ادريس الصغيوار: كيف تم استهداف خامنئي؟
هناك تحول كبير وقع في استرتيجية الحروب الحالية في العالم، لعبت فيه التكنولوجيا بفروعها المتشعبة الدور الحاسم في إحداث ذلك التحول كما أصبحت الغطرسة والتنمر سلاحا ديبلوماسيا جديدا ينهي الحروب قبل وقوعها .
نموذج الحرب على إيران يكشف عن كثير من خبايا ذلك التحول على مستوى الأحداث الباعثة على الدهشة فيها فبعد ان فشلت الغطرسة في تركيع النظام الإيراني كليا دقت أمريكا طبول الحرب على النظام، فتم اغتيال رأس النظام الإيراني بسرعة خاطفة ومعه رؤوس أخرى من استشاريين وعسكريين وكبار رجالات الدولة ، ومن قبل فعل بأمثالهم الشيء نفسه حين هجمت أمريكا على مواضع الترسانة النووية في أصفهان وغيرها .
السؤال الملح هنا : أنى لأمريكا وذيلها إسرائيل كل هذه القدرة على الاختراق والتنفيذ الدقيق لعمليات اغتيال كهذه ؟ كيف استطاعت فعل ذلك؟ ومن قبل كيف استطاعت سرقة الرئيس الفنزويلي من غرفة نومه بهدوء؟
الجواب ببساطة: إنه الاختراق على كل المستويات
الاختراق الإليكتروني بخورزميات الذكاء (الفائق) مع الاختراق الجوي بشل منظومات المراقبة والرادار ثم الاختراق البنيوي للأبنية المحصنة بالقنابل الاستراتيجية والتكتيكية معا،وفي كل مراحل الاختراق يكون الذكاء الفائق حاضرا كأستاذ موجه لأفضل تطبيقات الخطة وأخطرها تجسيدا .
الاختراق الأمني الاستخباري كأسلوب أساسي قبل تنفيذ أي عملية عسكرية أو امنية ليس جديدا ..دوره ايضا ليس جديدا فهو حجر الزاوية في جعل الطلقة تصيب بدقة في التوقيت المناسب بعد عملتي الرصد والتحري ، هذا جرى ويجري به العمل عند استخبارت كل الجيوش في العالم لكنه تقليدي لا يجدي على المستويات الحساسة المحصنة ..لقد أصبح من الماضي.
فالجديد هنا هو نوع الاختراق وفاعليته ودقة دقته على كل المستويات : إنه الاختراق الفائق المعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي الذي لا قبل لعقل بشر أن يقوم مقامه في تحليل المعلومات الاستخبارية وتحصيل الطرق الأنسب للتنفيذ بل ومواكبة الخطة العسكرية والإشراف عليها من البداية إلى النهاية.
وبالعودة إلى نموذج الحرب على إيران الآن ، اعتمدت امريكا على آخر ما توصلت إليه من تكنولوجيا (الذكاء الفائق ) كما يحلو لترامب تسميته بينما العالم يلهو بالذكاء الاصطناعي وفرق شاسع بين التسميتين .
ولكي نبسط السيناريو فقد وصلت الضربة إلى خامينئي تحت أعماق الأرض عبر سلسلة إجراءات بدأت بجمع البيانات عنه وعن آخرين معه ، ثم تحليلها بالذكاء الفائق ، ثم جعل هذا الذكاء هو المعتمد في رصد التحركات وفق ما تم تحليله فكانت هذه مرحلة الرصد.
لتأتي مرحلة الضربة باعتماد الذكاء (الفائق ) أيضا ومن بين هذا النوع من الذكاء كان (كلود) حاضرا في الميدان وهو بديل الشات جي بي تي لكنه بنسخة فائقة غير متداولة يعمل كموظف (اجنس) لا كمحاور، كانت مهمة كلود هنا هو الأخذ بيد الصواريخ المجنحة باتجاه الهدف مع احتمالية الخطأ في التوجيه بنسبة 0 في المائة . هذا يعني رصد الرادارات ومضادات الصواريخ ومجالاتها والبحث عن الثغرات في الجو (المناطق التي لا يغطيها الرادار) وجعل الصاروخ يلتف بين الثغرات حتى يصل إلى هدفه . هنا يمكن القول إن الذكاء الفائق لعب بالصواريخ ككرة قدم (مثل ميسي في الملعب) بمهارة يتجاوز الرادارت ومضادات الصواريخ بتعرجات والتواءات غير مسبوقة .
