ذ عبدالهادي باباخويا يكتب: “النسب في الشريعة الإسلامية بين منطق الحفظ ومنطق المؤاخذة
يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل أطروحة ذ.المصطفى الرميد وزير الدولة السابق، حول إلحاق الولد المتولد عن علاقة غير شرعية بأبيه البيولوجي، وذلك من خلال قراءة أصولية مقاصدية، تستحضر النصوص القطعية والإجماع الفقهي، ومنهج سدّ الذرائع ومراعاة المآلات، مع الوقوف عند المذهب المالكي بوصفه نموذجًا فقهيًا متكاملًا في باب الأنساب، واستحضار آراء بعض المقاصديين المعاصرين، وفي مقدمتهم د. أحمد الريسوني والعلامة يوسف القرضاوي رحمه الله. ويخلص البحث إلى أن إنصاف الطفل المولود خارج إطار الزواج مقصدٌ شرعيٌّ معتبر، غير أن تحقيقه لا يكون بإعادة تعريف النسب، بل بآليات شرعية تحفظ التوازن بين العدل والضبط، وبين الرحمة وحفظ النظام الأسري.
أولا- مقدمة منهجية:
يُعدّ النسب من أخطر القضايا الشرعية أثرًا، وأشدّها اتصالًا بمقاصد الشريعة الكلية، لما يترتب عليه من أحكام شرعية وأعمال اجتماعية وإجراءات قانونية، تمسّ بنية الأسرة واستقرار المجتمع، وصيانة الأعراض وحفظ الأنساب، وهو أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة برعايتها.
وقد تجدد النقاش في هذا الباب في سياق دعوات معاصرة، ترمي إلى إلحاق الطفل الناتج عن علاقة غير شرعية بأبيه البيولوجي، استنادًا إلى مقاصد العدل ورفع الظلم، وعدم تحميل الطفل وزر غيره. وهي دعوات وإن انطلقت من مقاصد إنسانية معتبرة، فإنها تقتضي تمحيصًا علميًا دقيقًا، يميز بين سلامة القصد وسلامة التنزيل.
ثانيا- تحرير محل النزاع:
من الناحية المنهجية لا بد من التمييز بين قضيتين مختلفتين:
1- براءة الطفل من إثم الزنا:
وهو أمرٌ قطعيٌّ محلُّ إجماع، تأسيسًا على قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
فلا إثم على الطفل ولا مؤاخذة، ولا تبعة شرعية عليه.
2- إثبات النسب الشرعي المترتب عليه أحكام البنوة الكاملة:
وهو محل الخلاف، ولا يتعلق بالمؤاخذة الأخلاقية، بل ببناء نظام تشريعي يحفظ الأنساب، ويمنع اختلاطها ويصون مؤسسة الأسرة.
والخلط بين هذين المستويين يؤدي إلى إدخال ما هو محل اتفاق في دائرة النزاع، وهو خلل منهجي مؤثر.
ثالثا- مقصد العدل وضوابطه الأصولية:
لا خلاف في أن العدل مقصدٌ كلي من مقاصد الشريعة، غير أن العدل الشرعي ليس مفهومًا وجدانيًا مجردًا، بل هو عدلٌ منضبط بالنصوص، ومؤطَّر بالمنظومة التشريعية الكاملة.
وقد قرر الأصوليون أن: “العدل ما عدلته الشريعة، والظلم ما ظلمته الشريعة.”
وعليه فليس كل ما تستثقله العاطفة يُعدّ ظلمًا شرعًا، إذا دلّ الدليل على أن في ترتيبه مصلحةً عامة، أو دفعًا لمفسدة أعظم.
رابعا- قاعدة «ولا تزر وازرة وزر أخرى» ومجالها:
هذه القاعدة تتعلق بالتكليف والثواب والعقاب، ولا تتعلق بالأحكام الوضعية المنظمة للأنساب.
وقد فرّق الفقهاء -بلا خلاف- بين: انتفاء الإثم وانتفاء الحكم الوضعي. فالطفل لا يأثم بزنا أبويه، لكن ذلك لا يقتضي ثبوت النسب، كما لا يقتضي ثبوت الإرث أو الولاية أو سائر آثار البنوة.
خامسا- التفريق بين الأمومة والأبوة:
من الإشكالات المتكررة الإعتراض على التفريق بين ثبوت الأمومة ونفي الأبوة، بدعوى وحدة العلة. وهو اعتراض غير مسلَّم أصوليًا.
