أن رد الفعل الغاضب من الغرب جاء بعد 18 شهراً من حرب الإبادة الجماعية، ولا يمكن مقارنته بالاستجابة السريعة للحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أن الوصول متأخراً أفضل من عدمه. يبدو أن أوروبا والمجتمع الدولي قد بدأوا ييأسون أخيراً من تجاهل المجاعة في غزة.
منذ حوالي شهرين، لم يدخل أي غذاء أو ماء أو أدوية إلى غزة، والجميع يعانون من سوء التغذية والأمراض وآلام الجوع. ومع تدمير إسرائيل للبنية التحتية الصحية في غزة، أصبح من الصعب تقدير عدد الذين قضوا جوعاً حتى الآن. ومع ذلك، فإن الصور المؤلمة للأطفال المصابين أو الذين أصبحت أجسادهم هياكل عظمية تثير قلق المجتمع الدولي، وقد تذكرهم بمجاعة أفريقية سابقة، أو بمشاهد تعود إلى ثمانين عاماً لأطفال يهود احتجزوا في معسكرات النازية.
لكن غزة، التي تعرضت للحصار الإسرائيلي لمدة 17 عاماً، وقعت تحت أنظار العالم قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وتحولت خلال 18 شهراً الماضية من معسكر اعتقال يفوق المعسكرات النازية إلى مكان للموت والدمار الشامل. والآن، أصبح العالم الغربي، بما في ذلك السياسيون ووسائل الإعلام التي كانت تؤيد إسرائيل، يدركون أن المجازر الجماعية في غزة وحرب التجويع لا يمكن إخفاؤها لفترة أطول. حتى مع منع إسرائيل الصحفيين الأجانب من دخول القطاع وقتل غالبية الصحفيين الفلسطينيين الذين حاولوا توثيق الإبادة الجماعية، يبدو أن الحكومات الغربية ووسائل الإعلام الكبرى تحاول تقديم أعذارها قبل أن يحين وقت الحساب.
وفي تحول دبلوماسي غير مسبوق، وبعد ضغوطات من البرلمان والأحزاب، وتصاعد الانتقادات من وسائل الإعلام الغربية لإسرائيل بسبب الأزمات التي خلفتها في غزة، واستمرار التظاهرات ضد الاحتلال في الشوارع الأوروبية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني يوم الإثنين 19 ماي 2025 أنهم “لن يظلوا متفرجين على الأفعال المخزية لحكومة إسرائيل في غزة”.
وقد أكد القادة الثلاثة على أنهم سيتخذون “إجراءات ملموسة” ما لم توقف إسرائيل عملياتها العسكرية، مطالبين بفتح أبواب المساعدات الإنسانية للقطاع على الفور، مشيرين إلى أن “مستوى المعاناة الإنسانية في غزة لا يُحتمل”. وأوضح بيانهم المشترك أن الأفعال التي يقودها بنيامين نتانياهو أدت إلى أزمات خطيرة في المنطقة.
كما أكد ماكرون وستارمر وكارني عزمهم على الاعتراف بدولة فلسطينية كجزء من حل الدولتين، مع استعدادهم للتعاون مع دول أخرى لتحقيق ذلك. وأعربوا عن رفضهم لتوسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وأدانوا توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وكذلك “اللغة المقيتة” لأعضاء الحكومة الإسرائيلية، كما انتقدوا التهديدات بالتهجير القسري للسكان في غزة.
وأكد القادة أيضاً “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب”، مطالبين حركة حماس بالإفراج الفوري عن الإسرائيليين المحتجزين منذ 7 أكتوبر 2023. لكنهم اعتبروا أن “التصعيد الإسرائيلي غير متوازن تماماً”، محذرين من استمرار الهجوم العسكري والقيود المفروضة على المساعدات، مؤكدين أن ذلك سيؤدي إلى اتخاذ إجراءات أخرى. كما هددوا باتخاذ تدابير محددة ضد المستوطنات غير القانونية.
وكانت هذه التصريحات قد تزامنت مع مواقف قوية من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف إسرائيل بأنها “دولة إبادة جماعية”، وأعلن أن إسبانيا “لا تتعاون تجارياً مع دولة كهذه”. كما دعا سانشيز إلى استبعاد “إسرائيل” من مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) وغيرها من الفعاليات الثقافية، مشيراً إلى ضرورة اتباع نهج أوروبية موحدة في الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، مستشهداً بردود الفعل تجاه الحرب الروسية على أوكرانيا.
وفي تعليق له، أشار محرر الشؤون الدولية في BBC جيرمي بوين إلى أن دبلوماسياً أوروبياً رفيع المستوى قد أكد له أن اللغة الحادة التي استخدمها القادة الأوروبيون تعكس “مشاعر حقيقية من الغضب السياسي المتزايد إزاء الوضع الإنساني وتجاوز الخطوط الحمراء، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية تبدو وكأنها تعمل بلا عقاب”.












