أصدقاء جريدة القربالأخبارالرأيمجتمع

الباحث ادريس الصغيوار يكتب: الرابح الأكبر من احتجاجات جيل “زد”: عبدالإله بنكيران

يبدو ان الرابح الاكبر من ظهور حركة “زد:هو حزب العدالة والتنمية ممثلا في شخص أمينه الاستاذ عبدالاله بنكيران ، فالرجل أثبت مرة أخرى أن له تأثيرا على مسارات الأحداث حتى وهو خارجها في أكثر اللحظات حساسية للوضع الأمني والسياسي. ، وله ثقل ليتكلم وسط صمت الجميع ، وله ولاء سلفي اكثر من السلفيين ، ونضال مستميت عن المطالب أكثر من اليساريين ، ووطنية فاعلة في صناعة الاستقرار أكثر من الوطنيين!! ونزاهة جعلت مواقفه تلمع وتبقى محط تقدير !
هذه الشخصية التي تؤلف بين هذه المواقف بخيوط رفيعة محسوبة تجعله محط إجماع معنوي حتى من الرادكاليين من خصوه .
فبعد احتدام احتجاجات “زد” في عدد من المدن المغربية، خيم صمت مهيب على كل الأحزاب المغربية ، فلم يصدر منها اي بيان – ولو بلغة ديبلوماسية فضفاضة – يعطي توصيفا للمشهد او يتبناه او ينتقده أو يشيد به أو يخونه !! باستثناء مبادرات فردية لرموز اليسار تحديدا ، ممن شاركوا بهتافاتهم في احتجاجات في الشمال وعددهم ( اثنين من الرموز حصرا) .
ومع بداية الانفلات الأمني للاحتجاجات في عدد من المدن ، أصدرت الحكومة تصريحا على لسان رئيسها ترحب بالحوار مع الحركة ( وهي اول من اطلق عليها مسمى الحركة ) ! كما أكدت على حق المحتجين في التعبير عن الرأي بسلمية والاستعداد لمناقشة المطالب بشفافية ومكاشفة ! والقت بهذا الكرة في ملعب الحركة !
وبرغم أن موقف الحكومة وضع الحراك في حرج كبير ، ليظهر للعلن ويبادر للحوار !! إلا أن قيادة “زد” التي لا يعرف لها اسم ولا وجه ولا رأس من ذيل !! أصرت بكل غموضها على رفض الحوار بل رفعت سقف المطالب الى اسقاط الحكومة وحل البرلمان وعدم الثقة بأي مكون سياسي حزبي كيفما كان !!!
هنا وبعدما استفحل الانفلات الامني بشكل  خطير في اكادير وايت عميرة انزكان وسلا ومراكش ووجدة وغيرها !! وجه الاستاذ عبدالإله بنكيران من زاويته الانيقة في بيته خطابا الى جيل”زد” بلغة سياسية أبوية غاية في النضج السياسي والديبلوماسي ! حيث أكد على الحق في الاحتجاج ، وشرعية المطالب ، والاحساس بالألم والمعاناة ، والمشاركة في هم الاصلاح والتغيير ، وفي الوقت نفسه ، اعطى للحراك بوصلة جديدة تمثلت في نقطتين اثنتين:
الاولى : تخبرهم ان الرسالة وصلت وسمعت ! وان جلالة الملك معهود عنه التفاعل مع هموم الشعب وقد اصغى الى المطالب وسمعها ، وهذا امتياز وانجاز
الثانية : ان الاستمرار في الاحتحاجات سيؤول الى نتائج عكسية ، ويزيد الاحتقان في الشارع ويؤدي الى نتائج كارثية ويؤثر سلبا على الحركة واهدافها.
ثم دعاهم الى العودة الى البيوت .
سجل التاريخ هنا ان ابن كيران رقم صعب في معادلة التدافع السياسي في المغرب !
فلم تستهجن الحركة خطاب بنكيران وتعاملت معه بعدم التعليق ! وهو موقف ينم ايضا عن احترام لرأيه وموقفه ! فالصمت موقف !!
ولم تعد الحركة الى بيتها وإنما عادت قياداتها المجهولة الى جحورها على تطبيق ديسكورد لتعبىء الشارع من جديد وترفع من وتيرة الاحتجاجات وسط دعوات مشبوهة من الخارج الى تجاوز الخطوط الحمر !!
صادف ذلك مناسبة الخطاب الملكي في دورة البرلمان ! فأطل ابن كيران من الزاوية نفسها ايضا في منتصف الليل ، ليخطاب جيل “زد”باللغة الابوية الديبلوماسية نفسها ، وكالعادة نفى علمه بطبيعة الحركة او معرفته برموزها ، واكد على نبل مطالبها ، ووجهها الى تجاوز مطلبها بحل الحكومة باعتباره يتجاوز الدستور ، ثم دعاها الى وقف التظاهر يوم الجمعة يوم الخطاب الملكي !!
