لا يزال النقاش حول التعديلات التي أقرها المجلس العلمي الأعلى بشأن مدونة الأسرة مستمراً وبشدة بين العلماء والمواطنين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث كانت معظم الآراء رافضة للمقترحات التي أيدها أيضاً العاهل المغربي الملك محمد السادس.
وكشفت اللجنة المكلفة بتعديل مدونة الأسرة في المغرب عن تفاصيل التعديلات خلال جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس يوم الإثنين 23 دجنبر 2024. وشملت التعديلات شروط التعدد، وحضانة الأطفال بعد الطلاق، وتقسيم الثروة، بينما رفض المجلس العلمي مقترحات مثل إلغاء التعصيب في الإرث.
وعلى الرغم من تأكيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، خلال حديثه عن مستجدات مدونة الأسرة في المغرب، أن التعديلات لم تتعارض مع الثوابت الدينية والنصوص الشرعية، إلا أن العديد من العلماء من التيار المعتدل أو السلفي عبروا عن استيائهم وحذروا من تداعيات هذه التعديلات على المجتمع المغربي.
“الضغط والتضييق على الرجل”
تعتبر من أبرز الانتقادات الموجهة لتعديلات مدونة الأسرة، التصريحات التي أدلى بها الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، د. أحمد الريسوني، حيث أشار إلى أن الخيارات الفقهية والقانونية التي “تم اعتمادها تندرج ضمن ما يمكن النظر فيه والاجتهاد والتعديل”.

وبحسب الفقيه المقاصدي د. أحمد الريسوني، كما نشره مركز المقاصد للدراسات والبحوث يوم الأربعاء 25 دجنبر 2024، فإن “الاتجاه العام للاجتهاد الرسمي المعتمد هو الضغط والتضييق على الرجل: قبل الزواج، وأثناء الزواج، وبعد الطلاق وبعد الوفاة..!”.
ومن بين التعديلات التي أقرها المجلس العلمي الأعلى، تم اعتبار عمل الزوجة في المنزل مساهمة في زيادة الأموال المكتسبة خلال فترة العلاقة الزوجية، ووجوب نفقة الزوجة بمجرد إبرام العقد، بالإضافة إلى وقف دخول بيت الزوجية ضمن التركة.
وحذر الريسوني من أن هذا الاتجاه قد يؤدي إلى “آثار سلبية على الأسرة والمجتمع، وعلى المرأة بشكل خاص، من خلال دفع الشباب إلى الابتعاد عن الزواج والخوف منه، في ظل التسهيلات والإغراءات المريحة التي توفرها حياة العزوبية والعلاقات الحرة”. وأوضح الريسوني أن المرأة “ستحصل على مزيد من الحقوق والمكاسب والصلاحيات، لكن سيكون من الصعب أكثر فأكثر وجود الزوج، وربما سنحتاج في النهاية إلى الحل الهندوسي، حيث تدفع المرأة للرجل مهراً كبيراً ليقبل بالزواج!”. وفقاً لأحدث التقديرات الرسمية من المندوبية السامية للتخطيط، فإن نسبة النساء المغربيات اللواتي لا زلن عازبات بلغت 40.7%، بينما وصلت نسبة الرجال في نفس الفئة العمرية إلى 28.3%. كما أظهرت دراسة سابقة وجود حوالي 8 ملايين فتاة مغربية عانس.
مدونة الأسرة في المغرب “تدمير شامل”
كان تعليق الداعية المغربي محمد الفزازي على التعديلات التي طرأت على مدونة الأسرة في المغرب قاسياً ومليئاً بالسخرية، حيث قام بتقديم التهاني للنساء المطلقات والعوانس والرجال الذين يفضلون العزوبية، كما نشر ذلك على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

وقال الفزازي في تدوينته: “ألف مبروك للمطلقة على الحضانة المستمرة، وعلى النفقة حتى بعد زواجها برجل آخر، وألف مبروك لها على بيت زوجها الذي لن يُقسم مع التركة بعد وفاته، وألف مبروك لها على حمايتها من الضرات، فلا ضرة بعد اليوم إلا في حالات خاصة جداً”.
وأضاف الداعية المغربي: “ألف مبروك للرجال على نعمة العزوبية، وألف مبروك للعوانس على عنوستهن، فلن يجرؤ أحد على الزواج بعد اليوم! بل من يجرؤ من المتزوجين على الطلاق أصلاً حتى وإن دعت الحاجة…؟ وألف مبروك أكثر وأكثر للنسويات والحداثيين والتقدميين على هذا الانتصار الواضح”.
وعبّر الداعية حسن الكتاني عن موقف أكثر “قساوة” تجاه المدونة الجديدة، حيث كتب على حسابه في فيسبوك بتاريخ 25 دجنبر 2024: “المدونة الجديدة هي دمار شامل للأسرة المغربية”. كما انتقدت رابطة علماء المغرب العربي، التي يُعتبر الكتاني أحد أعضائها، التعديلات التي أُدخلت على مدونة الأسرة، مشيرةً في بيانها إلى أنها “تضمنت مخالفات واضحة لما هو متفق عليه في شريعة الله، مما يتعارض مع ما أعلنه الملك محمد السادس من حدود واضحة للاجتهاد الذي لا يمس ثوابت الدين”.