وقد قرر المالكية هذا التفريق بوضوح، حيث قال الإمام القرافي رحمه الله: «الأمومة تثبت بالحسّ، والأبوة تثبت بالشرع، وما ثبت بالحس لا يُنازع فيه، وما ثبت بالشرع يفتقر إلى إذنه»
فالتفريق هنا تفريق بين سببين مختلفين في الثبوت، لا تناقض فيه ولا تحكم.
سادسا- المذهب المالكي في نسب ولد الزنا:
1-القاعدة العامة: قرر المالكية كسائر المذاهب أن: «الزنا لا يُنشئ نسبًا»، وهو ما قرره ابن عبد البر في قوله: «أجمع العلماء على أن الزنا لا يُلحِق نسبًا، ولا يُثبت أبوة ولا يوجب ميراثًا»،وهذا إجماع عملي معتبر..
2- في الإستلحاق: قال الشيخ خليل: «ولا يُلحق ولد الزنا بالزاني وإن استلحقه»، وقال أيضا الإمام الدردير: «لأن النسب حق لله تعالى، فلا يثبت إلا بما أذن فيه الشرع»، وهذا يؤكد أن النسب ليس حقًا شخصيًا محضًا، بل نظامًا عامًا.
3- سدّ الذرائع: يشدد المذهب المالكي في باب الأنساب سدًّا للذرائع، إذ قال الإمام مالك في موطئه: «ما كان ذريعة إلى الفساد مُنع وإن كان في أصله جائزًا»
وأكد ذلك الإمام الشاطبي بقوله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا»
سابعا- كلام الإمام ابن القيم وموقعه من الخلاف:
ما نُقل عن ابن القيم في إلحاق ولد الزنا بالزاني اجتهادٌ فردي، لم يُبنَ عليه عملٌ قضائي ولا إجماع، وخالف فيه جمهور الفقهاء، وقد تقرر أصوليًا أن: “القول الشاذ لا يُعارَض به الإجماع المستقر”. كما أن ابن القيم نفسه، من أكثر من قرر قاعدة سدّ الذرائع في باب الفروج.
ثامنا- البصمة الوراثية وحدود اعتبارها:
لا خلاف في أن البصمة الوراثية وسيلة قوية في الإثبات، لكن الخلاف في محل استعمالها. حيث قررت المجامع الفقهية: “أنها قرينة معتبرة”، لكنها لا تُنشئ نسبًا لم يُنشئه الشرع، ولا تُقدَّم على الفراش، وإلا فُتح باب اختلاط الأنساب باسم العلم.
تاسعا- موقف الأئمة المقاصديين المعاصرين:
1- د.أحمد الريسوني: قرر د.الريسوني بوضوح أن: «المقاصد لا تُستعمل لهدم الأحكام، وإنما لفهمها وتحقيقها» وأكد أيضا أن: «العدل المقاصدي عدلٌ منضبط، لا عاطفي» وأن إنصاف الطفل يكون بالرعاية والكفالة، لا بإعادة تعريف النسب.
2- العلامة د.يوسف القرضاوي:
قال رحمه الله: «الولد الناتج عن الزنا لا يُنسب إلى الزاني، وإن كان بريئًا من الإثم، وله حق الكرامة والرعاية» وقال أيضا: «نرفض تحميل الطفل جريمة غيره، ونرفض كذلك فتح باب يفضي إلى إباحة الزنا عمليًا باسم الرحمة».
عاشرا- المقاصد والمآلات:
إلحاق ولد الزنا بأبيه البيولوجي يفضي إلى مفاسد راجحة منها:
– تقويض مؤسسة الزواج
– تشجيع العلاقات غير الشرعية ضمنيًا
– اختلاط الأنساب
– تحويل النسب إلى واقعة بيولوجية
وقد تقرر أن: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.
وفي الختام نؤكد: أن إنصاف الطفل المولود خارج إطار الزواج مقصدٌ شرعيٌّ معتبر، لكنه لا يتحقق بهدم نظام النسب ولا بإلغاء ضوابطه، وإنما يتحقق عبر أساليب وآليات نذكر منها: الكفالة والرعاية، ورفع الوصم الإجتماعي، مع ضمان الحقوق الإنسانية والمعيشية، دون أن ننسى تحميل المسؤولية الكاملة للفاعل لا للضحية.. وصدق الإمام الشاطبي حين قرر أن: «الشريعة إنما وُضعت لمصالح العباد جملةً، لا آحادًا، ولا تُنال المصالح بإهدار الكليات».
والحمد لله ذو الجلال والإكرام
شارك هذا المحتوى:












