مستقبل العلاقات المغربية الإسرائيلية في ميزان الجيوسياسية: قراءة بين الجذور الفكرية والمخاطر المرتقبة

أحدث مسار تطبيع العلاقات بين المملكة المغربية وإسرائيل تحولات جوهرية في المشهد السياسي المغاربي، حيث قفزت وتيرة التعاون من التنسيق الاستخباراتي السري إلى قنوات الاتصال المفتوحة، وصولاً إلى قرار تبادل السفارات وتوقيع شراكات عسكرية متقدمة. غير أن هذا المسار لا ينفصل عند قراءته تحليلياً عن المنظورات العميقة للأيديولوجيات الاستعمارية التي صاغت نظرة تاريخية محددة تجاه الشعوب العربية والمسلمة، مما يفرض تحديات ومخاطر مرتقبة على السيادة الوطنية والأمن الإقليمي، لا سيما مع بروز نقاشات محلية غير مسبوقة مثل محاولة تقديم تصريح لتأسيس “حزب الوحدة” ذي المرجعية اليهودية في المغرب.

أولاً: المبادئ الاستعمارية في الفكر الصهيوني والتعامل مع المحيط العربي والمسلم

تستند القراءة التحليلية لتفكيك السياسات الخارجية الإسرائيلية تجاه الدول العربية إلى مراجع فكرية وأيديولوجية كلاسيكية ترى في المحيط العربي والمسلم مجرد فضاء جيو-سياسي يخضع لاستراتيجيات الهيمنة، وتبرز تلك المبادئ من خلال:

  • منطق التجزئة والاحتواء: تبني عقيدة السعي لتفكيك كتل التضامن الإقليمي العربي والإسلامي عبر اختراقات ثنائية تعزل الدول عن قضاياها المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

  • النظرة النفعية والبراغماتية المطلقة: التعامل مع الاتفاقيات الدولية كأدوات مرحلية لتحقيق “الأمن القومي الإسرائيلي”، حيث تُمنح الأولوية لبناء اختراقات أمنية واقتصادية تضمن التبعية التكنولوجية أو العسكرية للطرف الآخر.

  • توظيف المكونات الثقافية: استخدام أوراق الذاكرة والتاريخ المشترك – كأداة ناعمة – لإعادة صياغة الوعي الجمعي المحلي وتسهيل التغلغل السياسي والاجتماعي. 

ثانياً: الكرونولوجيا السياسية للعلاقات المغربية الإسرائيلية

مرت العلاقات بين الرباط وتل أبيب بمحطات تصاعدية اتخذت مساراً زمنياً تميز بالانتقال من السرية إلى العلن الدبلوماسي:

  • المرحلة السرية (منذ 1956): اتصالات استخباراتية غير رسمية ركزت على ملفات تسهيل هجرة اليهود المغاربة والتنسيق الأمني المحدود.

  • مكاتب الاتصال (1994): فتح مكاتب اتصال رسمية عقب اتفاقية أوسلو، والتي أُغلقت لاحقاً عام 2000 بقرار مغربي تضامناً مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

  • الاتفاق الثلاثي (ديسمبر 2020): الإعلان عن استئناف العلاقات الدبلوماسية برعاية أمريكية مقترناً باعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، مما نقل العلاقات إلى طابع الشراكة الاستراتيجية العلنية. 

  • التحالف الأمني وتبادل السفارات: تسارع وتيرة التنسيق ورفع التمثيل الدبلوماسي لدرجة تبادل السفارات الكامل، ترافق مع عقود تسليح ضخمة وتدشين صناعات عسكرية مشتركة (كصناعة الطائرات المسيرة). 

ثالثاً: سياق تأسيس “حزب الوحدة” والجدل الدستوري في المغرب

شهدت الأوساط المغربية مؤخراً حدثاً أثار لغطاً سياسياً وقانونياً واسعاً، بعدما أودعت لجنة تأسيسية يقودها مواطن مغربي مراسلة لدى وزارة الداخلية لإخبارها بالشروع في تأسيس ما سُمي “حزب الوحدة ذو الأسس الديمقراطية والمرجعية اليهودية”، والذي حمل أيضاً اسماً رديفاً بالعبرية يحاكي اسم حزب “الليكود” الإسرائيلي. 