وفي بيانها، أعربت الرابطة عن شكوكها حول كون المجلس العلمي الأعلى هو المصدر الحقيقي لهذه التعديلات، قائلةً: “إذا ثبت ذلك، فإن ذلك يعني إسقاط هذا المجلس من أساسه، وهدم الأسس التي بُني عليها، والتي تهدف إلى حماية الإسلام والدفاع عن أحكامه في المملكة المغربية التي تأسست على الإسلام والمذهب المالكي”.
وأشارت الرابطة إلى أن من التعديلات المخالفة لإجماع المسلمين هو أن عقد الزواج “لا يتم إلا بشهادة شاهدين مسلمين، وإسقاط هذا الشرط يُبطل أصل النكاح. فلا ينعقد العقد حتى وإن صدر عن المحاكم ودُوِّن في الوثائق، فالانعقاد الشرعي لا يحدث إلا بما أقرته الشريعة الإسلامية”.
كما أكدت أن ولاية الأب على أبنائه ثابتة سواء قبل الطلاق أو بعده، وأن منح الأم الحاضنة النيابة القانونية يُعتبر ظلماً للزوج وحرماناً له من حقوقه. وأوضحت أن ديون الزوجة منفصلة عن ديون الزوج، ولا يجوز تحميل أحد الزوجين ديون الآخر إلا بموافقته.
من جانبه، قال الباحث الأكاديمي إدريس الكنبوري إنه رغم عدم ظهور النص النهائي لمدونة الأسرة بعد، “إلا أن التعديلات التي تحدث عنها وزير الأوقاف ووزير العدل تُظهر الاضطراب والتفكك وغياب التنسيق. ويعود ذلك إلى هيمنة روح التوافق وترضية المعسكر العلماني، مما أدى إلى التسرع وغياب الواقعية”.

وفيما يتعلق بالتعدد، أشار الكنبوري إلى أن التعديل نص على اشتراط الزوجة في العقد عدم التزوج عليها، مع وضع استثناءات، منها حالة عقم الزوجة. لكنه لم يقدم حلاً للمشكلة إذا ظهرت بعد الزواج مع وجود الشرط في العقد. أما الشروط الأخرى المتعلقة بالتعدد فقد جعلته شبه مستحيل.
واعتبر الأكاديمي المغربي، في منشور له على فيسبوك، أن التعديلات “لم تهدف إلى بناء أسر جديدة بل إلى تدمير الأسر الحالية ومنع ظهور أسر جديدة. ومع تراجع عدد السكان في المغرب وفقاً للإحصاء العام، والذي يشير إلى انخفاض نسبة المواليد، نتوقع أن نشهد تراجعاً أكبر في عدد السكان خلال العقد القادم، مما سيؤدي إلى شيخوخة المجتمع لنصبح مثل الدول الأوروبية”.
تأثير مدونة الأسرة على الأجيال القادمة
دعا وزير العدل السابق مصطفى الرميد إلى التروي قبل اعتماد التعديلات المقترحة على مدونة الأسرة. وأكد أن هذه التعديلات “يجب أن تُعد بعناية، وبطريقة تساهم في الحد من التراجع الديمغرافي بدلاً من تعزيزه”.
وأشار الرميد، في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك، إلى أنه “من الضروري أن نعيد تقييم أوضاعنا، وأن نفكر بعمق وبنظرة مستقبلية في مستقبل المغرب، مغرب الأجيال القادمة التي قد تفقد أهم مقوماتها بسبب حساباتنا الضيقة وقصر نظرنا”.
ونبه الوزير المغربي السابق إلى معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى الأخير، الذي أظهر انخفاضاً مقلقاً في معدلات الخصوبة، حيث تراجع المعدل الوطني من 2.5% في سنة 2004 إلى 1.97% في سنة 2024. وأوضح أن استمرار هذا الانخفاض “قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المستقبل الديمغرافي للبلاد”.

;أشار إلى أن الانخفاض الذي شهدته الأسر المغربية قد أدى إلى تقليص عدد أفرادها من 5.3 في سنة 2004 إلى 3.9 في سنة 2024، وفقاً للإحصائيات المتاحة. وأكد أن هذا التراجع لا يقتصر على الجانب الاجتماعي فحسب، بل يهدد التوازن المجتمعي على المدى الطويل.
واستشهد الرميد بمدونة الأحوال الشخصية لعام 1957 التي كانت أكثر إدراكاً لأهمية العامل الديموغرافي، حيث نصت على أن الزواج “ميثاق ترابط وتماسك غايته العفاف وتكثير سواد الأمة”. وأكد أن هذا الوعي قد غاب عن مدونة الأسرة منذ عام 2004.
وشدد الوزير السابق على ضرورة أن تكون معالجة الإشكالية الديمغرافية جزءاً أساسياً من أي تعديل تشريعي يتعلق بالأسرة. كما دعا إلى أن تكون الإصلاحات التشريعية وسيلة لمعالجة الإشكاليات الاجتماعية والديموغرافية، بما يضمن استدامة التوازن المجتمعي ويأخذ بعين الاعتبار مصلحة الأجيال القادمة.