بعد ذلك تأتي مرحلة توزيع الأدوار بين الصواريخ والطائرات . وهنا لابد ان أذكر بأن صانعي هذا الذكاء الفائق لا يعرفون عمليا كيف يفعل الذكاء الفائق ذلك وإنما يعلمون أنه يحسن استتثمار الشبكات العصبية في التحليل بناء على ما تم تعليمه . تماما كتلميذ علمته لكنك لا تدري كيف يستطيع حل أعقد المعادلات التي لا تستطيع أنت حلها .
في هذه المرحلة تم دمج الميكانيكا (العسكرية ) المتطورة أصلا بالذكاء الفائق وكان لطائرات الإف 35 دورا كبيرا في توسيع الطريق للصواريخ من خلال شل عمل الرادارات ( الروسية المتطورية ) بالليزر الموجه بحجب أشعة الرادار لإفساح المجال لدخول قاذفات الصواريخ الثقيلة ومنها الإف15 والقاذفات الاستراتيجية قبلها ، فالقاذفات الاستراتيجية تخترق التحصينات بالقنابل الاستراتيجية بالسقوط الحر ذات أطنان من المتفجرات بينما تتبعها الصواريخ الموجهة (بالزعانف) لتدخل إلى عمق المنطقة المخترقة بعدها وتصيب الأهداف تحت العمق الأرضي هنا كان دورالذكاء الفائق هو توجيه صواريخ (الأف 15) باتجاه الهدف الأرضي بدقة مستفيدة من زعانف الصواريخ التي توجهها ( كمقود السيارة) ومن ثغرات في الردارات الإيرانية ومن تغطية الإف 35 لتلك الرادات بأشعة الليزر .
إذن فالعملية برمتها تمت بتوليفة من التطور التكنولوجي ( تطور في مجال الطيران بشل الرادارات بالليزر+ تطور في مجال الذكاء بتحليل البيانات وإيجاد الثغرات والرصد وتوجيه الصواريخ ) + بيانات تم جمعها كانت هي أساس عملية الرصد والتتبع (استعملت فيها التكنلوجيا الحوسبية والعنصر البشري (العملاء المحليين) .
صوت خمينائي (كبصة ) ..مشيته ( كبصمة ) ..هيئته (كبصمة) .. وربما ظله ونفسه. وكل الذين معه من رؤوس النظام تم تسجيلها في خوارزميات الذكاء الفائق ليرصدها بنظام مراقبة (معتمد عليه ) كان هذا كنزا استخباراتيا لا يقدر بثمن تم توضيفه من قبل الذكاء الفائق للرصد ، ثم جاء اختراق (النظم الأمنية ) الهشة لإيران ليتحول إلى عين أمريكية تراقب وترصد التحركات بالأدوات الإيرانية نفسها فكل كامرة تديرها الحكومة الإيرانية أصبحت عينا ترى من خلالها الاستخبارات الأمريكية كل شيء، وجاء الدعم الاستخباريتي (البشري ) ليزيد من يقين المعلومة في الرصد والتتبع فكانت النتيجة رصد تحركات خامينئي لحظة بلحظة وكذلك ثلة من الذين معه من كبار رجال الدولة حتى استقر بهم الحال في اجتماع بات مكشوفا للنظم الأمنية الأمريكية كما شرحنا اعلاه وهكذا تم استهدافه بسهولة.
هنا نتذكر نصيحة أردوغان التي قدمها للدول الإسلامية عشية ضرب أمريكا لقيادات إيرانية في سياق الهجوم الفائت على ترسانتها النووية في أصفهان فقد صرح باعلى صوته : على الدول ان تراجع بنيتها الاستخبارية ، وان تنتبه اكثر من أي وقت مضى للاختراق . فقد كان يقصد أن التحصين ضد الاختراق يتطلب اكتساب تكنولوجيا مضادة مع بنية إدارية تمنع الاختراق على مستوى العنصر البشري.
فلا شك أن إيران لم تخترق تكنولوجيا فقط بل تم اختراقها بشريا أيضا فحتى كثير من حالات الاختراق التكنولوجي تعتمد في الأساس على بيانات يلعب الجواسيس والعملاء الخونة فيها الدور الأكبر فبدون قواعد بيانات عن الهدف يستحيل على الذكاء الفائق رصده وتحليله ثم إيجاد أسهل السبل العسكرية للوصول إليه .
ادريس الصغيوار: صحافي عضو منظمة كتاب بلا حدود