  • الموقف القانوني والمؤسساتي: سارعت مصادر مطلعة في الدولة إلى نفي قبول هذا الطلب، موضحة أن تسليم “وصل استلام” في مكتب الضبط لا يعني تلبية الشروط الدستورية. فالدستور المغربي (الفصل السابع) يمنع صراحةً تأسيس الأحزاب السياسية على أسس دينية، أو عرقية، أو لغوية، أو جهوية، مما يجعل تبني مرجعية يهودية محددة أو ربط اسم الحزب بتنظيم أجنبي كـ “الليكود” أمراً مخالفاً للقوانين الوطنية جملة وتفصيلاً.

  • الأبعاد التحليلية: يرى فاعلون في مناهضة التطبيع أن مجرد الإقدام على هذه الخطوة يعكس محاولة لاختبار الذاكرة السياسية للمغرب، والسعي لنقل الاختراق من المجال الدبلوماسي والعسكري إلى البنية السياسية والانتخابية الداخلية للمملكة. 

رابعاً: مخاطر التطبيع المرتقبة على المغرب

تتوزع المخاطر المحتملة لاستمرار تعميق العلاقات ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة على عدة مستويات جيو-سياسية ومجتمعية:

  • 1. التغلغل السياسي وتوسيع الاختراق الداخلي:
    إن مبادرات من قبيل محاولة إقحام مرجعيات أيديولوجية مرتبطة بأحزاب يمينية استيطانية (مثل الليكود) في الحقل الحزبي المغربي تشكل خطراً مباشراً على السيادة الوطنية. حيث تفتح الباب لتأسيس لوبيات داخلية قد ترهن القرار السياسي والاقتصادي لأجندات خارجية لا تخدم المصالح العليا للبلاد.

  • 2. تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع:
    تظهر استطلاعات الرأي والمسيرات الشعبية المتواصلة في المدن المغربية رفضاً شعبياً واسعاً لمسار التطبيع، وتحديداً بعد أحداث أكتوبر 2023. وعليه، فإن المضي قدماً في مأسسة العلاقات يهدد النسيج المجتمعي ويضعف التلاحم بين المؤسسة الحاكمة والقواعد الشعبية التي ترى في القضية الفلسطينية قضية وطنية.

  • 3. الابتزاز الاستراتيجي والتبعية العسكرية:
    الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية والاتفاقيات الأمنية يضع المغرب تحت طائلة التبعية التقنية والاستخباراتية. هذا الاعتماد قد يُستغل مستقبلاً كورقة ضغط تفرض على الرباط تنازلات سياسية معينة في ملفات إقليمية حساسة.

  • 4. تفاقم التوترات الإقليمية المغاربية:
    يساهم التحالف العسكري المفتوح مع إسرائيل في تعذير إمكانيات الحل السلمي أو التهدئة مع الجوار الإقليمي (خاصة الجزائر)، حيث يُنظر إلى هذا التواجد كعامل تهديد مباشر للأمن القومي المغاربي، مما يدفع المنطقة نحو سباق تسلح محموم يستنزف المقدرات الاقتصادية.
     

خلاصة

إن فحص أبعاد العلاقة المغربية الإسرائيلية في ضوء الأيديولوجيا الصهيونية يوضح أن الاندفاع نحو الشراكة الشاملة يحمل في طياته بذور أزمات بنيوية؛ فبينما تبحث الدبلوماسية المغربية عن مكاسب ظرفية لتحصين ملف الصحراء، تتحرك الاستراتيجية الإسرائيلية وفق أجندة بعيدة المدى تهدف إلى شرعنة وجودها والتوغل في النسيج السياسي والاجتماعي العربي، وهو ما يستدعي مراجعة وطنية دقيقة لخطوط وجدوى هذا المسار.

About The Author