لم تكن حركة “زد” قررت ايقاف التظاهر يوم الجمعة وانما دعت الى التظاهر يوم الخميس وجعلت الجمعة مسكوتا عنه !! في اشارة الى امكانية التظاهر يومها !! وهذا يعطيك انطباعا على ان القيادات الغامضة ليست من جيل”زد”قطعا وإنما ممن شاب رأسها في التمرس على الأداء السياسي ! !!!
فهم بنكيران اللغز .. وطالب الحركة بوقف التظاهر يوم الجمعة ، توقيرا للخطاب الملكي ..فصدر عن الحركة بيان يغازل بنكيران ويؤكد على عدم التظاهر يوم الجمعة ! فسجل التاريخ ان بنكيران له اثر فعلي في حركة ليس هو قائدها حتى .
ثم جاء الخطاب الملكي الذي امتص غضب الشارع بنسبة هائلة ، اذ تضمن التوجيه لاسس استراتيجية وتدابير تكتيكية لعلاج الازمة، فاصبح الوضع أكثر هدوءا وسط جدالات عن فحوى الخطاب وتنزيله من اعضاء “زد” اذ تجاهلوا مضمون الخطاب وقالوا كما قال اليهود: (بين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا ) !
هنا تصدر المشهد جماعة من الحزبيين ( بصفة شخصية ) واصدروا بيانا للتضامن مع حركة “زد”، حتى بعد ان ظهر ان من قادتها المحتملين اطراف خارجية وداخلية من بينهم معارضون للملكية .
وكان البيان فيه من المطالب اكثر حتى مما تبنته الحركة ! وكان من بين زعماء البيان (واحد من اعضاء حزب العدالة والتنمية المثيرين لاجدل عادة ) . وهو ما أغضب بنكيران فتبرأ مباشرة من البيان ونفى علاقته بالحزب واكد على ان الموقعين على البيان يتحملون مسؤولية التوقيع ولا علاقة للحزب بذلك ، ثم وجه اعضاء حزبه لعدم الانجرار خلف اي تعاطف او احتجاج الا بدعوة من رئاسة الحزب .
هذا اكد على ان بنكيران نأى بنفسه وحزبه عن الحراك ، وسجل موقف البراءة منه حتى وان كانت مطالبه مشروعة ، ولم يتعرض الى اي تخوين او طعن او حتى تسمية لهوية حركة “زد”الفكرية وعقيدتها السياسية برغم انه يعرفها كما يعرف أبناءه .
وكان هذاالموقف حكيما جعله يضع الحزب في منزلة من المنزلتين ، منزلة الحياد عن المشاركة في الحراك ، مع منزلة التثمين للمطالب والتعاطي (بنية) الصالحين مع z وعمقها لايديولوجي وارتباطاتها الخارجية المحتملة.
والمثير للسخرية ان حركة “زد” استهحنت بيان ( الشخصيات الحزبية ) واتهمتها بمحاولة الركوب على ظهر الحركة . فأكد هذا ان موقف بن كيران كان اعمق نظرا ممن اصدر البيان التعاطفي.
وقبل يومين فقط من كتابة هذا المقال توج عبدالاله بنكيران موقفه بخطاب صريح اكد فيه ان لا جدوى من احتجاجات مفتوحة وان مؤداها في النهاية الى هلاك البلاد والعباد ،وان الملكية خط أحمر لا صلاح للمغرب إلا بها شرعا وعقلا وتاريخا، وان على الحكومة ان تستقيل لأنها سبب مباشر في هذا الاحتقان !!
ميدانيا لم يغب عبدالاله بنكيران عن الشارع فحتى مع احتجاجات “زد” استثمر حدث ذكرى 7 أكتوبر ، لتأييد المقاومة الفلسطينية ، ليقوم بإنزال جماهيري في الرباط بحضور مكثف جعل جماهير “زد” تبدو غاية في القلة والهشاشة أمام حضور أتباعه !! ليس على مستوى العدد فقط وإنما على مستوى التنظيم والتأطير والانضباط ! فكانت رسالة من حزب العدالة لحركة “زد” والاحزاب الاخرى بأنه حاضر بقوة في الميدان وقادر على ضبط ايقاع المسيرات ! بطريقته لا سيما ولم تغب شعارات المطالب عن المسيرة !!
ومع انكماش نشاط “زد” بعد الخطاب الملكي ، والقرارات التي اصدرها لاصلاح الصحة والتعليم والشغل ( بتخصيص 15 مليار دولار لهذا الشأن ) ، اصبح المشهد اكثر هدوءا ، لاسيما قي سياق اصرار حركة “زد”على الغموض ، والحديث عن هويتها اليسارية ، وركوب معارضين مشبوهين في الخارج على خطها ، حتى اصبح حضورها الميداني ضعيفا يوحي بفقدانها للتأثير والمصداقية .

بقلم ادريس الصغيوار صحافي

شارك هذا المحتوى:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى